من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
شهَاب الدّين ابْن غَانِم
أَحْمد بن مُحَمَّد بن سُلَيْمَان بن حمائل الْجَعْفَرِي بن عَليّ بن معلّى بن طريف أخي الشريف حصن الدّين ثَعْلَب ابْن أبي جميل دحيّة بِضَم الدَّال الْمُهْملَة وَفتح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء)
آخر الْحُرُوف بن جَعْفَر بن مُوسَى بن إِبْرَاهِيم ابْن إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر بن مُحَمَّد بن عَليّ الزَّيْنَبِي كَذَا أمْلى نِسْبَة علَّي الشَّيْخ أثير الدّين أَبُو حيّان والعهدة عَلَيْهِ فِي ذَلِك الشَّافِعِي ابْن بنت الْقدْوَة الشَّيْخ غَانِم إِمَام كَاتب مترسل نديم إخباري يتفيهق فِي كَلَامه وإنشائه ويطوّل نَفسه فِي إنشائه ويستحضر من اللُّغَة شَيْئا كثيرا وَمن شعر المعري كثيرا خُصُوصا لُزُوم مَا لَا يلْزم وزهدياته وباشر الْإِنْشَاء بصفد وغزَّة وقلعة الرّوم فِيمَا أَظن وَفِي كل مَكَان لَهُ وقائع مَعَ نوّاب ذَلِك وأوابد وَيخرج هَارِبا وَكتب قُدَّام الصاحب شمس الدّين
غبريال فاتفق أَن هرب مَمْلُوك للأمير شهَاب الدّين قرطاي فظفر بِهِ الصاحب وَأمره أَن يكْتب على يَده إِلَى مخدومه كتابا يَقُول فِيهِ إِنَّه إِنَّمَا هرب خوفًا مِنْك فَكتب الْكتاب وَجَاء فِي هَذَا الْمَعْنى الْمَقْصُود فَقَالَ وَإِذا حسن المقرّ فَلَمَّا وقف الصاحب على ذَلِك أنكر هَذَا وَقَالَ مَا هَذِه مليحة فطار عقل شهَاب الدّين لِأَنَّهُ ظنَّ أَن ذَلِك يُصَادف موقعاً يهش لَهُ ويزهزه فَضرب الدَّواة إِلَى الأَرْض وَقَالَ مَا أَنا ملزوم بالغلف القلف وَخرج مُتَوَجها إِلَى الْيمن وَكتب لصَاحِبهَا ثمَّ خرج مِنْهَا هَارِبا
وشهاب الدّين ﵀ إِنَّمَا أَخذ هَذَا من قَول الشَّاعِر
تجنّبت الأباعد والأدانيلِكَثْرَة مَا يعاودني أذاهم
إِذا خشن المقّر لَدَى أناسٍفقد حسن المفرّ إِلَى سواهُم
وَكَانَ خشن الملبس شظف الْعَيْش مطّرح الكلفة يلبس البابوج الَّذِي يلْبسهُ الصُّوفِيَّة ويلف الطول المقفّص الاسكندراني والقماش الْقصير وَكَانَ حُلْو المعاشرة ألف بِهِ القَاضِي فَخر الدّين نَاظر الْجَيْش واستكتبه فِي بَاب السُّلْطَان وَلما توفّي فَخر الدّين رَجَعَ إِلَى الشَّام كَاتب إنْشَاء وَاخْتَلَطَ قبل مَوته بِسنتَيْنِ وَكَانَ مولده قبل مولد أَخِيه عَلَاء الدّين بشهور سنة إِحْدَى وَخمسين تَقْرِيبًا بِمَكَّة ووفاته بعد أَخِيه بشهور سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة وَكَانَ يَقُول دَائِما زاحمني أخي عَليّ فِي كل شَيْء حَتَّى قي لبن أُمِّي وَمَات وَله سِتّ وَثَمَانُونَ سنة تَقْرِيبًا وَسمع من ابْن عبد الدايم وَقَرَأَ على ابْن مَالك وَعرض عَلَيْهِ الْعُمْدَة وَبعده على وَلَده بدر الدّين وعَلى مجد الدّين بن الظهير الإربلي وخرّج لَهُ البرازالي مشيخةً مِنْهُم ابْن أبي الْيُسْر ولأيوب الحمامي والزين خَالِد وَعبد الله بن يحيى ابْن البانياسي وَمُحَمّد بن النشبي وَيحيى بن الناصح وَكَانَ إِذا أنشأ أَطَالَ فكره ونتف شعر ذقنه أَو وَضعه فِي فَمه وقرّضه بثناياه أَنْشدني من لَفظه لنَفسِهِ
وَالله مَا أَدْعُو على هاجريإلاّ بِأَن يمحن بالعشق
)
حَتَّى يرى مِقْدَار مَا قد جرّىمِنْهُ وَمَا قد تمّ فِي حقّي
وأنشدني من لَفظه لنَفسِهِ
يَا حسنها من رياضٍمثل النُّضار نضاره
كالزهر زهراً وعنهاريح العبير عباره
وأنشدني من لَفظه لنَفسِهِ
بِأبي صائغٌ مليح التثنيبقوامٍ يزري بخوط البان
أمسك الكلبتين يَا صَاح فاعجبلغزالٍ بكفّه كلبتان
وأنشدني العلاّمة أثير الدّين من لَفظه قَالَ أَنْشدني الْمَذْكُور لنَفسِهِ بِالْقَاهِرَةِ
طرفك هَذَا بِهِ فتورٌأضحى لقلبي بِهِ فتون
قد كنت لولاه فِي أمانٍلله مَا تفعل الْعُيُون
وأنشدني بالسند الْمَذْكُور لَهُ
يَا نازحاً عني بِغَيْر بعادلولاك مَا علق الْهوى بفؤادي
أَنْت الَّذِي أفردتني منّي فليبك شاغل عَن مقصدي ومرادي
سهرت بحبّك مقلتي فحلا لَهَافِيك السهاد فَلَا وجدت رقادي
ورضيت مَا ترضي فَلَو أقصيتنيأَيَّام عمري مَا نقضت ودادي
أَنْت الْعَزِيز علَّي أَن أَشْكُو لَك الوجد الَّذِي اهديته لفؤادي
ولشهاب الدّين لبن غَانِم رَحمَه الله تَعَالَى
مَا اعْتِكَاف الْفَقِيه أخذا بأجرٍبل بحكمٍ قضى بِهِ رَمَضَان
هُوَ شهر تغلُّ فِيهِ الشياطينُ وَلَا شكّ أَنه شَيْطَان
وَله أَيْضا
أَيهَا اللائمي لأكلي كروشاًأتقنوها فِي غَايَة الإتقان
لَا تلمني على الكروش فحبّيوطني من علائم الْإِيمَان
قلت هُوَ وَالشَّيْخ صدر الدّين أخذا الْمَعْنى من النصير الحمامي حَيْثُ قَالَ
رَأَيْت شخصا آكلاً كِرشةًوهُو أَخُو ذوقٍ وَفِيه فِطَن
وَقَالَ مَا زِلتُ مُحباً لَهَاقلت من الْإِيمَان حبُّ الوطن
)
ولشهاب الدّين ابْن غَانِم أَيْضا
تعجّب النَّاس للبطيخ حِين أَتَىبِحِين حينٍ وَإِذ وافى بطاعون
وَكَيف لَا يقطع الْأَعْمَار مقدمهوَلَيْسَ يُؤْكَل إِلَّا بالسكاكين
وَله وَقد أَضَافَهُ الْملك الْكَامِل ولمّا خرج نسي عِنْده فرجّية فطلبها فمطله بهَا فَكتب إِلَيْهِ
يَا ذَا الَّذِي أَطْعمنِيفِي بَيته سبع لقم
ورام أَخذ جبّتيهَذَا على الرطل بكم
لمّا كَانَ قراسنقر نَائِبا بِدِمَشْق أَمر أَن يبيت كلّ لَيْلَة بِالْقصرِ الأبلق وَاحِد من الموقّعين فَنَامَ لَيْلَة الشَّيْخ نجم الدّين حسن بن مُحَمَّد الصَّفَدِي وَكتب فِي حَائِط الْمَكَان الَّذِي يبيتُونَ بِهِ
عذبت لَيْلَة الْمبيت بقلبيفَهِيَ عِنْدِي مأمولة التَّوْقِيت
فَلَمَّا كَانَت اللَّيْلَة الثَّانِيَة نَام شهَاب الدّين أَحْمد بن غَانِم وَرَأى الْبَيْت فَكتب تَحْتَهُ
لَيْت شعري من بيّت الشَّيْخ حَتَّىرَاح يثني خيرا على التبييت
وَكتب إِلَى قَاضِي قلعة الرّوم وَكَانَ اسْمه مُبَارَكًا وَقد جَاءَهُ ابْن سَمَّاهُ أنسا
تهنّ يَا مُبَارَكًابِالْوَلَدِ الْمُبَارك
بِمن سموهُ أنسالِأَنَّهُ ابْن مالكي
وَكتب إِلَى قَاضِي الْقُضَاة جمال الدّين بن وَاصل وَقد أقعده عاقداً بحماة فِي مكتب فِيهِ السَّيْف عَليّ بن المغيزل
مولَايَ قَاضِي الْقُضَاة يَا منلَهُ على العَبْد ألف منّه
إِلَيْك أَشْكُو قرين سوءبليت مِنْهُ بِأَلف محنه
شهرته بَيْننَا اعتداءأغمده فالسيف سيف فتنه
وَكَانَ لَيْلَة فِي سَماع فرقصوا ثمَّ جَلَسُوا وَقَامَ من بَينهم شخص وَطَالَ الْحَال فِي استماعه وَزَاد الْأَمر فظلّ شهَاب الدّين ساكتاً مطرقاً فَقَالَ لَهُ شخص إيش بك مطرق كَأَنَّمَا يُوحى إِلَيْك فَقَالَ نعم) قل أُوحِي إِلَيّ أَنه اسْتمع نفرٌ من الجنّ (
وَكَانَ يَوْمًا عِنْد صَاحب حماة الْملك الْمَنْصُور وَقد حضر السّماط وَكَانَ أَكْثَره مرقاً فلمّا وضع قَالَ شهَاب الدّين لما قيل الصَّلَاة نعم بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم نَوَيْت رفع الْحَدث واستباحة الصَّلَاة الله أكبر وَكَانَ المظفر ولد الْمَنْصُور يكره شهَاب الدّين فاغتنم الوقيعة فِيهِ عِنْد وَالِده)
وَقَالَ اسْمَع مَا يَقُول ابْن غَانِم يهجّن طعامنا ويشبهه بِالْمَاءِ الَّذِي يرفع بِهِ الْحَدث فَعَاتَبَهُ الْمَنْصُور على ذَلِك فَقَالَ ماقصدت ذَلِك وَلَكِن الْبَسْمَلَة فِي بَدْء كل أَمر مُسْتَحبَّة وَالْحَدَث الَّذِي نَوَيْت رَفعه حدث الْجُوع واستباحة الصَّلَاة فِي الْأكل فَقَالَ مامعنى الله أكبر فَقَالَ على كل ثقيل فَاسْتحْسن الْمَنْصُور ذَلِك وخلع عَلَيْهِ وَاجْتمعَ لَيْلَة عِنْد كريم الدّين الْكَبِير فِي مولده بعلاء الدّين ابْن عبد الظَّاهِر يتحدث مَعَه فجَاء إِلَيْهِ شخص وَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَة الْخَادِم يقْصد الِاجْتِمَاع بك فَقَالَ والك من يُفَارق عليّاً وَيروح إِلَى مُعَاوِيَة وَكَانَ شهَاب الدّين قد فَارق أَبَاهُ وَهُوَ صَغِير وَتوجه إِلَى السماوة وَنزل على الْأَمِير حُسَيْن من خفاجة وَأقَام عِنْده مُدَّة يُصَلِّي بِهِ وَيتَكَلَّم فِي شَيْء من الْعُلُوم وَكَانَ الْوَقْت قريب الْعَهْد بخراب بغداذ وَقتل المستعصم وتشتت أهل بغداذ فِي أَطْرَاف الْبِلَاد فظنَّ بِهِ ابْن الْخَلِيفَة المستعصم واشتهر ذَلِك واتصل خَبره بِالْملكِ الظَّاهِر فَلم يزل فِي اجْتِهَاد إِلَى أَن أقدمه عَلَيْهِ لما أهمه من أمره فَلَمَّا حضر سَأَلَهُ ابْن من أَنْت فَوقف وَقَالَ ابْن شمس الدّين ابْن غَانِم فَطلب وَالِده إِلَى الْقَاهِرَة وحضرا بَين يَدي الظَّاهِر فاعترف وَالِده بِهِ فَقَالَ خُذْهُ وَتوجه بِهِ إِلَى دمشق وَكَانَ صَاحب حماة قد خرج مرّة إِلَى شجريّات المعرّة وَكَانَ إِذْ ذَاك فِي خدمَة الْملك الظَّاهِر وَقد ضربت الوطاقات وامتلأت الصَّحرَاء خياماً فَاحْتَاجَ إِلَى الْخَلَاء وَمَا كَانَ يرى الدُّخُول إِلَى الخربشت فَصَعدَ إِلَى شَجَرَة تين ليتخلى وَالْملك الْمَنْصُور تَحت الشَّجَرَة وَقد تهَيَّأ لقَضَاء شغله قَالَ لَهُ أَطْعمنِي من هَذِه التينة فَقَالَ خُذ وسلح فِي وَجهه فَقَالَ مَا هَذَا قَالَ أطعمتك من هَذِه التينة فَلَمَّا اطلع الْمَنْصُور على الْوَاقِعَة خرّ مغشيّاً عَلَيْهِ من الضحك وَمن شعره فِي مقصوص الشّعْر
قَالُوا ذوائبه مقصوصة حسداًفَقلت قاطعها لِلْحسنِ صوّاغ
صدغان كَانَ فُؤَادِي هائماً بهمافَكيف أسلو وكلّ الشّعر أصداغ
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع