من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
الْمُهَذّب ابْن الزبير
ماذا روى «الوافي بالوفيات» عن المهذب ابن الزبير الغساني؟
الْحسن بن عَليّ بن إِبْرَاهِيم بن الزبير أَبُو مُحَمَّد الملقب بِالْقَاضِي الْمُهَذّب وَهُوَ أَخُو القَاضِي الرشيد أَحْمد بن عَليّ وَقد تقدم ذكره فِي الأحمدين
توفّي القَاضِي الْمُهَذّب الْمَذْكُور فِي شهر ربيع الآخر سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَخَمْسمِائة بِمصْر
وَكَانَ كَاتبا مليح الْخط جيد الْعبارَة فصيح الْأَلْفَاظ وَكَانَ أشعر من أَخِيه الرشيد
واختص بالصالح بن زريك وَيُقَال إِن أَكثر الشّعْر الَّذِي فِي ديوَان الصَّالح إِنَّمَا هُوَ شعر الْمُهَذّب هَذَا وَحصل لَهُ من مَال الصَّالح مالٌ جمٌ وَكَانَ القَاضِي عبد الْعَزِيز بن الْحباب هُوَ الَّذِي قدمه عِنْد الصَّالح وَلما مَاتَ ابْن الْحباب شمت بِهِ الْمُهَذّب وَمَشى فِي جنَازَته لابساً ثيابًا مذهبَة فنقص بِهَذَا السَّبَب واستقبح النَّاس فعله وَلم يَعش بعده إِلَّا شهرا وَاحِدًا
وصنف الْمُهَذّب كتاب الْأَنْسَاب وَهُوَ أَكثر من عشْرين مجلدة كل مُجَلد عشرُون كراساً
قَالَ ياقوت رَأَيْت بعضه فَوَجَدته مَعَ تحققي بِهَذَا الْعلم وبحثي عَن كتبه لَا مزِيد عَلَيْهِ
وَكَانَ الْمُهَذّب قد مضى رَسُولا إِلَى الْيمن عَن بعض مُلُوك مصر واجتهد هُنَاكَ فِي تَحْصِيل كتب النّسَب وَجمع مِنْهَا مَا لم يجْتَمع عِنْد أحد
وَمن شعره من الطَّوِيل
لقد طَال هَذَا اللَّيْل بعد فِرَاقهوعهدي بِهِ قبل الْفِرَاق قصير
وَكَيف أرجي الصُّبْح بعدهمْ وَقدتولت شموسٌ بعدهمْ وبدور
وَمِنْه من الْبَسِيط
أقصر فديتك عَن لومي وَعَن عذليأَو لَا فخ أَمَانًا من ظبى الْمقل
من كل طرفٍ مَرِيض الجفن ينشدنييَا رب رامٍ بنجدٍ من بني ثعل
)
إِن كَانَ فِيهِ لنا وَهُوَ السقيم شفافَرُبمَا صحت الْأَجْسَام بالعلل
وَمِنْه فِي رفاء من الطَّوِيل
بليت برفاءٍ لواحظ طرفهبِنَا فعلت مَا لَيْسَ يَفْعَله النصل
يجور على العشاق وَالْعدْل دأبهويقطعني ظلما وصنعته الْوَصْل
وَمِنْه من الْكَامِل
وَلَئِن ترقرق دمعه يَوْم النَّوَىفِي الطّرف مِنْهُ وَمَا تناثر عقده
فالسيف أقطع مَا يكون إِذا غَدامتحيراً فِي صفحتيه فرنده
وَمِنْه يرثي صديقا لَهُ وَقع الْمَطَر يَوْم مَوته من الطَّوِيل
بنفسي من أبكى السَّمَوَات فَقدهبغيثٍ ظنناه نوال يَمِينه
فَمَا استعبرت إِلَّا أسىً وتأسفاًوَإِلَّا فَمَاذَا الْقطر فِي غير حِينه
وَمِنْه من السَّرِيع
لَا ترج ذَا نقصٍ وَإِن أَصبَحتمن دونه فِي الرُّتْبَة الشَّمْس
كيوان أَعلَى كوكبٍ موضعاوَهُوَ إِذا أنصفته نحس
وَمِنْه من الْكَامِل
فدع التمدح بالقديم فكم عَفافِي هَذِه الآكام قصرٌ داثر
إيوَان كسْرَى الْيَوْم بعد خرابهخيرٌ لعمرك مِنْهُ خصٌ عامرٌ
وَمِنْه من الطَّوِيل
إِذا أحرقت فِي الْقلب مَوضِع سكناهَافَمن ذَا الَّذِي من بعد يكرم مثواها
وَإِن نزفت مَاء الْعُيُون بهجرهافَمن أَي عينٍ تَأمل العيس سقياها
وَمَا الدمع يَوْم الْبَين إِلَّا لآلىءٌعلى الرَّسْم فِي رسم الديار نثرناها
وَمَا أطلع الزهر الرّبيع وَإِنَّمَارأى الدمع أجياد الغصون فحلاها
وَلما أبان الْبَين سر صدورناوَأمكن فِيهَا الْأَعْين النجل مرماها
عددنا دموع الْعين لما تحدرتدُروعاً من الصَّبْر الْجَمِيل نزعناها
وَلما وقفنا للوداع وترجمتلعَيْنِي عَمَّا فِي الضمائر عَيناهَا
بَدَت صُورَة فِي هيكل فَلَو أنناندين بأديان النَّصَارَى عبدناها
)
وَمَا طَربا صغنا القريض وَإِنَّمَاجلا الْيَوْم مرْآة القرائح مرآها
وَلَيْلَة بتنا فِي ظلام شبيبتيسراي وَفِي ليل الذوائب مسراها
تأرج أَرْوَاح الصِّبَا كلما سرىبِأَنْفَاسِ ريا اللَّيْل آخر رياها
وَمهما أدرنا الكأس باتت جفونهامن الراح تسقينا الَّذِي قد سقيناها
مِنْهَا من الطَّوِيل
وَلَو لم يجد الندى فِي يَمِينهلسائله غير الشبيبة أَعْطَاهَا
فيا ملك الدُّنْيَا وسائس أَهلهَاسياسة من سَاس الْأُمُور وقاساها
وَمن كلف الْأَيَّام ضد طباعهاوعاين أهوال الخطوب فعاناها
عَسى نظرةٌ تجلو بقلبي وخاطريصداه فَإِنِّي دَائِما أتصداها
وَمِنْه من الطَّوِيل
يَا صَاحِبي سجن الخزانة خليانسيم الصِّبَا ترسل إِلَى كَبِدِي نفحا
وقولا لضوء الصُّبْح هَل أَنْت عائدٌإِلَى ناظري أم لَا أرى بعْدهَا صبحا
وَلَا تيأسا من رَحْمَة الله أَن أرىسَرِيعا بِفضل الْكَامِل الْعَفو والصفحا
فَإِن تحبساني فِي النُّجُوم تجبراًفَلَنْ تحبسا مني لَهُ الشُّكْر والمدحا
وَمِنْه من الطَّوِيل
وَمَا كنت أَدْرِي قبل سجنكما علىدموعي أَن يقطرن خوف المقاطر
وَمَا لي من أَشْكُو إِلَيْهِ أذاكماسوى ملك الدُّنْيَا شُجَاع بن شاور
وَمِنْه وَمَا لي إِلَى مَاء سوى النّيل غلَّة وَلَو أَنه أسْتَغْفر الله زَمْزَم كَانَ القَاضِي الْمُهَذّب ﵀ لما جرى لِأَخِيهِ الرشيد مَا جرى فِي تَرْجَمته من اتِّصَاله بصلاح الدّين بن ايوب لما كَانَ محاصر الْإسْكَنْدَريَّة قبض شاور على الْمُهَذّب وحبسه فَكتب إِلَى شاور شعرًا كثيرا يستعظمه فَلم ينجع فِيهِ حَتَّى التجأ إِلَى وَلَده الْكَامِل شُجَاع وَكتب إِلَيْهِ أشعاراً كَثِيرَة من جُمْلَتهَا هَذِه الَّتِي قدمتها فَقَامَ بأَمْره واصطنعه وضمه إِلَيْهِ بعد أَن أَمر أَبوهُ شاور بصلبه
وَمن شعر القَاضِي الْمُهَذّب من الْكَامِل)
أعلمت حِين تجاور الْحَيَّانِأَن الْقُلُوب مواقد النيرَان
وَعلمت أَن صدورنا قد أَصبَحتفِي الْقَوْم وَهِي مرابض الغزلان
وعيوننا عوض الْعُيُون أمدهامَا غادروا فِيهَا من الغدران
مَا الوجد هز قناتهم بل هزهاقلبِي لما فِيهِ من الخفقان
وتراه يكره أَن يرى إظعانهموكأنما أَصبَحت فِي الأظعان
وَمِنْه القصيدة الَّتِي كتبهَا إِلَى الدَّاعِي لما قبض على أَخِيه بِالْيمن يستعطفه على أَخِيه الرشيد فَأَطْلقهُ وأولها من الْكَامِل
يَا ربع أَيْن ترى الْأَحِبَّة يممواهَل أنجدوا من بَعدنَا أَو أتهموا
نزلُوا من الْعين السوَاد وَإِن نأواوَمن الْفُؤَاد مَكَان مَا أَنا أكتم
رحلوا وَفِي الْقلب الْمَعْنى بعدهمْوجدٌ على مر الزَّمَان مخيم
رحلوا وَقد لَاحَ الصَّباح وَإِنَّمَاتسري إِذا جن الظلام الأنجم
وتعوضت بالأنس روحي وَحْشَةلَا أوحش الله الْمنَازل مِنْهُم
مِنْهَا من الْكَامِل
إِنِّي لأذكركم إِذا مَا أشرقتشمس الضُّحَى من نحوكم فَأسلم
لَا تبعثوا لي فِي النسيم تَحِيَّةإِنِّي أغار من النسيم عَلَيْكُم
إِنِّي إمرؤٌ قد بِعْت حظي رَاضِيامن هَذِه الدُّنْيَا بحظي مِنْكُم
فسلوت إِلَّا عَنْكُم وقنعت إِلَّامِنْكُم وزهدت إِلَّا فِيكُم
مَا كَانَ بعد أخي الَّذِي فارقتهليبوح إِلَّا بالشكاية لي فَم
هُوَ ذَاك لم يملك علاهُ مالكٌكلا وَلَا وجدي عَلَيْهِ متمم
أقوت مغانيه وعطل ربعَةولربما هجر العرين الضيغم
ورمت بِهِ الْأَهْوَال همة ماجدٍكالسيف يمْضِي غربه ويصمم
يَا راحلاً بالمجد عَنَّا والعلاأَتَرَى يكون لكم علينا مقدم
يفديك قومٌ كنت وَاسِط عقدهممَا إِن لَهُم مذ غبت شملٌ ينظم
جهلوا فظنوا أَن بعْدك مغنمٌلما رحلت وَإِنَّمَا هُوَ مغرم
ولد أقرّ الْعين أَن عداك قدهَلَكُوا بغيهم وَأَنت مُسلم
)
مِنْهَا من الْكَامِل
أقيال بأسٍ خير من حملُوا القناوملوك قحطان الَّذين هم هم
متواضعون وَلَو ترى ناديهممَا اسطعت من إجلالهم تَتَكَلَّم
وكفاهم شرفاً ومجداً أَنهمأَن أصبح الدَّاعِي المتوج مِنْهُم
هُوَ بدر تمٍ فِي سَمَاء علائهموبنوا أَبِيه بَنو زريعٍ أنجم
ملكٌ حماه جنةٌ لعفاتهلكنه للحاسدين جَهَنَّم
مِنْهَا من الْكَامِل
مَعَ أنني سيرت فِيك شوارداًكالدر بل أبهى لَدَى من يفهم
تَغْدُو وهوج الذاريات رواكدٌوتبيت تسري وَالْكَوَاكِب نوم
قلت شعر جيد فِي الذرْوَة مصقول اللَّفْظ مُحكم التَّرْكِيب وَفِيه غوصٌ على الْمعَانِي
ابْن أثردي الْحسن بن عَليّ بن سعيد بن عليّ بن هبة الله بن عَليّ أَبُو عَليّ بن أثردي الطَّبِيب وسوف يَأْتِي ذكر جمَاعَة من أهل بَيته كلٌ مِنْهُم فِي مَكَانَهُ إِن شَاءَ الله تَعَالَى
كَانَ فَاضلا فِي صناعَة الطِّبّ عَاملا بهَا متميزاً فِي عَملهَا وَعلمهَا اسْتعَار مِنْهُ همام الدّين الْعَبْدي الشَّاعِر كتاب مسَائِل حنين وَذَلِكَ فِي سنة ثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة فَقَالَ وَكتب بذلك إِلَيْهِ من مجزوء الْكَامِل
حياك رقراق الحياعني وخفاف النسيم
فلأنت ذُو الْخلق الْكَرِيم وَأَنت ذُو الْخلق الوسيم
غدق الأنامل بالندىلبق الشَّمَائِل بالنعيم
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع