من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
قَاتل الظافر والفائز قبله
الْعَبَّاس بن أبي الْفتُوح بن يحيى بن تَمِيم بن الْمعز بن باديس أَبُو الْفضل وَزِير الفائز عِيسَى العبيدي كَانَ وصل إِلَى الْقَاهِرَة وَهُوَ مَعَ أمه بلارة فَتَزَوجهَا الْعَادِل عَليّ بن السلار وَزِير الظافر العبيدي فأقامت عِنْده زَمَانا ورزق عَبَّاس هَذَا ولدا اسْمه نصر فَكَانَ عِنْد جدته فِي دَار الْعَادِل وَكَانَ الْعَادِل يحنو عَلَيْهِ ويعزه ثمَّ إِن عباساً دس وَلَده نصرا على أَن قتل الْعَادِل على مَا يَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي تَرْجَمَة الْعَادِل ثمَّ إِن عباساً دس وَلَده نصرا على الظافر أَيْضا فَقتله على مَا هُوَ مَذْكُور فِي تَرْجَمَة الظافر إِسْمَاعِيل بن عبد الْمجِيد ثمَّ إِن أُخْت الظافر استدعت الصَّالح بن رزيك من منية بني خصيب فَحَضَرَ إِلَى الْقَاهِرَة وهرب عَبَّاس هَذَا وَولده نصر وَأُسَامَة بن منقذ إِلَى الشَّام فَخرج الفرنج عَلَيْهِم وَقتلُوا عباساً وجهزوا نصرا إِلَى مصر فِي قفص حَدِيد على مَا هُوَ مَذْكُور فِي تَرْجَمَة الظافر إِسْمَاعِيل وَولده الفائز عِيسَى فليكشف من تَرْجَمَة الْمَذْكُورين وَكَانَت قتلة عَبَّاس الْمَذْكُور فِي سنة إِحْدَى وَخمسين وَخَمْسمِائة وَوصل إِلَى دمشق جمَاعَة من أَصْحَابه هاربين على اقبح الصُّور من العري والعدم
وَقَالَ عمَارَة اليمني من أَبْيَات الطَّوِيل
لكم يَا بني رزيك لَا زَالَ ظلكممَوَاطِن سحب الْمَوْت فِيهَا مواطر
سللتم على الْعَبَّاس بيض صوارمقهرتم بِهِ سُلْطَانه وَهُوَ قاهر
قَالَ أُسَامَة بن منقذ كَانَ لعباس أَرْبَعمِائَة جمل تحمل أثقاله وَمِائَتَا بغل رَحل وَمِائَتَا جنيب فَلَمَّا أَرَادَ الْخُرُوج من مصر يَوْم الْجُمُعَة رَابِع ربيع الأول سنة تسع وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة تقدم بشد خيله وجماله فَلَمَّا صَار الْجَمِيع على بَاب دَاره وَقد مَلَأت الفضاء إِلَى الْقصر خرج غُلَام لَهُ)
يُقَال لَهُ عنبر كَانَ على أشغاله وغلمانه كلهم تَحت يَده فَقَالَ للجمالين والخربندية والركابية روحوا إِلَى بُيُوتكُمْ وسيبوا الدَّوَابّ فَفَعَلُوا ذَلِك وانحاز هُوَ إِلَى المصريين يُقَاتل عباساً مَعَهم وَكَانَ عَبَّاس ومماليكه فِي ألف رجل فنهب المصريون الْخَيل وَالْجمال وَالدَّوَاب وَلما فتحُوا بذلك الطَّرِيق خرج عَبَّاس من بَاب النَّصْر فَجَاءُوا فِي إثره وَأَغْلقُوا الْبَاب وعادوا إِلَى دور عَبَّاس فنهبوها وَكَانَ عَبَّاس قد أحضر من الْعَرَب ثَلَاثَة آلَاف فَارس
يتقوى بهم على المصريين ووهبهم أَشْيَاء كَثِيرَة وحلفهم لَهُ فَلَمَّا خرج من بَاب النَّصْر غدروا بِهِ وقاتلوه أَشد قتال سِتَّة أَيَّام يقاتلهم من الْفجْر إِلَى اللَّيْل فَإِذا نزل أمهلوه إِلَى نصف اللَّيْل ثمَّ يركبون ويهدون خيلهم على جَانب النَّاس ويصيحون صَيْحَة وَاحِدَة فتجفل الْخَيل وتقطع لجمها فَلَمَّا كَانَ بعد سِتَّة أَيَّام وَقد ضعف صبحه الإفرنج فَقتلُوا عباساً وَابْنه الْأَوْسَط واسروا ابْنه الْأَكْبَر وَأخذُوا نسَاء عَبَّاس وخزائنه واسروا أَوْلَادًا لَهُ صغَارًا وَقَالَ فِي قتل الظافر بعض الشُّعَرَاء وَهُوَ ابْن أسعد يَعْنِي عباسا الطَّوِيل
وَأنْفق من أَمْوَالهم فِي هلاكهموَأظْهر مَا قد كَانَ عَنهُ ينافق
وَمد يدا هم طولوها إِلَيْهِموحلت بِأَهْل الْقصر مِنْهُ البوائق
سقى ربه كأس المنايا وَمَا انْقَضىلَهُ الشَّهْر إِلَّا وَهُوَ للكأس ذائق
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع