من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
ابْن حبيب الْحلَبِي
الْحسن بن عمر بن الْحسن بن حبيب بدر الدّين ابْن الْمُحدث
زين الدّين دمشقي الأَصْل حَلَبِيّ المولد والمنشأ
قَرَأَ على القَاضِي فَخر الدّين ابْن خطيب جبرين وَهُوَ يرتزق بِالشُّرُوطِ عِنْد الْحُكَّام بحلب)
مولده سنة عشر وَسَبْعمائة
وَمن شعره قصيدة مدح بهَا القَاضِي شهَاب الدّين أَحْمد بن فضل الله من الْبَسِيط
جوانحي للقا الأحباب قد جنحتوعاديات غرامي نحوهم جنحت
وعبرتي عِبْرَة للناظرين غَدَتْلِأَنَّهَا بجفوني إِذْ جرت جرحت
يَا حبذا جبرةٌ سفح النقا نزلُواآيَات حسنهم ذكر الحسان محت
صدوا فطرفي لبعد الدَّار ينشدهميَا سَاكِني السفح كم عينٍ بكم سفحت
آهاً لعيش تقضى فِي معاهدهموَطيب أَوْقَات أنفاسٍ بهم نفحت
حَيْثُ الحواسد والأعداء قد صدرتوالسعد من فَوْقنَا أطياره صدحت
والدهر قد غض طرف الحادثات لناوالزهر أعينه فِي الحضرة اتقحت
وَالْوَرق ساجعةٌ والقضب راكعةٌوالسحب هامعةٌ والغدر قد طفحت
وَالْعود عودان هَذَا نشره عطرٌوَذَا بألحانه أحزاننا نزحت
والراح تشرق فِي الراحات تحسبهاأشعة الشَّمْس فِي الأقداح قد قدحت
أكْرم بهَا بنت كرمٍ كف خاطبهاكف الخطوب وإسداء الندى منحت
مظلومةٌ سجنت من بعد مَا عصرتمَعَ أَنَّهَا مَا جنت ذَنبا وَلَا اجترحت
كم أعربت عَن سرورٍ كَانَ مكتتماًوَكم صدورٍ لأرباب الْهوى شرحت
تديرها بَيْننَا حوراء ساحرةٌكَأَنَّهَا من جنان الْخلد قد سرحت
ألحاظها لَو بَدَت للبيض لاحتجبتوقدها لَو رَأَتْهُ السمر لافتضحت
ظلامةٌ للكرى عَن مقلتي حبستأما ترَاهَا ببحر الدمع قد سبحت
وَرب عاذلةٍ فِيمَن كلفت بهَاتكلفت لملامي فِي الْهوى ولحت
جَاءَت وَفِي زعمها نصحي وَمَا علمتأَنِّي أَزِيد غراماً كلما نصحت
بِالروحِ أفدي من النُّقْصَان عَارِيةتسربلت برداء الْحسن واتشحت
غيداء من ظبيات الْإِنْس كانسةًلَكِنَّهَا عَن مغاني الْأنس قد سنحت
عَيْني إِلَى غير مرأى حسن طلعتهاوَغير فضل ابْن فضل الله مَا طمحت
ذَاك الرئيس الَّذِي أيدى عنايتهللظلم قد منعت والرفد قد منحت
لَوْلَا رئاسته مَا كَانَت اتّفقتعلى تقدمه الْأَيَّام واصطلحت
)
إِمَام علمٍ لَهُ الْأَعْلَام قد خضعتشهَاب دينٍ بِهِ الدُّنْيَا قد انصلحت
غوث الْوُجُود وغوث الْجُود ذُو نعمٍتولي قريحة من يرجوه مَا اقترحت
ورتبةٍ قد سمت فَوق السماك وَمَامنت بِذَاكَ وَلَا منت وَلَا بجحت
وعزمةٍ ذَات آراء مسددةبَاب السَّعَادَة والعليا لَهُ فتحت
وبسطةٍ بسطت للنَّاس نائلهاوقدرة عَن ذنُوب الدَّهْر قد صفحت
أَمْوَاله وموازين السماح لمنيَرْجُو عطاياه ذِي خفت وَذي رجحت
أسطار أطراسه فِي عين ناظرهاحلت وألفاظها فِي سَمعه ملحت
ندمان لطف سجاياه قد اغتبقتبقهوة الشُّكْر لَا بالسكر واصطبحت
شمس المفاخر والعلياء نيرةٌأضحت وَلَوْلَا شهَاب الدّين مَا وضحت
أَنْت الَّذِي عَنهُ أَخْبَار المكارم قدصحت وَمن خمر كاسات السقام صحت
أَنْت الْهمام الَّذِي آفَاق همتهنجومها لشياطين العداة دحت
لَا أشتهي لعداك الْمَوْت عَن كثبٍفَإِن كذن الأسى أكبادهم ذبحت
بِاللَّه أَحْلف صدقا مَا هم بشرٌلكِنهمْ أكلبٌ فِي الْحَيّ قد نبحت
يَا من إِذا حل أَرضًا أنبتت وزهتوبالمياه على وَجه الفلا نضحت
قد أَصبَحت مصر للأبصار مفتنةًلم لَا ومنك بِعَين الْقرب قد لمحت
أنفاسها عبقت أزهارها رمقتأطيارها نطقت غزلانها مرحت
ومنبر اللَّهْو منصوبٌ بروضتهالذا غَدَتْ مشتهى من نَفسه نزحت
والنيل قد عَاد محمراً بهَا خجلاإِذْ شبهوه بنعماك الَّتِي طفحت
لَوْلَا أياديك مَا زَادَت أَصَابِعهوَلَا الْخَلَائق مِنْهُ بالوفا فرحت
أَنْت الخصيب بهَا لَيْسَ الَّذِي ذكرُوايَا من سما كَفه بالجود قد سمحت
لولاك مَا يمم الْعَافُونَ ساحتهاوَلَا خواطر أهليها بهَا انفسحت
دبرت إقليمها تَدْبِير مقتدرأقلامه بمياه الرزق قد رشحت
لله أَقْلَام فضلٍ مِنْك قَاطِعَةعود القنا فضلت سهم القنا فضحت
يَا سَاكِني مصر هنيتم بشخص فَتىأَقَامَ فِيكُم وذكرى جوده نزحت
من فتيةٍ لأهل الْعلم نائلهمسوقاً بضائعهم فِي ربعه ربحت
)
سَمَاء سؤددهم بِالْحَمْد قد رفعتوَأَرْض أنعامهم للوفد قد سطحت
كم بالندى جبروا فِي النَّاس منكسراًحوادث الدَّهْر فِي أَحْوَاله فدحت
كم أَنْقِذُوا مقتراً يمتار أنعمهممن نَار فرط هموم وَجهه لفحت
بشخص أَحْمد رسل الْجُود قد ختمتوبالأفاضل من أسلافه فتحت
زَالُوا فبرح بالعافين فقدهموألسن الشُّكْر مَا زَالَت وَمَا بَرحت
يَا كعبة الْقَصْد مَا طَاف العفاة بهَاإِلَّا وَفِي بَابهَا حاجاتهم نجحت
هَا قد أتيت نداك الطلق واضحهإِذْ أوجه الدَّهْر وَالْأَيَّام قد كلحت
أَشْكُو إِلَيْك خمولاً فِي خمائلهريح المتاعب والأنكاد قد نفحت
وَبعد أَن شمت برقاً من حماك فقدنأى وَعَن كاهلي أثقاله طرحت
وَقد تهجمت فِي مدحٍ أتيت بِهِسحب الْقُصُور على أبياته سفحت
أَنْت الَّذِي فِي الورى مداح سؤددهتزداد فخراً وتشريفا إِذا مدحت
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع