تجاوز إلى المحتوى

من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)

قَاضِي الْقُضَاة نجم الدّين ابْن صصرى

أَحْمد بن مُحَمَّد بن سَالم ابْن أبي الْمَوَاهِب الْحَافِظ بن صصرى الشَّيْخ الإِمَام الْعَالم قَاضِي الْقُضَاة نجم الدّين أَبُو الْعَبَّاس الرَّبعي التغلبي الدِّمَشْقِي الشَّافِعِي قَاضِي قُضَاة الشَّام ولد سنة خمس وَخمسين وَحضر على الرشيد الْعَطَّار فِي سنة تسع والنجيب عبد الطيف وَسمع بِدِمَشْق من ابْن عبد الدايم وَابْن أبي الْيُسْر وجدّه لأمه الْمُسلم بن علاّن وتفقه على الشَّيْخ تَاج الدّين وَدخل ديوَان الْإِنْشَاء ونظم ونثر وشارك فِي فنون وَكَانَ فصيح الْعبارَة قَادِرًا على الْحِفْظ يحفظه أَرْبَعَة دروس درساً للغزاليّة ودرساً للعادليّة ودرساً للناصريّة ودرساً للأتابكيّة وَكَانَ طَوِيل الرّوح مسالماً محسناً إِلَى من أَسَاءَ إِلَيْهِ بلغه أَن الشَّيْخ صدر الدّين نظم فِيهِ بليَّقةً فتحيّل إِلَى أَن وَقعت بخطّه فِي يَده فَتَركهَا عِنْده إِلَى أَن قيل لَهُ يَوْمًا إِن الشَّيْخ صدر الدّين بِالْبَابِ فَقَالَ يدْخل وَوضع تِلْكَ الورقة مَفْتُوحَة على مصلاّه قد أمه فرآها الشَّيْخ صدر الدّين وَعلم أَنَّهَا خطه وَلم يزل القَاضِي إِلَى أَن تحقق أَن صدر الدّين رأى الورقة وَعرفهَا فَقَالَ)

للطواشي أحضر للشَّيْخ مَا عنْدك فأحضر لَهُ بقجة قماش بزبكند وبدلة وشاش وصرة فِيهَا سِتّمائَة أَو خَمْسمِائَة دِرْهَم على مَا قيل وَقَالَ هَذِه جَائِزَة تِلْكَ البلَّقية وَكَانَ

يَوْمًا قد توجه مغلساً إِلَى صَلَاة الصُّبْح بالجامع فَلَمَّا كَانَ فِي الخضراء ضربه إِنْسَان بمطرق كَبِير رَمَاه إِلَى الأَرْض وظنه مَاتَ فَلَمَّا أَفَاق حضر إِلَى بَيته وَكَانَ يَقُول أعرفهُ وَمَا أذكرهُ لأحد

وَأَخْبرنِي من لَفظه الشَّيْخ نجم الدّين الصَّفَدِي ﵀ قَالَ تراهنّا فِيمَا بَين الموقّعين على أَن أَحَدنَا يسْبقهُ بِالسَّلَامِ فَلم نقدر على ذَلِك وَكَانَ سريع الْكِتَابَة قيل لي إِنَّه كتب فِي يومٍ خمس كراريس وَكَانَ ينطوي على دين وتعبّد وَله أَمْوَال وخدمٌ ومماليك وَهُوَ من بَيت حشمة وَقيل لي إِنَّه قَالَ يَوْمًا للشَّيْخ صدر الدّين وَغَيره فرّق مَا بَيْننَا أنني اشتغلت على الشمع الكافوري وَأَنْتُم على قناديل الْمدَارِس وَكَانَ اشْتغل بِمصْر عاى الْأَصْبَهَانِيّ فِي أصُول الْفِقْه ودرس بالعادليّة الصُّغْرَى وبالأمينية ثمَّ بالغزاليّة مَعَ قَضَاء الْعَسْكَر ومشيخة الشُّيُوخ بِالشَّام وَولي الْقَضَاء سنة اثْنَتَيْنِ وَسَبْعمائة إِلَى أَن مَاتَ وَأذن لجَماعَة فِي الْفَتْوَى وخرّج لَهُ الشَّيْخ صَلَاح الدّين العلائي مشيخة فَأَجَازَهُ عَلَيْهَا بجملة وَقيل إِنَّه لم يقدر أحد يدلَس عَلَيْهِ قَضِيَّة وَلَا يشْهد زوراً وَكَانَ متحرّياً فِي أَحْكَامه بَصيرًا بقضاياها وَلم أسمع عَنهُ أَنه ارتشى فِي حُكُومَة وَتُوفِّي بعد تعلل أَصَابَهُ ببستانه فجاءة فِي نصف شهر ربيع الأول سنة ثَلَاث وَعشْرين وَسَبْعمائة

وَكَانَ مَوته مفتاحاً لمَوْت رُؤَسَاء دمشق وعلمائها ورثاه شعراء ورثاه المرحوم شهَاب الدّين مَحْمُود ولشعراء زَمَانه فِيهِ مدائح كَثِيرَة وَكَانَ القَاضِي شهَاب الدّين مَحْمُود كتب للأمير علم الدّين سنجر الدواداري يهنّئه بِفَتْح طرابلس وَيذكر جِرَاحَة أَصَابَته بقصيدة أَولهَا

مَا الْحَرْب الاّ الَّذِي تدمى بِهِ اللَّمموَالْفَخْر إِلَّا إِذا زَان الْوُجُوه دمٌ
وَلَا ثبات لمن لم تلق جَبهتهحدَّ السيوف وَلَا يثنى لَهُ قدم

فَكتب الْجَواب قَاضِي الْقُضَاة نجم الدّين

وافى كتابك فِيهِ الْفضل وَالْكَرمفجلّ قدرا وجلّت عِنْدِي النعّم
وَجَاء من بَحر فضلٍ قد طما وسمادرُّ الْمعَانِي فِي الألفاط تنتظم
وصفت حَالي حَتَّى خلت أنّك قدشاهدتها ولهيب الْحَرْب يضطرم
وَمَا جرى فِي سَبِيل الله محتسبٌفَهُوَ الَّذِي لم يزل تسمو لَهُ الهممُ
وجاءنا النَّصْر وَالْفَتْح الْمُبين فَلَوشاهدت نور الظُّبى تجلى بِهِ الظُّلمُ

)

غَدا العدوّ ذليلاً بعد عزَّتهحليُّ أجيادهم بعد الْعُقُود دمٌ
قد فرق الْجمع مِنْهُم عزم طائفةٍلم يثن همّتها يَوْم الوغى سأم
ترك إِذا مَا انتضّوا عزماً لَهُم تركُواأمامهم كلَّ جمعٍ وَهُوَ مُنْهَزِم
لمّا بقتل العدى خاضت سيوفهمصلّت فقبلها يَوْم الوغى القمم
حازوا الثَّوَاب الَّذِي راموا وَبَعْضهمْفازوا بِمَا كسبوا مِنْهَا وَمَا غنموا
وَكنت مشتغلاً فِي وَقت كسبهمعَنهُ بِمَا كَسبه عِنْدِي هُوَ النّعم
فَكيف يطْلب مني الأرفغان وَقدشهِدت لي وَلِهَذَا بَيْننَا حكمُ
أَلَسْت أَنْت الَّذِي قد قَالَ مبتدئاًوَذَاكَ قَول بِحكم الحقّ مُلْتَزم
هجمته وسيوف الْهِنْد مصلتةٌوعدت والسبي وَالْأَمْوَال تقتسم
وَكَانَ همُّك فِي الْأَرْوَاح تكسبهاوهمّ غَيْرك فِيهَا المالُ والنّعم

وَوجدت مَنْسُوبا إِلَيْهِ

ومذ خفيت عني بدور جمَالهمْغَدا سقمي فِي حبّهم وَهُوَ ظَاهر
وَقد بتُّ مَا لي فِي الغرام مسامرسوى ذكرهم يَا حبّ ذَاك المسامر
وَإِنِّي على قرب الديار وَبعدهَامُقيم على عهد الأحبّة صابر
ودمعي سريعٌ والتّشوّق كَامِلووجدي مديدٌ والتأسف وافر
وَمَا لي أنصار سوى فيض أدمعيإِذا بَات من أهواه وَهُوَ مهَاجر
أأحبابنا غبتم فغابت مسرّتيوَأصْبح حزني بعدكم وَهُوَ حَاضر
وَمَا الْقَصْد إِلَّا أَنْتُم ورضاكموَغير هواكم مَا تسر السرائر
وَمَا فِي فُؤَادِي مَوضِع لسواكموَلَا غَيْركُمْ فِي خاطر الْقلب خاطر
وَمَا راقني من بعدكم حسن منظرٍوَلَا شاقني زاه من الرَّوْض زَاهِر
وَمَا كلفي بِالدَّار إِلَّا لأجلكموَإِلَّا فَمَا تغني الرسوم الدَّوَائِر
وَمَا حاجرٌ إِلَّا إِذا كُنْتُم بهَاإِذا غبتم عَنْهَا فَمَا هِيَ حاجر

النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من من اسْمه أَحْمد

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.