من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
ابْن عبد ربّه
ماذا روى «الوافي بالوفيات» عن ابن عبد ربه؟
أَحْمد بن مُحَمَّد بن عبد ربّه بن حبيب بن حدير بن سَالم مولى هِشَام بن عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة الْأمَوِي مولده سنة سِتّ وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ وَتُوفِّي سنة ثَمَان وَعشْرين وثلاثمائة عَن إِحْدَى وَثَمَانِينَ سنة وَثَمَانِية أشهر وَثَمَانِية أَيَّام كنيته أَبُو عمر قَالَ الْحميدِي من أهل الْعلم وَالْأَدب وَالشعر وَهُوَ صَاحب كتاب العقد فِي الْأَخْبَار مقسم على عدَّة فنون وسمّى كلّ بَاب مِنْهُ على نظم العقد كالواسطة والزبرجدة والياقوتة والزمردة وَمَا أشبه ذَلِك وَبَلغنِي أَن الصاحب ابْن عباد سمع بِكِتَاب العقد فحرص حَتَّى حصله فَلَمَّا تَأمله قَالَ هَذِه بضاعتنا ردَّت إِلَيْنَا ظَنَنْت أَن هَذَا الْكتاب يشْتَمل على شَيْء من أَخْبَار بِلَادهمْ وَإِنَّمَا هُوَ مُشْتَمل على أَخْبَار بِلَادنَا لَا حادة لنا فِيهِ فردّه قَالَ الْحميدِي وشعره كثير مَجْمُوع رَأَيْت مِنْهُ نيفاً وَعشْرين جُزْءا من جملَة مَا جمع للْحكم بن عبد الرَّحْمَن النَّاصِر الْأمَوِي وَبَعضهَا بِخَطِّهِ وَكَانَت لَهُ بِالْعلمِ جلالة وبالأدب رئاسة وَشهر مَعَ ديانته وصيانته واتفقت لَهُ أَيَّام ولاياتٍ للْعلم فِيهَا نفاقٌ فَسَاد بعد الخمول وأثرى بعد فقر إِلَّا أَنه غلب عَلَيْهِ الشّعْر وَيُقَال أَنه أول من نظم الموشحات)
بالمغرب وَقسم كتاب العقد على خمس
وَعشْرين كتابا كلّ مِنْهَا جزءان فجَاء خَمْسُونَ جُزْءا كلّ كتاب باسم جَوْهَرَة فأوَّلها اللؤلؤة فِي السُّلْطَان الفريدة فِي الحروب الزبرجدة فِي الأجواد الجمانة فِي الْوُفُود المرجانة فِي مُخَاطبَة الْمُلُوك الياقوتة فِي الْعلم وَالْأَدب الْجَوْهَرَة فِي الْأَمْثَال الزمردة فِي المواعظ الدّرة فِي النوادب والمراثي الْيَتِيمَة فِي الْأَنْسَاب العسجدة فِي كَلَام الأعرب المجنَّبة فِي الْأَجْوِبَة الْوَاسِطَة فِي الْخطب المجنَّبة الثَّانِيَة فِي التوقيعات والفصول والصدور وأخبار الكتبة العسجدة الثَّانِيَة فِي الْخُلَفَاء وأيامهم الْيَتِيمَة الثَّانِيَة فِي أَخْبَار زِيَاد وَالْحجاج والطالبيين والبرامكة الدرة الثَّانِيَة فِي فَضَائِل الشّعْر ومقاطعه ومخارجه الْجَوْهَرَة الثَّانِيَة فِي أعاريض الشّعْر وَعلل القوافي الياقوتة الثَّانِيَة فِي علم الألحان وَاخْتِلَاف النَّاس فِيهِ المرجانة الثَّانِيَة فِي النِّسَاء وصفاتهن الجمانة الثَّانِيَة فِي المتنبئين والمرورين والطفيليين الزبرجدة الثَّانِيَة فِي النُّتف والهدايا والتحف والفكاهات وَالْملح الفريدة الثَّانِيَة فِي الهيئات واللباس وَالطَّعَام وَالشرَاب اللؤلؤة الثَّانِيَة فِي طبائع الْإِنْسَان وَسَائِر الْحَيَوَان وتفاضل الْبلدَانِ
وَله أشعار سمّاها الممحَّصات وَذَلِكَ أَنه نقض كل قِطْعَة قَالَهَا فِي صباه وغزله بِقِطْعَة فِي المواعظ والزهد من ذَلِك
أَلا إِنَّمَا الدُّنْيَا غضارة أيكةإِذا اخضرَّ مِنْهَا جَانب جفَّ جانبُ
هِيَ الدَّار مَا الآمال إِلَّا فجائعٌعَلَيْهَا وَلَا اللَّذَّات إلاّ مصائب
وَكم سخنت بالْأَمْس عينٌ قريرةٌوقرَّت عيونٌ دمعها الْآن ساكب
فَلَا تكتحل عَيْنَاك مِنْهَا بعبرةٍعلى ذَاهِب مِنْهَا فَإنَّك ذَاهِب
وَمن شعره
يَا ذَا الَّذِي خطَّ العذار بِوَجْهِهِخطَّين هاجا لوعةً وبلابلا
مَا صحّ عِنْدِي أنَّ لحظك صارمٌحَتَّى لبست بعارضيك حمائلا
قَالَ ابْن خلكان قَاضِي الْقُضَاة شمس الدّين أَخذه الْبَهَاء أسعد السنجاري فَقَالَ
يَا سيف مقلته كملت ملاحةًمَا كنت قبل عذاره بحمائل
وَمن شعر ابْن عبد ربه
إنّ الغواني إِن رأينك طاوياًبرد الشَّبَاب طوين عَنْك وصالا
)
وَإِذا دعونك عمهنَّ فإنّهنسبٌ يزيدك عندهنَّ خبالا
وَقَالَ فِي الْمُنْذر بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن الحكم الْأمَوِي من أَبْيَات
بالمنذر بن مُحَمَّدشرفت بِلَاد الأندلس
فالطير فِيهَا ساكنٌوالوحش فِيهَا قد أنس
قَالَ الْوَزير المغربي فِي كتاب أدب الْخَواص وشٌقت هَذِه القصيدة عِنْد انتشارها على المعّز أبي تَمِيم معدّ وساءه مَا تضمنته من الْكَذِب والتمويه إِلَى أَن عارضها شاعره الإياديّ بِأَبْيَات أَولهَا
ربعٌ لميّة قد درسواعتاض من نطقٍ خرس
وَلابْن عبد ربّه
نعق الْغُرَاب فَقلت أكذب طائرٍمَا لم يصدقهُ رُغَاء بعيرٍ
قَالَ ابْن خلكان وَفِيه الْتِفَات إِلَى قَول بَعضهم
لهنّ الوجى لم كنّ عوناً على النَّوَىوَلَا زَالَ مِنْهَا ظالعٌ وحسير
وَمَا الشؤم فِي نعق الْغُرَاب ونعبهوَلَا الشؤم إلاّ ناقةٌ وبعير
قلت والتفاتٌ إِلَى قَول الآخر مَا فرق الأحباب بعد الله إِلَّا الْإِبِل وَمَا غراب الْبَين إِلَّا نَاقَة وجمل وَحَام على هَذَا أَبُو الطّيب فَقَالَ
وَمَا عفت الرِّيَاح لَهُم محلاًّعفاها من حدا بهم وساقا
وَهُوَ كثير
وَلابْن عبد ربّه أَيْضا
يَا لؤلؤاً يسبي الْعُقُول أنيقاورشاً بتقطيع الْقُلُوب رَفِيقًا
مَا إِن رَأَيْت وَلَا سَمِعت بِمثلِهِدرّاً يعود من الْحيَاء عقيقا
وَقَالَ وَهُوَ آخر مَا قَالَه
بليت وأبلتني اللَّيَالِي بكرّهاوصرفان للأيام معتوران
وَمَالِي لَا أبلى لسَبْعين حجّةًوعشرٍ أَتَت من بعْدهَا سنتَانِ
)
وأصابه الفالج قبل وَفَاته بأعوام
وَكَانَ ابْن عبد ربّه صديقا لأبي مُحَمَّد يحيى القلفاط الشَّاعِر ثمَّ فسد مَا بَينهمَا وتهاجيا وَكَانَ السَّبَب فِي ذَلِك أَن ابْن عبد ربّه مرّ بِهِ يَوْمًا وَكَانَ فِي مَشْيه اضْطِرَاب فَقَالَ أَبَا عمر مَا علمت
أَنَّك آدر إِلَّا الْيَوْم لمّا رَأَيْت مشيك فَقَالَ لَهُ ابْن عبد ربّه كذبتك عرسك أَبَا مُحَمَّد فعزّ على القلفاط كَلَامه وَقَالَ لَهُ أتتعرّض للحرم وَالله لأرينّك كَيفَ الهجاء ثمَّ صنع فِيهِ قصيدة أَولهَا
يَا عرس أَحْمد إِنِّي مزمعٌ سفرافودّعيني سرا من أبي عمرا
ثمَّ تهاجيا بعد ذَلِك وَكَانَ القلفاط يلقبه بطلاس لِأَنَّهُ كَانَ أطلس اللِّحْيَة ويسمّى كتاب العقد حَبل الثوم فاتفق اجتماعها يَوْمًا عِنْد بعض الوزراء فَقَالَ الْوَزير للقلفاط كَيفَ حالك الْيَوْم مَعَ أبي عمر فَقَالَ مرتجلاً
حَال طلاسٌ لي عَن رائهوَكنت فِي قعدد أبنائه
فبدر ابْن عبد ربّه وَقَالَ
إِن كنت فِي قعدد أبنائهفقد سقى أمَّك من مَائه
فَانْقَطع القلفاط خجلاً
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع