تجاوز إلى المحتوى

من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)

عبد الله بن عبد الرحمان

الصفحة ٢ من ٢

فعقدنا الحبا وجنبنا الجنايب وركبنا الصِّبَا وتسلمتنا من يَد الربوة يَد الوهاد والربا وَكَانَ توجهنا حِين أكثرت الْجبَال من الثلوج الاكتساء والاكتساب وبفضلٍ فتحت فِيهِ السَّمَاء

أَبْوَابهَا بِمَا لَيْسَ لفصوله عَن تِلْكَ المواطن من فُصُول وَلَا لأكوابه المترعة دَائِما بِجَمِيعِ الْفُصُول من بوابٍ فعدنا إِلَى جِهَة حمص وَإِن لم يعجبنا الْعَام وَقُلْنَا كل ذَلِك متغفرٌ فِي جنب مَا أشارته مصلحَة الْإِسْلَام المختصة بالخاص مِنْهُم وَالْعَام واستقبلنا تِلْكَ النواحي المتناوحة والمنازل المنتائية على الْمنَازل المتنازحة برقة جلودٍ تتجالد على الجليد وأواجهٍ تواجه من تِلْكَ الْجِهَات مَا وُرُود حِيَاض الْمنون بِهِ أقرب من حَبل الوريد كم الْتَقت الشَّمْس بقارةٍ من قرها بفروة سنجابٍ من الْغَمَام وَكم غمضت عينهَا عَمَّن لم يغمض جفونه بمناخٍ وَلَا مقَام وَكم سبكت الرِّيَاح الزمهريرية فضَّة ثلوجها فَصحت عِنْد السبك وَكم خبرٍ من امْرِئ الْقَيْس أنْشد عِنْد النبك قفا نبك هَذَا والزميتا قد ادهنت بهَا رُؤُوس الأكمام وَقَالَ الفراشون مَا الديار ديار لما لاقوه وَلَا الْخيام خيام كَأَنَّهُ نصول المشيب فِي المفارق أَو رملٌ أَبيض قد أتربت بِهِ سطور تِلْكَ المهارق إِلَى غير ذَلِك من نوك كَأَنَّهُ من السَّمَاء وَالْأَرْض بحرٌ فاض وغاض الشَّمْس وَمَا غاض قد أصبح عجاج خُيُول الجنائب ودخان مَا خيلته من صفاء المَاء مجامر الْكَوَاكِب وثلوج بقاصم تظهر ولأعين تِلْكَ المحاجر من العواصم تبهر فدافعت الهضبات ملائتها الْبَيْضَاء وَأَتَتْ من الإيلام ببردها بأضعاف مَا يحصل من حر رَمْضَاءُ حر رَمْضَاءُ فكم أنامل يدٍ هُنَالك قعدت القرفصاء على الطروس واشتلمت الصماء اشْتِمَال الْيمن وَالشمَال على النفيس من النُّفُوس وعجزت عَن أَن تطبيق للأقلام إمساكاً وَكم من مرملةٍ اشتبكت دموعها بخدودها فَمَا تبين من بَكَى مِمَّن تباكى فَلم نصل إِلَى حمص إِلَّا والجليد قد أعدم الجليد صبره وَعبر تِلْكَ الْأَمْكِنَة فجرت لَهُ على أخدُود تِلْكَ الخدود عِبْرَة وَأي عِبْرَة واعتدقت الآمال أَنَّهَا قد قربت من منازه تِلْكَ الْمنَازل وَأَنَّهَا من حماه تغامز عُيُون الدعة وتغازل وَأَن نَار الْقرى تزيل برد القر وتستجيب دُعَاء من نَادَى هُنَاكَ رب إِنِّي مستني الضّر وَقَالَت عَسى ثمَّ أَن تَسْتَقِر النَّفس وَتُؤَدِّي الأقلام بذلك مَا وَجب عَلَيْهَا من سورتي الْحَمد وَالْإِخْلَاص عِنْد ملازمتها الْخمس فاتفق مَا اتّفق من نصرةٍ حققت الكرة وأعادت الرّجْعَة كَمَا بدأتها أول مرّة وسقيت بكأس التَّعَب الَّتِي كَانَت بهَا سقت وبكت السَّمَاء بالدموع الَّتِي كَانَت قد رقت لنا ورقت وَعَاد الْحَبل على الجرارة)

والكيل إِلَى حَبل الكارة فَدَخَلْنَا إِلَى دمشق وَإِذا أَغْصَانهَا قد أَلْقَت عصاها وَمَا اسْتَقر بهَا من الثَّمر والنوى وأوراقها قد اصْفَرَّتْ

وجوهها من الْهَوَاء والهوى وحمائهما لم تحمل مِنْهُ اللَّيَالِي فخلعت مَا لَهَا بالأعناق من الأطواق وَالنّهر قد توقف عَن زِيَادَة الغصون فراسلته بالأوراق فَقَالَت الْعين مَا الديار الديار وَلَا الرياض الرياض وَلَا المشارع المشارع وَلَا الْحِيَاض الْحِيَاض فشمرنا عَنْهَا ذيل الْإِقَامَة وَقُلْنَا للعزم شَأْنك ومصر دَار المقامة فقطعنا بيداً وَأي بيد ومنازل تستعبر السَّيِّد وتستعبر السَّيِّد ورمالاً هِيَ الأفاعي خدور وللنسور وكور وَلم يصدق فِيهَا تشبيهٌ يُقَال بِالْأَهِلَّةِ وَلَا آثَار أَخْفَاف الْمطِي بالبدور تستوقف الساري وَيسْعَى السَّاعِي مِنْهَا على شفا جرفٍ هار يسقى من الْمِيَاه مَاء يغلي فِي الْبُطُون كغلي الْحَمِيم وَيكفر شربه شرب المَاء الْبَارِد الَّذِي قَالَ بعض الْمُفَسّرين إِنَّه الَّذِي عَنى الله تَعَالَى بقوله ولتسألن يَوْمئِذٍ عَن النَّعيم وَمَا زَالَ الشوق بِنَا والسوق حَتَّى قربا الْبعيد حَتَّى فلينا بهما الفلاة وأبدنا البيد ودخلنا مصر فتلقانا نيلها مصعراً خَدّه للنَّاس وَقُلْنَا هَذَا الَّذِي خرج إِلَيْنَا عَن المقياس وشاهدنا ربوعها وَقد فرشت من الرّبيع بِأَحْسَن بسطها وبدت كل مقطعَة من النّيل قد زينت بِمَا أبدته من قُرْطهَا وتنشقنا رياحها الهابة بِمَا ترتاح إِلَيْهِ الْأَرْوَاح وشمنا بروق غمائمها الَّتِي الَّتِي لم تغادر فِي الْقُلُوب من القر قروحاً لَا تتعقبه لما تلقيه من المَاء القراح لَا يكلح الجليد أوجه بكرها وَلَا يهتم الْمدر ثنايا نهرها وَلَا يوقظ رَاقِد سمرها وَلَا تغير على أَهلهَا القوانين وَلَا يحْتَاج إِلَى التدفي فِي الكوانين بنيران الكوانين كل أَوْقَاتهَا سحر وآصالها بكر وَطول زمانها ربيع لَا يشان من اللواقح الكوالح بِبرد وَلَا يشان من النوافح اللوافح بَحر غنينت بنيلها الْخصم عَن كل دانٍ مسفٍ فويق الأَرْض هيدبه وَعَن كل نَادِي ارتدادٍ نحيف العزالة قطربه فَلَمَّا حصلنا هُنَاكَ قَالَت النَّفس المطمئنة هَذِه أول أَرض مس جلدي ترابها وَهَذِه الْجنَّة وَهَذَا شرابها وَإِذا بشمس الأمل وَقد حلت شرفها بِغَيْر الْحمل شرفاً كَرِيمًا فاق أحسن الأوفاق وملأ آفَاق الأوراق بِمَا رق من الْأَلْفَاظ الفاضلة وراق فَأَقْبَلت الْعين إِلَى مرآه لترى وَجه البلاغة وجنحت الجوانح الْجَوَارِح للتحلي بجواهر تِلْكَ الصِّنَاعَة البديعة الصياغة ومالت الأسماع إِلَى التشنف بِتِلْكَ الأسجاع وَمَا تَضَمَّنت من إبداع إِيدَاع وترصيع تصريعٍ يُعِيد سَابق هَذِه الحلبة سكيتاً وثنى حبها من حيائه وخجله مَيتا فكم رأى الْمَمْلُوك بهَا مِنْهُ كوكباً مَا عثر جَوَاده بجواده وَلَا كبا وَقَالَ هَذَا رب الْفضل الَّذِي نزع

وَهَذَا النَّابِغَة الَّذِي شكر الله زَمَانا فيع نبغ وَهَذَا النبل الَّذِي على)

الأكوار واقتعدنا سنامه وغاربا ورأينا مشارقه ومغاربه نَظرنَا إِلَى السوارق من فَوْقه كالأهاضب وَمن الْجبَال جددٌ بيضٌ وحمر وغرابيب وَقد حط رجلا فِي الأَرْض ورأساً فِي السما وَأخذ لِسَانا إِلَى الْبَحْر وَمَا بِهِ من ظما وكأنما قَامَ إِلَى الْأُفق مزاحماً بمناكبه أبراجه أَو مَال على الْبَحْر ملاطماً بأهاضبه أمواجه تَزُول جبال رضوى وَهُوَ لَا يَزُول وتحول صبغة الْأَيَّام وصبغ شعرته لَا يحول قد رفع البروج عَلَيْهِ قباباً وأعارته الشَّمْس من شاعهها أطناباً من الوافر

وَأصْبح والغمام لَهُ رداءٌعلى ثوبٍ من النبت العميم
لَهُ درجٌ بنهر السحب يسْقِييضاحك زهره زهر النُّجُوم

قد ركعت عَلَيْهِ الْكَوَاكِب والنجم وَالشَّجر يسجدان وَرفعت سماءه حَتَّى وضع عَلَيْهَا الْمِيزَان وَلما علاهُ الْمَمْلُوك تشوق إِلَى بلدته وَتَشَوُّقِ وتعلل بقربها مِنْهُ حِين عاينها من بعد وتسوف فَإِنَّهَا بلدته الَّتِي نَشأ من مَائِهَا وتربها وَلذَلِك جبلت طينته على حبها وَلم يزل يتلدد طرفه من بعد إِلَيْهَا ويتلذذ قلبه عَلَيْهَا حَتَّى عطف إِلَى ظلها عَائِدًا وَرجع بعد صدوده عَنْهَا وارداً فَوجدَ بهَا أطيب بقعةٍ وَأحسن مَدِينَة وَكَانَ موعد دُخُوله يَوْم الزِّينَة وَقد دارت للسرور أعظم رحى وَحشر النَّاس لقِرَاءَة كتاب الْبشَارَة ضحى وَإِذا بِهِ قد تضمن خبر الْفَتْح الْمُبين والنصر الْعَزِيز بعد أَن مس الْمُسلمين الضّر بِالشَّام وَنَادَوْا من بِمصْر يَا أَيهَا الْعَزِيز وَقد فرش الرّبيع ربوعها وقررها بالزهر وَنشر عَلَيْهَا ملاءة النسيم وطرزها بالنهر وَكَانَت يومئذٍ بَلْدَة لَا يهجر قطرها القطار وَلَا يحجب أفقها الْغُبَار وَلَا يعثر العقبان بعجاجها حَتَّى كَانَ جوها وعث أوضار وَلَا يخترق عين شمسها كبد السَّمَاء وَلَا يضرم حرهَا لهواتٍ بزفرات الْقَضَاء قد اكتفت بسح سحبها وغنيت بسقيا رَبهَا مَعَ أَن لَهَا نَهرا يتعطف تعطف الْحباب ويتشنف بدر الْحباب ويترشف مَاؤُهُ كالظلم من الأحباب والرضاب وَعَلِيهِ نواعير تشابه الأفلاك فِي مدارها واستدارها والفلك فِي بحارهاوبخارها إِذْ فِي هَذِه أضلعٌ كَثِيرَة كَمَا فِي جنبات تِلْكَ من الضلوع ولهذه صواري عديدةٌ كَذَلِك إِلَّا أَنَّهَا بِغَيْر قلوع وَمن عجائبها أَنَّهَا تحن حنين العشاق وتئن للوعة الْفِرَاق وتبكي على بعدٍ من الحدائق بعدةٍ من الأحداق من الطَّوِيل

وَمَا ذكرت تِلْكَ النواعير دوحهاوَقد أقفرت فِي الأيك مِنْهَا ربوعها

رنت نَحْوهَا تبْكي الرياض عيونها المراض وفاضت فِي الْحِيَاض دموعها)

وأحنى عَلَيْهَا السقم حَتَّى بَدَت لنامن الوجد قد كَادَت تعد ضلوعها

فَللَّه بلدةٌ هَذِه بعض محاسنها وَقد أوجزت فِي أوصافها وأضربت عَن ذكر مساكنها إِذْ عجزت عَن إنصافها وَحين أعياني الْكَلَام المنثور عدلت إِلَى المنظوم ووصفتها ثَانِيًا بِمَا استطردت فِيهَا بمدح مَوْلَانَا المخدوم وَلَو لم يرد عَليّ من الْمقَام الْفُلَانِيّ مقامة وَكَانَ خاطري مشتتاً فَحل مِنْهَا بدار إِقَامَة لما فتحت فِي وصفهَا دَوَاة وَلَا فَمَا وَلَا أجريت لِسَانا وَلَا قَلما لَكِن تعلمت مِنْهَا علم الْبَيَان وسحبت أذيال التيه على سحبان وَلَقَد قلبت مِنْهَا بردا محرراً ووشياً مرقوماً وعاينت الدّرّ من لَفظهَا منثوراً وَمن حظها منظوماً وَكَانَ لَفظهَا أعذب الْقُلُوب من الْغَمَام وسجعها أطيب فِي الأسماع من سجع الْحمام وَكنت عزمت حَالَة وصولها على الاستمداد مِنْهَا والاستعداد للإجابة عَنْهَا فَرَجَعت أدراجي الْقَهْقَرِي وَقلت حبس البضاعة أولى من تَخْيِير المُشْتَرِي فَلَمَّا قرب أمد المزار وبرح الشوق حِين دنت الديار من الديار رَأَيْت ذَلِك تقصيراً فِي الْخدمَة وإخلالاً وَإِن كَانَ ذَلِك فِي الْحَقِيقَة تَعْظِيمًا وإجلالاً ز فأجلت فِي ذَلِك خاطراً وجلاً وصرفت إِلَى هَذَا الْوَجْه وَجها خجلاً وعَلى أَن الْمَمْلُوك لَو رزق التَّوْفِيق لما جرى مَعَ مَوْلَانَا فِي هَذِه الطَّرِيق وَلم يزل الْمَمْلُوك ينشد قبل وُرُود ركابه الشريف عَسى وَطن يدنو بهم ولعلما فَلَمَّا دنا الوطن جعلت أهم بشيءٍ والليالي كَأَنَّمَا والمملوك قد أصبح من جملَة عبيد مَوْلَانَا وخدمه ويرجو من صدقاته الشَّرِيفَة أَن لَا يقطع عَنهُ مَا عوده من بره الْمَشْفُوع بصلته العائدة والمملوك يواصل خدمته مَعَ أَن سيدنَا أدام الله تَعَالَى لَهُ السعد قد علم ندب الشَّارِع إِلَى مُكَاتبَة العَبْد وَقد قصد أَولا أَن يرْتَفع بابتداء مُكَاتبَته وَثَانِيا بِخَبَر مجاوبته وَالله تَعَالَى يحرس محاسنه الَّتِي هِيَ فِي فَم الدَّهْر ابتسام ويديم مننه الَّتِي هِيَ الأطواق وَالنَّاس الْحمام تمت

وَكتب رِسَالَة مَعَ مدادٍ وأهداها إِلَى جماعةٍ من الْكتاب فِي الْأَيَّام المعزية الأقدار أَطَالَ الله بَقَاء الموَالِي السَّادة وَلَا زَالَت سَمَاء الدولة محروسةً بشهبُ أقلامهم ومواسم السَّعَادَة مختالةً بشريف أيامهم ونحور العلياء منتزينةً بتنضيد نظامهم ورياض البلاغة معلمة الْأَطْرَاف والبرود بِمَا تحوكه غمائمهم إِذا غَدَتْ رفيعة الهضاب وأضحت فِي أَعلَى سمك السماك مَضْرُوبَة القباب وأحنى منال الشَّمْس دون منالها وَعظم توهم إِدْرَاكهَا حَتَّى أمست وَلَا الْحلم يجود بهَا وَلَا بمثالها استحقر فِي جَانب شرفها كل جليل واستدر بجودها كل شيءٍ جزيل واستقلت الرياض أَن تهدي إِلَى جنابها زهراً والسحائب أَن ترسل إِلَى بحرها قطراً والفلك)

الدائر أَن يخدمها بنجومه والشذا العاطر أَن يكاثر عرف أوصافها بنسيمه والنهارأن يمنح أَيَّامهَا رقة أصائله وبكره وَاللَّيْل أَن يقدم بَين يَدي مساعيها حمد مسراه ونسمة سحره والبدر أَن يلبس حلَّة السرَار ويكسوها حلل تَمَامه والجفن الساهر أَن يصبر على مُفَارقَة الطيف ويحبوها لذيذ مَنَامه واستحى كل فَوقف موقف الإجلال وانْتهى من التبجيل إِلَى حد كَاد يبلغ بِهِ

النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف الْعين

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.