من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
شُجَاع بن الْقَاسِم أَبُو الْحسن الْكَاتِب كَانَ كَاتبا للأمير أوتامش فولاه المستعين وزارته وَكَانَ أُمِّيا وَكَانَ كَاتب يقْرَأ عَلَيْهِ الْكتب فيحفظها فَإِذا عرض على المستعين قَالَ هَذَا كتاب فلَان يذكر فِيهِ كَذَا وَكَذَا ويتفق مَعَه على الْجَواب وَكَانَ أمره يمشي بذلك لعلو يَد صَاحبه أوتامش وَلم
على ذَلِك إِلَى أَن شغب الأتراك والمغاربة فَقَتَلُوهُ وَقتلُوا صَاحبه أوتامش سنة تسع وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ وَكَانَ متألهاً طَوِيل الصَّلَاة قَرَأَ يَوْمًا على المستعين أَنه اشْترِي للمعتز والمؤيد حمَار وَحش بِثَلَاثَة دَرَاهِم فَأنْكر ذَلِك المستعين وَكَانَ أَحْمد ابْن أبي الإصبع حَاضرا فَقَالَ إِنَّمَا هُوَ حمَار وَحش فَضَحِك المستعين ومدحه رجل من الشطار بِشعر يَقُول فِيهِ
شُجَاع لجاع كَاتب لاتب مَعًاكجلمود صَخْر حطه السَّيْل من عل
خميص لميص مُسْتَمر مقدمكثير أثير ذُو شمال مهذب
)
فطين لطين آمُر لَك زاجرحصيف لصيف حِين يخبر يعلم
بليغ لبيغ كل مَا شِئْت قلتهلَدَيْهِ وَإِن تسكت عَن القَوْل يسكت
أديب لَبِيب فِيهِ عقل وَحِكْمَةعليم لشعري حِين أنْشد يشْهد
كريم حَلِيم قَابض متباسطإِذا جِئْته يَوْمًا إِلَى الْمَدْح يسمح
فَأعْطى هَذَا الشّعْر لرجل طالبي فلقي بِهِ شجاعاً وَهُوَ على قَارِعَة الطَّرِيق وَحَوله النَّاس فاستوقفه وأنشده الشّعْر فَضَحِك وشكره وَدخل على المستعين فَرغب إِلَيْهِ فِي أمره فَأعْطَاهُ عشرَة آلَاف دِرْهَم صلَة وأجرى لَهُ ألف دِرْهَم راتباً فِي كل شهر وَدخل يَوْمًا على المستعين وذيل قبائه قد تخرق فَقَالَ لَهُ المستعين مَا هَذَا يَا شُجَاع فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ داس الْكَلْب ذَنبي فخرقت قباءه يردي دست ذَنْب الْكَلْب فخرق قبائي وكلفه المستعين يَوْمًا قِرَاءَة كتاب وَكَانَ فِيهِ حَاضر طي وطي قَبيلَة من قبائل الْيمن وحاضرهم من حَاضر مِنْهُم فصحفه ومقال جا ضرطي والضرط لُغَة فِي الضراط فَضَحِك المستعين وَكَانَ يَوْمًا فِي مَجْلِسه فَقَامَ رجل فَقَالَ قد سبق من الْوَزير وعد وتلاه لي شكر والوزير حقيق بإنجاز وعدي وَقبُول شكري وَأنْشد
أَبُو حسن يزِيد الْملك حسناوَيصدق فِي المواعد والمقال
جبان عَن مذمة آمليهشُجَاع فِي الْعَطِيَّة والنوال
أجل الله فِي علن وسرفَأعْطَاهُ الْجَلالَة ذُو الْجلَال
فَقَالَ لَهُ وَمَا يدْريك أَنِّي جبان وَلم يفهم مَعْنَاهُ فَقَالَ لَهُ أعزّك الله إِنَّمَا قلت إِنَّك تجبن عَن الْبُخْل وَلَا تبخل بِشَيْء وَإِلَّا فَأَنت شُجَاع كاسمك فَقَالَ مَا أُعْطِيك على هَذَا الشّعْر شَيْئا وَلَكِن على شكرك وميلك فَوَقع لَهُ بِأَلف دِرْهَم وَلَوْلَا أَنه لم يفهم مَا أَرَادَ بقوله جبان عَن مذمة آمليه لأعطاه بدل الْألف ألوفاً
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع