تجاوز إلى المحتوى

من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)

الْأَشْرَف بن قلاون

خَلِيل بن قلاون السُّلْطَان الْملك الْأَشْرَف صَلَاح الدّين ابْن السّلطان الْملك الْمَنْصُور سيف الدّين قلاون الصّالحيّ جلس على تخت الْملك فِي ذِي الْقعدَة سنة تسع وَثَمَانِينَ وستّ مائَة بعد موت وَالِده واستفتح الْملك بِالْجِهَادِ وَسَار ونازل عكا وافتتحها ونظف الشَّام كُله من الفرنج ثمَّ سَار فِي السّنة الثَّانِيَة فنازل قلعة الرّوم وحاصرها خَمْسَة وَعشْرين يَوْمًا وافتتحها وَفِي السّنة الثَّالِثَة جَاءَتْهُ مَفَاتِيح قلعة بهسنى من غير قتالٍ إِلَى دمشق وَلَو طَالَتْ مدَّته لملك الْعرَاق وَغَيرهَا فَإِنَّهُ كَانَ بطلاً شجاعاً مقداماً مهيباً عَليّ الهمة يملاً الْعين ويرجف الْقلب وَكَانَ ضخماً سميناً كَبِير الْوَجْه بديع الْجمال مستدير اللّحية على وَجهه رونق الْحسن

وهيبة السّلطنة وَكَانَ إِلَى جوده وبذله الْأَمْوَال فِي أغراضه الْمُنْتَهى تخافه الْمُلُوك فِي أقطارها أباد جمَاعَة من كبار الدولة وَكَانَ ومنهمكاً على اللّذات لَا يعبأ بالتحرّز على نَفسه لفرط شجاعته

توجَّه من الْقَاهِرَة فِي ثَالِث المحرّم سنة ثَلَاث وَتِسْعين وست مائَة هُوَ والوزير شمس الدّين بن السّلعوس وأمراء دولته وفارقه وزيره من الطَّرَّانة إِلَى الْإسْكَنْدَريَّة وعسف فِيهَا وظلم وصادر النَّاس وَنزل الْأَشْرَف بِأَرْض الحمّامات للصَّيد وَأقَام إِلَى يَوْم السَّبت ثَالِث عشر المحرّم فَلَمَّا كَانَ وَقت الْعَصْر وَهُوَ بتروجه حضر نَائِب السَّلطنة بيدرا وَجَمَاعَة من الْأُمَرَاء وَكَانَ الْأَشْرَف أمره بكرَة أَن يمْضِي بالدِّهليز ويتقدم ليتصيّد هُوَ وَيعود عشيّةً فأحاطوا بِهِ وَلَيْسَ مَعَه إِلَّا شهَاب الدّين ابْن الأشلِّ أَمِير شكاره فَابْتَدَرَهُ بيدرا فَضَربهُ بالسّيف قطع يَده فصاح حسام الدّين لاجين عَلَيْهِ وَقَالَ من يُرِيد الْملك تكون هَذِه ضَربته وضربه على كتفه حلَّه فَسقط إِلَى الأَرْض وَلم يكن مَعَه سيف بل كَانَ مشدود الْوسط بالبند ثمَّ جَاءَ سيف الدّين بهادر رَأس نوبَة فَأدْخل السَّيْف من أَسْفَله وَشقه إِلَى حلقه وتركوه طريحاً فِي الْبَريَّة والتفّوا على بيدرا وحلفوا لَهُ

وسَاق تَحت العصائب يطْلب الْقَاهِرَة وتسمَّى فِيمَا قيل بِالْملكِ الأوحد وَبَات تِلْكَ اللَّيْلَة وَأصْبح يسيِّر فَلَمَّا ارْتَفع النَّهَار إِذا بطلبٍ كبيرٍ قد أقبل يقدمهُ زين الدّين كتبغا وحسام الدّين أستاذ الدَّار يطْلبُونَ بيدرا بِدَم أستاذهم وَذَلِكَ بالطَّرَّانة فحملوا عَلَيْهِ فتفرَّق عَنهُ أَكثر من مَعَه وَقتل فِي)

الْحَال وَحمل رَأسه على رمح وجاؤوا إِلَى الْقَاهِرَة فَلم يمكَّنهم الشُّجاعيّ من التَّعْدِيَة وَكَانَ نَائِب السلطنة فِي تِلْكَ السّفرة فَأمر بالشواني كلهَا فَربطت إِلَى الْجَانِب الآخر وَنزل الْجَيْش على الْجَانِب الغربي ثمَّ مشت بَينهم الرُّسُل على أَن يقيموا فِي السلطنة الْملك النَّاصِر مُحَمَّدًا أَخا الْأَشْرَف فتقرر ذَلِك وأجلسوه على التخت يَوْم الِاثْنَيْنِ رَابِع عشر الْمحرم وَأَن يكون كتبغا أتابكه ووزيره الشُّجاعي واختفى حسام الدّين لاجين وقراسنقر المنصوري وَغَيرهمَا مِمَّن شَارك فِي قتلته

قَالَ شمس الدّين الْجَزرِي حَدثنِي الْأَمِير سيف الدّين أَبُو بكر المحفَّدار قَالَ كَانَ السُّلْطَان ﵀ قد نفذني بكرَة إِلَى بيدرا بِأَن يتقدَّم بالعساكر فَلَمَّا قلت لَهُ ذَلِك نفر فيَّ وَقَالَ السّمع وَالطَّاعَة كم يستعجلني ثمَّ إِنِّي حملت الزَّردخاه والثِّقل الَّذِي لي وَركبت فَبينا أَنا ورفيقي صارم الدّين الفخري وركن الدّين أَمِير جاندار عِنْد الْغُرُوب وَإِذا بنجَّاب قد أقبل فَقُلْنَا لَهُ أَيْن تركت السُّلطان فَقَالَ يطول الله أعماركم فِيهِ فبهتنا وَإِذا بالعصائب قد لاحت وَأَقْبل الْأُمَرَاء وبيدرا فِي الدّست فَجِئْنَا وَسلمنَا وسايره أَمِير جاندار وَقَالَ لَهُ يَا خوند هَذَا الَّذِي تمّ كَانَ بمشورة الْأُمَرَاء قَالَ نعم أَنا قتلته بمشورتهم وحضورهم وهاهم حُضُور وَكَانَ من جُمْلَتهمْ حسام الدّين لاجين وبهادر رَأس نوبَة وقراسنقر وَبدر الدّين بيسري ثمَّ إِن بيدرا شرع يعدِّد ذنُوبه وإهماله لأمور الْمُسلمين واستهتاره بالأمراء وتوزيره لِابْنِ السَّلعوس ثمَّ قَالَ رَأَيْتُمْ الْأَمِير زين الدّين كتبغا قُلْنَا

لَا فَقَالَ لَهُ أَمِير جاندار كَانَ عِنْده علم من هَذِه الْقَضِيَّة قَالَ نعم هُوَ أول من أَشَارَ بهَا فَلَمَّا كَانَ من الْغَد جَاءَ كتبغا فِي طلب نَحْو أَلفَيْنِ من الخاصَّكية وَغَيرهم ثمَّ قَالَ كتبغا لبيدرا أَيْن السّلطان ورماه بالنشّاب ورموا كلّهم بالنشّاب وقتلوه وتفرَّق جمعه قَالَ فَلَمَّا رَأينَا ذَلِك التجأنا إِلَى جبلٍ واختلطنا بِالطَّلَبِ الَّذِي جَاءَ فَعرفنَا بعض أَصْحَابنَا فَقَالَ لنا شدّوا بالعجلة مناديلكم فِي أرقابكم إِلَى تَحت الْإِبِط يَعْنِي شعارهم

قَالَ ابْن المحفَّدار وَسَأَلت شهَاب الدّين ابْن الأشلّ كَيفَ كَانَ قتل السُّلْطَان قَالَ جَاءَ إِلَيْهِ بعد رحيل الدّهليز الْخَبَر أَن بترُّوجة طيراً كثيرا فَقَالَ لي امش بِنَا حَتَّى نسبق الخاصَّكيَّة فَرَكبْنَا وسرنا فَرَأَيْنَا طيراً كثيرا فَرمى بالبندق وصرع كثيرا ثمَّ قَالَ أَنا جيعان فَهَل مَعَك شيءٌ تطعمني فَقلت مَا معي سوى فرُّوجة ورغيف فِي سولقي فَقَالَ هاته فناولته فَأَكله ثمَّ قَالَ امسك فرسي حَتَّى أبول قَالَ فَقلت مَا فِيهَا حِيلَة أَنْت رَاكب حصان وَأَنا رَاكب حجر وَمَا)

يتفقان فَقَالَ انْزِلْ أَنْت واركب خَلْفي وأركب أَنا الْحجر الَّتِي لَك وَهِي تقف مَعَ الحصان إِذا كنت فَوْقه فَنزلت وناولته لجامها وَركبت خَلفه ثمَّ نزل هُوَ وَجعل يريق المَاء ويولع بِذكرِهِ ويمازحني ثمَّ ركب حصانه وَأمْسك الْحجر لي حَتَّى ركبت وَإِذا بغبار عَظِيم فَقَالَ لي سُقْ واكشف الْخَبَر فسقت وَإِذا ببيدرا والأمراء فسألتهم عَن سَبَب مجيئهم فَلم يردّوا عليّ وَسَاقُوا إِلَى السُّلْطَان وقتلوه ثمَّ إِنَّه بعد يَوْمَيْنِ طلع وَالِي ترّوجة وغسلوه وكفّنوه ووضعوه فِي تَابُوت وسيَّروا من الْقَاهِرَة الْأَمِير سعد الدّين كوجبا الناصري فأحضر التابوت وَدفن فِي تربة والدته وَذَلِكَ سنة ثلاثٍ وَتِسْعين وستّ مائَة وَكَانَ من أَبنَاء الثَّلَاثِينَ أَو أقلّ

ذكر فتوحاته عكا وصور وصيدا وبيروت وقلعة الرّوم وبهسنى وَجَمِيع السَّاحِل فِي أقرب مُدَّة وَكَانَ مُدَّة ملكه ثَلَاث سِنِين وشهرين وَخَمْسَة أَيَّام وَكَانَ كرمه زَائِدا وإطلاقاته عَظِيمَة

وَكَانَت واقعته تسمَّى وقْعَة الْأَيْدِي والأكتاف لِأَن جَمِيع من وَافق عَلَيْهِ قطِّعت أَيْديهم أَولا وَفِيهِمْ من سمِّر وَفِيهِمْ من أحرق وَفِيهِمْ من قتل وَلم يجدَّد فِي زَمَانه مظْلمَة وَلَا استجد ضَمَان مكس وَكَانَ يحب الشّام وَأَهله وَحدثت أَنه كَانَ بِدِمَشْق قبل ولَايَة الْأَشْرَف يُؤْخَذ عِنْد بَاب الْجَابِيَة على كل حملٍ يحمل غلَّةً خَمْسَة دَرَاهِم مكساً فَأول ولَايَة الْأَشْرَف وَردت إِلَى دمشق محامحة بِإِسْقَاط ذَلِك المكس وَبَين سطور المرسوم بذلك بِخَطِّهِ بقلم الْعَلامَة ولتسقط عَن رعايانا هَذِه الظُّلامة ويستجلب الدُّعَاء لنا من الخاصّة والعامّة من الْبَسِيط

وأزرق الصُّبح يَبْدُو قبل أبيضهوَأول الْغَيْث قطرٌ ثمَّ ينسكب

قلت هَكَذَا حدِّثت فَإِن كَانَ هَذَا من عِنْد السُّلْطَان نَفسه فَهَذِهِ غَايَة فِي البراعة وَإِن كَانَ من الكتّاب أَملوهُ عَلَيْهِ وَقت الْعَلامَة فَهِيَ أَيْضا دَالَّة على تيقُّظه كَونه كتب ذَلِك بقلمه لِأَنَّهُ أعجبه ولاق بِقَلْبِه وَمَا الْأَمر بِبَعِيد فَإِن صَلَاح الدّين يُوسُف بن عبيد الله أحد كتاب الْإِنْشَاء بِمصْر

أَخْبرنِي أَن الْملك الْأَشْرَف لما تولَّى الْملك منعنَا أَن نكتب إِلَى أحد بدعاءٍ فِي أول الْمُكَاتبَة مثل حرس الله نعْمَة الْمجْلس العالي وَمَا أشبه ذَلِك وَقَالَ من هُوَ الَّذِي افْتتح خطابه بِالدُّعَاءِ لَهُ وَقَالَ كَانَ يتأمَّل مَا يعلم عَلَيْهِ من أَوله إِلَى آخِره فَمَا أرضاه علّم عَلَيْهِ وَمَا لم يرضه خرَّج فِيهِ مَا أَرَادَ وَقَالَ لي كَانَ قد عظم فِي الآخر إِلَى أَن صَار لَا يكْتب اسْمه وَإِنَّمَا يكْتب خَ إِشَارَة إِلَى أوَّل حرف من اسْمه وَقَالَ إِنَّه لما توفّي فتح الدّين بن عبد الظَّاهِر ورتِّب عماد الدّين بن الْأَثِير مَكَانَهُ جَاءَت إِلَيْهِ ورقة بخطّ السّلطان فِيهَا مَكْتُوب يَا عماد اكْتُبْ بَكَيْت وَكَيْت)

ثمَّ بعد مدةٍ جَاءَت ورقة فِيهَا مَكْتُوب يَا عماد الدّين اكْتُبْ بِكَذَا وَكَذَا ثمَّ بعد مدةٍ جَاءَت ورقة مَكْتُوب فِيهَا يَا عماد الدّين كَاتب سرنا اكْتُبْ بِكَذَا وَكَذَا أَو كَمَا قَالَ وَكَانَ الموقّعون أَولا يَكْتُبُونَ فِي الطُّرَّة إِشَارَة إِلَى مَا يعلّمه السُّلْطَان على قدر الْمُكَاتبَة أما أَن يكْتب أَخُوهُ أَو يَقُولُونَ بيبرس أَو قلاون أَو خَلِيل بِحَسب من يكون من الْمُلُوك فَلَمَّا كَانَ فِي أَيَّام الْأَشْرَف أبطل ابْن عبد الظَّاهِر خَلِيل وَكتب الِاسْم الشريف فأعجبه ذَلِك وَأمر لَهُ لكل حرف بِأَلف دِرْهَم وَكَانَ قد منع كتَّاب الْإِنْشَاء أَن يكتبوا لأحدٍ فِي ألقابه الزعيمي وَقَالَ من هُوَ زعيم الجيوش غَيْرِي وَقَالَ لي القَاضِي شهَاب الدّين بن فضل الله كَانَ عندنَا فِي أوراق عمي شرف الدّين جملَة كَبِيرَة بِخَط الْملك الْأَشْرَف إِلَيْهِ فِيهَا مَقَاصِد مَا يَكْتُبهُ عَنهُ قَالَ وَهِي عبارَة مسددة ومقاصد مستوفاة للغرض الْمَقْصُود وَفِي بعض تِلْكَ الأوراق بخطّ يَده عجبا لذهنك الوقّاد وفكرك النقَّاد كَيفَ فاتك هَذَا وَكَانَ فِيهَا مَا يكْتب إِلَى أبي نميّ وَمن جملَة ذَلِك فركنت إِلَى الظّاهر وَهُوَ أَخبث الطَّير وَأَنت أحذر الْوَحْش ونقلت من خطّ القَاضِي محيي الدّين بن عبد الظَّاهِر فِي سيرة الْأَشْرَف قَالَ مَا رَأَيْت وَلَا سَمِعت بأسبق من ذهنه إِلَى فهمٍ وَلَا أدْرك مِنْهُ لما يزِيل الْوَهم وَلَقَد كتبت عَنهُ واستكتبت فَمَا علَّم على مَكْتُوب قطُّ إِلَّا وقرأه جَمِيعه وَفهم أصُول الْمَكْتُوب وفروعه لَا بل واستدرك عليَّ وعَلى الكتَّاب وخرَّج أَشْيَاء كَثِيرَة مَعَه فِيهَا الصَّواب وَذَلِكَ بِحسن تعطّفٍ وتلطفٍ ذَلِك فضل الله يؤتيه من يَشَاء وَمِمَّا جرى لَهُ أَنه فِي بعض الْأَيَّام جَالس فِي الميدان والقرّاء بَين يَدَيْهِ يقرأون الْقُرْآن فِي خلوته وَكَانَ وَالِده يحاصر طرابلس فَقَالَ نَصره الله تَعَالَى فِي هَذِه السَّاعَة أخذت طرابلس وشاع ذك عَنهُ وذاع وَكَانَ الْأَمر كَذَلِك وَذَلِكَ لأمر كشفه الله لذهنه الشريف وأطلعه عَلَيْهِ إِن الْمُلُوك نقيَّة الأذهان وَفِيه يَقُول شمس الدّين مُحَمَّد بن سلمَان بن غانمٍ من المتقارب

مليكان قد لقِّبا بالصَّلاحفَهَذَا خليلٌ وَذَا يُوسُف
فيوسف لَا شكَّ فِي فَضلهوَلَكِن خليلٌ هُوَ الْأَشْرَف

وَفِيه يَقُول الْحَكِيم شمس الدّين ابْن دانيال من الْبَسِيط

خليلٌ تكسِّر أصنام الزَّمَان وَكمجبرت قوما وَلَكِن بَعضهم هُبل
وكلُّ نمروذ قد أودى بهامتهذُبَاب سَيْفك حَتَّى غاله الْأَجَل

)

نقلت من خطّ محيي الدّين بن عبد الظَّاهِر قَالَ الشَّيْخ الْفَقِيه الْعَالم الْفَاضِل شرف الدّين

البوصيري رأى فِي مَنَامه قبل الْحَرَكَة إِلَى عكا فِي شَوَّال سنة تسعٍ وَثَمَانِينَ وست مائَة وَقَالَ ذَلِك لجَماعَة شهدُوا بِصِحَّة ذَلِك وَكَأن قَائِلا ينشد من مخلع الْبَسِيط

قد أَخذ الْمُسلمُونَ عكّاوأشبعوا الْكَافرين صكّا
للشاعر البوصيري، من قصيدة «قد أخذ المسلمون عكا»
وسَاق سلطاننا إِلَيْهِمخيلاً تدكُّ الْجبَال دكّا
للشاعر البوصيري، من قصيدة «قد أخذ المسلمون عكا»
وَأقسم التُّرك مُنْذُ سَارَتْلَا تركُوا للفرنج ملكا
للشاعر البوصيري، من قصيدة «قد أخذ المسلمون عكا»

وَقَالَ فِيهِ ابْن دانيال لما فتح عكا من الْخَفِيف

مَا رأى النَّاس مثل ملكك ملكامَلأ الْخَافِقين للحرب تركا
للشاعر ابن دانيال الموصلي، اقرأ القصيدة

وجيوشاً لَو صادمت جبل الشّرك لدكَّته بالسَّنابك دكا مِنْهَا قد رَأينَا وَأَنت أَنْت صَلَاح الدّين مَا كَانَ عَن سميِّك يحْكى صدت صيدا قنصا وصور وعثليث وبيروت بعد فتح عكّا وَله فِيهِ أمداح كَثِيرَة من ذَلِك من قصيدةٍ مدحه بهَا لما عمر الإيوان الَّذِي بالقلعة وَقد زخرفه وعلَّى قبَّته من الْبَسِيط

وقبَّة هِيَ للأفلاك عاشرةٌودونها فِي علوّ الشان كيوان
للشاعر ابن دانيال الموصلي، اقرأ القصيدة
كَأَنَّهَا الْعَالم العلويُّ تحرسهاالْأَمْلَاك لم يدن مِنْهَا ثمَّ شَيْطَان
للشاعر ابن دانيال الموصلي، اقرأ القصيدة
علت فأفلاكها الأفلاك فِي شرفٍوتبرها الشُّهب والأركان أَرْكَان
للشاعر ابن دانيال الموصلي، اقرأ القصيدة
وَأَنت يَا أشرف الْأَمْلَاك شمس علاسما بهَا وعَلى ظَنِّي سُلَيْمَان
للشاعر ابن دانيال الموصلي، اقرأ القصيدة
وَتَحْت دهليزك الزاهي بزركشهمن كلما تتمنَّى النَّفس ألوان
للشاعر ابن دانيال الموصلي، اقرأ القصيدة
والجيش بالقبق الْمَنْصُور قد ولعوابكلِّ طايشةٍ والقوس مرنان
للشاعر ابن دانيال الموصلي، اقرأ القصيدة
كَأَنَّمَا الْعرض يَوْم الْعرض إِذْ عرضواعَلَيْهِ صفّاً وللإعطاء ميزَان

وَكَانَ مغرىً بالهدم لِأَنَّهُ هدم أَمَاكِن وَفِيه يَقُول عَلَاء الدّين الوداعيّ لما أَمر بهدم الْأَمَاكِن الَّتِي تجاور الميدان بِدِمَشْق ووزع عِمَارَته على الْأُمَرَاء وَمن خطه نقلت من السَّرِيع

إِن أَمر السُّلْطَان فِي جلَّقٍبهدم مَا ضايق ميدانه
فَإِنَّهُ قد غَار لمّا رأىغير بيُوت الله جِيرَانه

)

وَقَالَ أَيْضا من الوافر

أرى الْأُمَرَاء قد جدُّوا وجادواوشدُّوا فِي بنائهم وشادوا
وهم متسابقون وَلَا عجيبٌفَفِي الميدان تستبق الْجِيَاد

وَقَالَ أَيْضا من الوافر

جزيتم أَيهَا الْأُمَرَاء خيراعلى إتقانكم هذي البنيّه
فَلَا تخشوا على الميدان شَيْئاسوى سيل العطايا الأشرفيه

فاتفق أَن السُّلْطَان حضر بعد ذَلِك وَأنْفق فِي العساكر فِي الميدان فَقَالَ بَيْتَيْنِ أذكرهما فِي تَرْجَمَة الْأَمِير علم الدّين سنجر الشُّجاعي وَقَالَ أَيْضا فِي عمَارَة الميدان من الْكَامِل

لَئِن ادَّعى ميداننا شرفاً إِلَىشرفيه لم ينْسب إِلَى الْإِسْرَاف
أَو مَا ترى الْأُمَرَاء فِي تعميرهأضحوا فعول مجارفٍ وقفاف

وَلما فتح الْملك الْأَشْرَف عكا امتدحه القَاضِي شهَاب الدّين مَحْمُود بقصيدته البائية الْمَشْهُورَة وَهِي من الْبَسِيط

الْحَمد لله زَالَت دولة الصُّلبوعزَّ بالتُّرك دين الْمُصْطَفى الْعَرَبِيّ
هَذَا الَّذِي كَانَت الآمال لَو طلبترُؤْيَاهُ فِي النّوم لاستحيت من الطّلب
مَا بعد عكا وَقد هدَّت قواعدهافِي الْبَحْر للشِّرك عِنْد البِّر من أرب
عقيلةٌ ذهبت أَيدي الخطوب بهَادهراً وشدَّت عَلَيْهَا كفُّ مغتصب
لم يبْق من بعْدهَا للكفر مذ خربَتْفِي البِّر وَالْبَحْر مَا يُنجي سوى الْهَرَب
كَانَت تخيّلنا آمالنا فنرىأنّ التفكُّر فِيهَا غَايَة الْعجب
أمُّ الحروب فكم قد أنشأت فتناشَاب الْوَلِيد بهَا هولاً وَلم تشب
سوران برّاً وبحراً حول ساحتهادَارا وأدناهما أنأى من القطب
خرقاء أمنع سوريها وأحصنهاغلب الرِّجَال وأقواها على النُّوب
مصفَّحٌ بصفاحٍ حولهَا أكمٌمن الرّماح وأبراجٌ من اليلب
مثل الغمائم تهدي من صواعقهابالنَّبل أَضْعَاف مَا تهدي من السُّحب
كَأَنَّمَا كلُّ برجٍ حوله فلكٌمن المجانيق يَرْمِي الأَرْض بالشُّهب
ففاجأتها جنود الله يقدمهَاغَضْبَان لله لَا للْملك والنِّشب

)

لَيْث أَبى أَن يردَّ الْوَجْه عَن أممٍيدعونَ ربَّ العلى سُبْحَانَهُ بأب
كم رامها ورماها قبله ملكٌجمُّ الجيوش فَلم يظفر وَلم تجب
لم يلهه ملكه بل فِي أَوَائِلهنَالَ الَّذِي لم ينله النَّاس فِي الحقب
لم ترض همَّته إِلَّا الَّذِي قعدتللعجز عَنهُ مُلُوك الْعَجم وَالْعرب
فَأَصْبَحت وَهِي فِي بحرين ماثلةًمَا بَين مضطرمٍ نَارا ومضطرب
جيشٌ من التُّرك ترك الْحَرْب عِنْدهمعارٌ وراحتهم ضربٌ من الضَّرب

خَاضُوا إِلَيْهَا الرَّدى وَالْبَحْر فَاشْتَبَهَ الْأَمْرَانِ وَاخْتلفَا فِي الْحَال والسَّبب

تسنَّموها فَلم يتْرك تسنُّمهمفِي ذَلِك الْأُفق برجاً غير مُنْقَلب
تسلَّموها فَلم تخل الرّقاب بهَامن فتك منتقمٍ أَو كفِّ منتهب
أَتَوا حماها فَلم يمْنَع وَقد وَثبُواعَنْهَا مجانيقهم شَيْئا وَلم تثب
يَا يَوْم عكا لقد أنسيت مَا سبقتبِهِ الْفتُوح وَمَا قد خطَّ فِي الْكتب
لم يبلغ النُّطق حدَّ الشُّكْر مِنْك فَمَاعَسى يقوم بِهِ ذُو الشّعْر والخطب
كَانَت تمنِّي بك الْأَيَّام مبعدةًفَالْحَمْد لله نلنا ذَاك عَن كثب
أغضبت عبّاد عِيسَى إِذْ أبدتهملله أيُّ رضى فِي ذَلِك الْغَضَب
وأطلع الله جَيش النَّصْر فابتدرتطلائع الْفَتْح بَين السُّمر والقضب
وأشرف الْمُصْطَفى الْهَادِي البشير علىمَا أسلف الْأَشْرَف السُّلْطَان من قرب
فقرَّ عينا بِهَذَا الْفَتْح وابتهجتبفتحه الْكَعْبَة الغرّاء فِي الْحجب
وَسَار فِي الأَرْض سير الرّيح سمعتهفالبُّر فِي طربٍ وَالْبَحْر فِي حَرْب
وخاضت الْبيض فِي بَحر الدِّمَاء وَمَاأبدت من الْبيض إلَاّ سَاق مختضب
وغاص زرق القنا فِي زرق أَعينهمكنها شطنٌ تهوي إِلَى قلب
توقَّدت وَهِي غرقى فِي دِمَائِهِمْفزادها الطَّفح مِنْهَا شدَّة اللهب
أجرت إِلَى الْبَحْر بحراً من دِمَائِهِمْفراح كالراح إِذْ غرقاه كالحبب
وذاب من حرِّها عَنْهُم حديدهمفقيَّدتهم بِهِ ذعراً يَد الرَّهب
تحكَّمت وسطت فيهم قواضبهاقتلا وعفَّت لحاويها عَن السَّلب
كم أبرزت بطلاً كالطَّود قد بطلتحواسُّه فغدا كالمنزل الخرب

)

كَأَنَّهُ وَسنَان الرمْح يَطْلُبهُبرجٌ هوى ووراه كَوْكَب الذَّنب
بِشِرَاك يَا ملك الدُّنْيَا لقد شرفتبك الممالك واستعلت على الرُّتب
مَا بعد عكّا وَقد لانت عريكتهالديك شيءٌ تلاقيه على تَعب
فانهض إِلَى الأَرْض فالدّنيا بأجمعهامدَّت إِلَيْك فواصلها بِلَا نصب
كم قد دعت وَهِي فِي أسر العدى زَمناصيد الْمُلُوك فَلم تسمع وَلم تجب
أتيتها يَا صَلَاح الدّين مُعْتَقدًابأنَّ دَاعِي صَلَاح الدّين لن يخب
أسلت فِيهَا كَمَا سَالَتْ دِمَاؤُهُمْمن قبل إحرازها بحراً من الذَّهَب
أدْركْت ثأر صَلَاح الدّين إِذْ غصبتمِنْهُ لسرٍّ طواه الله فِي اللَّقب
وجئتها بجيوشٍ كالسيول علىأَمْثَالهَا بَين آجامٍ من القضب
وحطتها بالمجانيق الَّتِي وقفتإزاء جدرانها فِي جحفلٍ لجب
مَرْفُوعَة نصبوا أضعافها فغداللكسر والحطم مِنْهَا كلُّ منتصب
ورضتها بنقوبٍ ذلَّلت شمماًمِنْهَا وأبدت محيّاها بِلَا تَعب
وغنَّت الْبيض فِي الْأَعْنَاق فارتقصتأبراجها لعباً مِنْهُنَّ باللُّعب
وخلَّقت بِالدَّمِ الأسوار فانفغمتطيبا وَلَوْلَا دِمَاء الْخبث لم تطب
وأبرزت كلَّ خودٍ كاعبٍ نثرترؤوسهم حِين زفوها بِلَا طربٍ
باتت وَقد جاورتنا ناشزاً وغدتطوع الْهوى فِي يَدي جِيرَانهَا الْجنب
بل أحرزتهم وَلَكِن للسيوف لكَيلَا يلتجي أحدٌ مِنْهُم إِلَى الْهَرَب
وجالت النَّار فِي أرجائها وعلتفأطفأت مَا بصدر الدّين من كرب
أضحت أَبَا لهبٍ تِلْكَ البروج وَقدكَانَت بتعليقها حمَّالة الْحَطب
وأفلت الْبَحْر مِنْهُم من يخبِّر منيلقاه من قومه بِالْوَيْلِ وَالْحَرب
وتمَّت النِّعْمَة الْعُظْمَى وَقد كملتبِفَتْح صور بِلَا حصرٍ وَلَا نصب
أختَان فِي أنّ كلا مِنْهُمَا جمعتصليبة الْكفْر لَا أختَان فِي النّسَب
لما رَأَتْ أُخْتهَا بالْأَمْس قد خربَتْكَانَ الخراب لَهَا أعدى من الجرب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «السيف أصدق أنباء من الكتب»
الله أَعْطَاك ملك الْبَحْر إِذْ جمعتلَك السَّعَادَة ملك الْبر وَالْعرب
من كَانَ مبدأه عكا وصور مَعًافالصين أدنى إِلَى كفِّيه من حلب

)

علا بك الْملك حَتَّى أَن قبَّتهعلى البرايا غَدَتْ ممدودة الطنب
فَلَا بَرحت قرير الْعين مبتهجاًبكلِّ فتحٍ مُبين الْمنح مرتقب

النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف الْخَاء

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.