من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
وَزِير المكتفي والمقتدر
الْعَبَّاس بن الْحسن وَزِير المكتفي والمقتدر وثب عَلَيْهِ ابْن حمدَان فَضرب عُنُقه فِي نوبَة ابْن المعتز وَذَلِكَ فِي حُدُود الثلاثمائة وَلم تزل تتقلب بِهِ الْأَيَّام من المباشرات إِلَى أَن وزر للمكتفي وأقطعه غلَّة خمسين ألف دِينَار وأجرى لَهُ فِي كل شهر خَمْسَة آلَاف دِينَار قَالَ الصولي ولد الْعَبَّاس فِي اللَّيْلَة الَّتِي قتل فِيهَا المتَوَكل فَقَالَ أَبُو معشر مَا أعجب أَمر هَذَا الْمَوْلُود لَو كَانَ هاشمياً لحكمت لَهُ بالخلافة وسيكون أمره كأمره فِي سَائِر أَحْوَاله إِلَّا أَنه وَزِير وَكَانَ الْأَمر فِيهِ كَمَا حكم وَأوصى إِلَيْهِ المكتفي فِي مَاله وَولده وَعِيَاله وَقَالَ الْقَاسِم بن)
عبيد الله إِنِّي لأعنت الْعَبَّاس فِي سرعَة الْإِمْلَاء فتسبق يَده لَفْظِي وَيقطع الْكتاب مَعَ آخر كَلَامي وَقَالَ الصولي مَا رَأَيْت أَنا يدا أسْرع بالخط من الْعَبَّاس وَلَا أقل سقطا مَعَ إِقَامَة حُرُوفه واستواء سطوره وملاحة خطه وَكَانَ لَهُ حَظّ وافر من البلاغة من غير تلبث وَلَا تمكث وَقَالَ الزّجاج النَّحْوِيّ دخلت على الْعَبَّاس وَهُوَ يكْتب رقْعَة وَقد التطخت إصبعه الْوُسْطَى بالمداد فَلَمَّا فرغ من كتبهَا بل إصبعه بريقه ومسحها فِي منديل على حجره ثمَّ قَالَ الْخَفِيف ...
إِنَّمَا الزَّعْفَرَان عطر العذارىومداد الدوي عطر الرِّجَال
فَقلت نعم أَنْشدني أَحْمد بن يحيى قَالَ أَنْشدني ابْن الْأَعرَابِي الْبَسِيط
من كَانَ يُعجبهُ إِن مس عَارضهمسك يطيب مِنْهُ الرّيح والنسما
فَإِن مسكي مداد فَوق أنملتيإِذا الأنامل مني مست القلما
وَلما توفّي المكتفي أحكم الْبيعَة الْعَبَّاس بن الْحسن للمقتدر فتمت فَألْحق النَّاس بِهِ كل لوم فِي كل شَيْء يمْنَع فَأَشَارَ عَلَيْهِ أَولا بعض الْكتاب وَالْحُسَيْن ابْن حمدَان أَن يخْتَار للخلافة رجلا يشْتَد خَوفه هُوَ مِنْهُ إِذا دخل إِلَيْهِ وَقَالَ لَهُ تقيم من تخافه ويخافك النَّاس من أَجله وَإِلَّا طلب النَّاس مِنْك زيادات الإقطاعات وَمن منعته عاداك فَكَانَ الْأَمر كَذَلِك وَفَسَد النَّاس عَلَيْهِ وحسدوه وَصَارَ يمْنَع وَالِدَة المقتدر من التَّوَسُّع فِي النَّفَقَات فثقل على قلب المقتدر ووالدته وحاشيتهما فسعوا فِي إِزَالَة أمره إِلَى أَن تمّ الْقَضَاء عَلَيْهِ بقتْله فَرَمَوْهُ بِأَنَّهُ يُرِيد الْبيعَة لعبد الله بن المعتز فَلَمَّا كَانَ فِي يَوْم السبت لإحدى عشرَة لَيْلَة خلت من جُمَادَى الأولى سنة سِتّ وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ فَنزل فِي موكبه وضربه الْحُسَيْن بن حمدَان فَقتله وَقتل مَعَه جمَاعَة مِنْهُم فاتك المعتضدي وَغَيره وَقيل إِن الْحُسَيْن لما ضربه طَار قحف رَأسه ثمَّ ثناه فَسقط على وَجهه ثمَّ اعتوره الْأَعْرَاب فَقطع قطعا وَقَالَ الصولي حَدثنِي أَحْمد بن الْعَبَّاس قَالَ كَانَ لأبي شعر وَكَانَ يَكْتُمهُ وَلَا يظهره فَوجدت بعد وَفَاته رقْعَة بِخَطِّهِ فِيهَا المنسرح
يَا شادناً فِي فؤاد عاشقهمن حبه لوعة تقرحه
لي خبر بعد مَا نأيت وَلَوأمنت رُسُلِي مَا كنت أشرحه
صنت الْهوى طاقتي فأظهرهدمع يُنَادي بِهِ ويوضحه
وكل صب يصون دمعتهفَهِيَ غَدَاة الْفِرَاق تفضحه
وَقَالَ فِي الرقعة أَيْضا المنسرح)
يَا قاتلي بالصدود مِنْهُ وَلَويَشَاء بالوصل كَانَ يحييني
وَمن يرى مهجتي تسيل علىتَقْبِيل فِيهِ وَلَا يواتيني
واحربي للْخلاف مِنْك وَمنخلائق فِيك ذَات تلوين
طيفك فِي هجعتي يصالحنيوَأَنت مستيقظاً تعاديني
قلت شعر متوسط وَالْمعْنَى مَأْخُوذ من قَول أبي نواس السَّرِيع
يَا ناعم البال فَمَا بالنانشقى ويلتذ خيالانا
لَو شِئْت إِذا أَحْسَنت لي نَائِماتممت إحسانك يقظانا
(حَاجِب الْأمين)
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع