من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
الموسوس
شحطون الموسوس الْبَغْدَادِيّ قَالَ أَبُو يحيى المهندس مَرَرْت بالمخرم يَوْمًا فَرَأَيْت شحطون جَالِسا فِي الطَّرِيق وَمَعَهُ ابْن لَهُ فدنوت مِنْهُمَا وَدفعت إِلَى الْغُلَام من سكر كَانَ معي فَأَخذه فَقلت لَهُ مَا اسْمك فَقَالَ سعيد فَقلت أَنْت وَالله يَا سعيد كيس عَاقل فَأقبل عَليّ شحطون فَقَالَ
يَا شيخ قل لي أَهَذامن الْمُهَيْمِن عدل
بِأَن يكون لهَذَاعقل وَمَالِي عقل
قلت سُبْحَانَ الله من بقول هَذَا قَالَ يَقُوله من يراني على مثل هَذِه الْحَالة مطروحاً قي الطَّرِيق وَالله يَا أخي إِنَّه ليَأْتِي عَليّ وَقت لَا أَدْرِي فِيهِ مَا حَالي وَمَا رَحْمَتي لنَفْسي إِنَّمَا أرْحم هَذَا الَّذِي لَيست لَهُ أم وَأَبوهُ على مثل هَذِه الْحَال قلت فادفعه إِلَيّ حَتَّى يكون مَعَ صبياني فِي مثل أَحْوَالهم من التفقد والتعهد فَبكى ثمَّ قَالَ
أأجعل روحي وَالَّذِي هُوَ مؤنسييَتِيما وَلم يقدر لي الْمَوْت قَادر
لَعَلَّ ليالينا تروح كربتيفتدفع عني كل مَا أَنا حاذر
فَلَا الْيَأْس يستولي عَليّ وَلَا أرىجزوعاً وَلَكِنِّي صبور وشاكر
قَالَ فأبكاني فَلَمَّا رأى بُكَائِي قَالَ
أَتَرَى رَحْمَة بَكَيْت لمن عَندك أم رَحْمَة بَكَيْت لما بِي
لَا تبْكي الجفون مِنْك لهَذَابكها للوقوف يَوْم الْحساب
كل نفس تفنى وَيبقى الَّذِي يَفِني وَيجْزِي برحمة أوعذاب
قَالَ ثمَّ قَامَ وَحمل ابْنه على عُنُقه فَمَا جَاوز بَعيدا حَتَّى تغير لَونه وَطَرحه وهام فهممت بِأخذ)
الصَّبِي فَقيل لي إِنَّه إِن رَجَعَ وَلم يره لم تقم لَهُ قَائِمَة
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع