من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
ابْن الْفرس الْمَالِكِي
عبد الْمُنعم بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحِيم بن أَحْمد الخزرجي القَاضِي الْمَعْرُوف بِابْن الْفرس الْمَالِكِي الغرناطي سمع أَبَاهُ وجده أَبَا الْقَاسِم وتفقه فِي كتب أصُول الدّين وَالْفِقْه وبرع وَألف كتابا فِي أَحْكَام الْقُرْآن من أحسن مَا وضع فِي ذَلِك
واضطرب قبل مَوته بِقَلِيل وَكسر النَّاس نعشه لما مَاتَ سنة سبع وَتِسْعين وَخمْس ماية
وَمن شعره من قصيدة
بعثوا بِرَأْس العلج عَنهُ مخبرايَا من رأى مَيتا يَقُول ويخبر
فسما بِهِ متن الْقَنَاة كواعظيسمو بِهِ بَين المعاشر مِنْبَر
وَكَأَنَّهُ قد أثمرته قناتهيَا من رأى غصناً بِرَأْس يُثمر
وَمِنْه قَوْله أَيْضا
أنظر إِلَى رَأس نأى عَن جسمهولرب نأي لَيْسَ فِيهِ تلاق
أضحى لَهُ سور الْمَدِينَة جثةمن غير رجل ظَاهر أَو سَاق
وَكَأن ذَاك السُّور مقْعد نزهةوَكَأَنَّهُ متشوف من طاق
قلت الثَّانِي مَأْخُوذ من قَول الأول
وَعَاد لكنه رَأس بِلَا جَسَدوَجَاء يسْعَى على سَاق بِلَا قدم
إِذا تراآى على الخطي أَسْفر فِيحَال العبوس لنا عَن ثغر مبتسم
وَمَا أحسن قَول أبي فراس وَقد عَاد سيف الدولة وَرَأس القرمطي بَين يَدَيْهِ على رمح
وأنقذ من ثقل الْحَدِيد ومسهأَبَا وَائِل والدهر أجدع صاغر
وآب وَرَأس القرمطي أَمَامهلَهُ جَسَد من أكعب الرمْح ضامر
)
وَمن شعر ابْن الْفرس وتروى لغيره
أأدعو فَلَا تلوي وَأَنت قريبوأشكو فَلَا تشكي وَأَنت طَبِيب
فَهَل شيب من تِلْكَ المصافاة مشرعوهيل على ذَاك الإخاء كثيب
وَمِنْه فِي صدر رِسَالَة
مَا بالنا مُتَّهمًا ودناوَنحن فِي ودكم نقتبل
كأنكم مثل فَقِيه رأىأَن يتْرك الظَّاهِر للمحتمل
وَمِنْه فِي خُسُوف الْقَمَر
تلطع الْبَدْر لم يشْعر بناظرهحَتَّى اسْتَوَى وَرَأى النظار فاحتجبا
كالخود أَلْقَت رواق الخدر ناظرةثمَّ استردت حَيَاء فَوْقهَا الطنبا
قَالَ ابْن الْأَبَّار فِي تحفة القادم ولي فِي ذَلِك
ألم تَرَ للخسوف وَكَيف أودىببدر التم لماع الضياء
كمرآة جلاها الصقل حَتَّىأنارت ثمَّ ردَّتْ فِي غشاء
وَقَالَ ولي فِيهِ أَيْضا بعكس الْمَعْنى وإبقاء التَّشْبِيه
تناولت الْمرْآة وَهِي صقيلةتَأمل وَجها دونه ذَلِك الصقل
فَلَمَّا تناولت أودعتها غشائهاوَقد حدث القرطاس واستمع الحجل
فشبهتها بَدْرًا علاهُ خسوفهفأظلم مِنْهُ مَا أنار لَهُ قبل
وَمن شعر ابْن الْفرس فِي تفاحة
وتفاحة يهدي إِلَيْك نسيمهافَمَا شِئْت من طيب ينم لناشق
تروقك مِنْهَا خمرة فَوق صفرَةكوجنة معشوق على خد عاشق
وَمن شعره فِي نارنجة وسط نهر
ونارنجة فِي النَّهر تحسب أَنَّهَاشرارة جمر فِي الرماد تلوح
وَمَا هُوَ إِلَّا الرَّوْض أبدى شَقِيقَةيهدهدها غُصْن هُنَاكَ مروح
أَو الدرْع تضفو فَوق أعطاف فَارسغَدا فِي رحى الهيجاء وَهُوَ جريح
تغيب وتبدو مرّة فَكَأَنَّهَاعقيقة برق فِي الخبي تلوح
كَأَن حباب المَاء يكتم سرهاوَقد جعلت تَفْشُو بِهِ وتبوح
)
وَقَالَ ابْن الْفرس هَذِه الأبيات بِجَزِيرَة شقر وَفِي نهرها أبْصر تِلْكَ النارنجة وجاراه فِيهَا جمَاعَة مِنْهُم أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن فتحون المَخْزُومِي فَقَالَ
وَلَقَد رميت مَعَ الْعشي بنظرةفِي منظر غض البشاشة يبهج
نهر صقيل كالحسام كَأَنَّهُروض لنا نفحاته تتأرج
تثني معاطفه الصِّبَا فِي بردةموشية بيد الغمامة تنسج
وَالْمَاء فَوق صفائه نارنجةتطفو بِهِ وعبابه يتموج
حَمْرَاء قانية الْأَدِيم كَأَنَّهَاوسط المجرة كَوْكَب يتوهج
وَقَالَ أَبُو المطراف ابْن أبي بكر بن سُفْيَان المَخْزُومِي فِي ذَلِك
ومنظر قد راقني حسنهمن أَزْرَق ينساب كالأرقم
أبصرته يحمل نارنجةطافية حَمْرَاء كالعندم
ودرجت ريح الصِّبَا مَتنهلما انبرت وَهِي بهَا ترنمي
فخلته مهنداً مُصْلِتًاهز وَفِيه قَطْرَة من دم
وَقَالَ مُحَمَّد بن إِدْرِيس الْمَعْرُوف بِابْن مرج كحل
وَعَشِيَّة كَانَت قنيصة فتيةألفوا من الْأَدَب الصَّرِيح شُيُوخًا
وكأنما العنقاء قد نصبوا لَهَامن الانحناء إِلَى الْوُقُوع فخوخا
شملتهم آدابهم فتجاذبواسر السرُور مُحدثا ومصيخا
وَالْوَرق تقرا سُورَة الطَّرب الَّتِيينسبك مِنْهَا نَاسخ مَنْسُوخا
وَالنّهر قد طمحت بِهِ نارنجةفَتَيَمَّمت من كُنَّا فِيهِ منيخا
فتخالهم خلل السَّمَاء كواكباًقد فَارَقت بسعودها المريخا
خرق العوائد فِي السرُور نهارهمفَجعلت أبياتي لَهُ تَارِيخا
وَقَالَ عبد الْمُنعم ابْن الْفرس أَيْضا
ونارنجة تحمر فِي النَّهر مِثْلَمَاتوقد نجم فِي المجرة سابح
قلت قَول ابْن الْمطرف المَخْزُومِي أحسن أَقْوَال الْجَمَاعَة وأوقعها فِي النَّفس لَا سِيمَا وَقد تمم الْمَعْنى بقوله هز إِلَّا أَنه لَو قَالَ فخلته سَيْفا غَدا مُصْلِتًا لَكَانَ أعذب وارشق وَأما ابْن مرج الْكحل فَإِنَّهُ أضاع الزَّمَان وَقصر فِي التَّشْبِيه)
وَمن شعر ابْن الْفرس
أنظر إِلَى حَضْرَة فِي الزَّرْع قارنهامبيض نور ومصفر وأحمره
كَثوب وشي أجادته صوائغهوَالرِّيح تطويه طوراً ثمَّ تنشره
أخامات زرع أم بحور تلاعبتبأمواجها أَيدي الرِّيَاح النواسم
ترَاهَا أَمَام الرّيح وَهِي تسوقهاكجيش زنوج فر قُدَّام هازم
قلت أحسن مِنْهُ وأرشق قَول القَاضِي عِيَاض
أنظر إِلَى الزَّرْع وخاماتهتحكي وَقد ولت أَمَام الرّيح
كَتِيبَة خضراء مهزومةشقائق النُّعْمَان فِيهَا جراح
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع