من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
أَبُو الْقَاسِم المغربي (٢)
الْعَبَّاس بن فرناس المغربي قَالَ حرقوص كَانَ شَاعِرًا مفلقاً وفحلاً مجوداً مطبوعاً مقتدراً كثير الإبداع حسن التوليد مليح الْمعَانِي بعيد الْغَوْر رَقِيق الذِّهْن لَهُ شخص إنسي وفطنة جني
وَكَانَ متفلسفاً فِي غير مَا جنس من الصناعات وَيُقَال إِنَّه أول من فك فِي بِلَادنَا الْعرُوض وَفتح مقفله وأوضح للنَّاس ملتبسه وَكَانَ أبْصر النَّاس بالنجوم وأعلمهم بدقائقها وأعرفهم بالفلك ومجاريه وَكَانَ أقل النَّاس سَرقَة من شعر غَيره دس عَلَيْهِ مُؤمن حَدثا كَانَ يَصْحَبهُ يُقَال لَهُ طَلْحَة فَأَتَاهُ فَقَالَ لَهُ يَا أَبَا الْقَاسِم إِنَّك جنيت عَليّ
جِنَايَة فَقَالَ وَمَا هِيَ فَقَالَ إِنِّي جنبت بك اللَّيْلَة فَأعْطِنِي سطلاً ومنديلاً أَدخل بهما الْحمام فَقَالَ لَا جزى الله مُؤمنا خيرا فَهُوَ الَّذِي)
عودك إتْيَان الْمَشَايِخ فِي الْيَقَظَة حَتَّى صرت تجنب عَلَيْهِم فِي النّوم قَالَ وبصر بِمُؤْمِن يَوْمًا وَقد ألْقى على رَأسه رِدَاء فَعرفهُ وناداه أَبَا مَرْوَان أَبَا مَرْوَان من خَلفه فَاسْتَجَاب لَهُ ثمَّ قَالَ لَهُ يَا أَبَا الْقَاسِم من أَيْن عَرفتنِي وَلم تَرَ وَجْهي وَإِنَّمَا رَأَيْت قفاي فَقَالَ أَنا أعرف بك من ورائك وَفِيه يَقُول مُؤمن الْبَسِيط
قعدت تَحت سَمَاء لِابْنِ فرناسفخلت أَن رحى دارت على رَأْسِي
فَلَمَّا بلغ ابْن فرناس ذَلِك قَالَ لَيْسَ كَمَا قَالَ ابْن الزَّانِيَة كَانَ يَنْبَغِي أَن يَقُول
قعدت من فَوق عرد لِابْنِ فرناسفخلته ناتئاً شبْرًا على رَأْسِي
وَأورد لَهُ حرقوص قصائد مُطَوَّلَة ومقطعات فمما لَهُ من المقاطيع قَوْله المنسرح
يَا من لعين خلت من الغمضومهجة أشرفت على الْقَبْض
كل هوى لَا يُمِيت صَاحبهفَأصل ذَاك الْهوى من البغض
وَمن ذَلِك الْخَفِيف
إِن تِلْكَ الَّتِي أحن إِلَيْهَاوعذابي وراحتي فِي يَديهَا
نظر النَّاس فِي الْهلَال لفطرفتبدت فأفطروا إِذْ رأوها
ذَاك فِي سَبْعَة وَعشْرين يَوْمًافذنوب الْعباد طراً عَلَيْهَا
ولحيني بَانَتْ وَلم تشف قلباًمستهاماً يطير شوقاً إِلَيْهَا
وَمن ذَلِك المجتث
بدل لنَفسك روحالَعَلَّ أَن تستريحا
مَا زَالَ قَلْبك يهوىمن لَا يزَال شحيحا
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع