من «خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)
حرف الْمِيم (٣٣)
الصفحة ٢ من ٢
مَحْمُود قاضى الْقُضَاة بِدِمَشْق وَليهَا فى غرَّة رَجَب سنة سِتّ وَتِسْعين وَألف بعد أَن كَانَ ولى قبلهَا قَضَاء ينكى شهر وَدخل دمشق فى عَاشر رَجَب وَكَانَ مَشْهُورا بِالْفَضْلِ فى الرّوم وأعرفه وَهُوَ يشار اليه بَينهم فى التجول بالمناظرات الا أَنه عِنْد قَدمته الى الشَّام رَأَيْته قد اخْتَلَط وتعاورت جِسْمه أمراض مهولة ضَاقَتْ بِسَبَبِهَا حظيرته وَكَانَ مُشَوه الْخلقَة بذى اللِّسَان قَلِيل التَّدْبِير وَلَيْسَ عِنْده شئ بممتنع بل مهما خطر فى باله وَلَو كَانَ مستحيلا عَادَة كَانَ عِنْده سهلا حكى لى بعض الاخوان انه تشاجر هُوَ وَابْن زَوجته فَتَرَافَعَا اليه وَمُرَاد الحاكى أَن يعتزل هُوَ وَزَوجته عَن ابْن الزَّوْجَة لبيت مُسْتَقل اذ الْبَيْت الذى يسكنونه بَيت ابْن الزَّوْجَة فَلَمَّا قصا على القاضى قَالَ للرجل أَيْن تسكن فَقَالَ فى بَيت هَذَا يعْنى ابْن زَوجته فَقَالَ وَمن يصرف على الْبَيْت قَالَ أَنا قَالَ اذا أَنْت صَاحب الْبَيْت وَذَا لَاحق فِيهِ وَأمره باخراجه من الْبَيْت وَجرى فى زَمَانه أَن شخصا من الْجند الشَّام سبّ شريفا وأحضر لَدَيْهِ وَادّعى عَلَيْهِ بِمحضر عَام من الْعلمَاء والعسكر أَنه سبّ الشريف وتجاوزه الى آبَائِهِ وَحصل فى الْقَضِيَّة أغراض فَاسِدَة نشأت عَن تهور صَاحب التَّرْجَمَة وَعدم تدبره وَأدّى أمره الى أَن عرض فى أنَاس من متعينى الْجند وحبسوا فى قلعة دمشق مُدَّة الى أَن ورد أَمر باطلاقهم وَلم يحكم فى الْقَضِيَّة بشئ وَكَانَت هَذِه الْقَضِيَّة مبدأ ظُهُور
الْجند الشامى وتحزبهم وَلم يزل جاشه يقوى شَيْئا فَشَيْئًا الى أَن بدر مِنْهُم ممانعة حَمْزَة باشا ومصادمته كَمَا ذَكرْنَاهُ مفصلا فى تَرْجَمَة صَالح بن عبد النبى بن صَدَقَة ثمَّ عزل صَاحب التَّرْجَمَة عَن الْقَضَاء فى أثر الْقِصَّة وسافر الى الرّوم فَلم تطل مُدَّة حَيَاته بهَا وَتوفى سنة سبع وَتِسْعين وَألف بقسطنطينية وَالله أعلم
محبى الدّين بن خير الدّين بن أَحْمد بن نور الدّين بن على بن زين الدّين بن عبد الْوَهَّاب الايوبى العليمى الفاروقى الرملى الْفَقِيه الحنفى الْعَالم بن الْعَالم وَقد تقدم أَبوهُ شيخ الْحَنَفِيَّة وبركة الشَّام فى عصره ومحيى الدّين هَذَا ولد بالرملة وَبهَا نَشأ وَقَرَأَ على وَالِده وعَلى الشَّيْخ أَبى الوفا بن مُوسَى القبى الحنفى وَالشَّيْخ ابراهيم الشلبى الحنفى الرمليين وَأخذ الْفَرَائِض والحساب عَن الشَّيْخ زين العابدين المصرى الفرضى النحوى شَارِح الرحبية قدم عَلَيْهِم الرملة فى حُدُود سنة خمس وَأَرْبَعين وَألف فأنزله وَالِده عِنْده لاجل اقراء وَالِده وَمكث عِنْدهم نَحْو سنتَيْن ثمَّ توجه الى مصر وَأَجَازَهُ وَالِده بالافتاء فَأفْتى فى حَيَاته وَكَانَ أعجوبة الزَّمَان فى كشف الْمسَائِل من مظانها عَلامَة فى الْفَرَائِض والحساب حَتَّى ان غَالب فَتَاوَى وَالِده فى الْفَرَائِض كَانَ هُوَ الذى يقسمها وغالب كتب وَالِده كَانَت تَحْصِيله إِمَّا بالاستكتاب واما بِالشِّرَاءِ وَكَانَ يعجب وَالِده اجْتِهَاده فى تحصليها وَكَانَ متصرفا فى دنيا وَالِده تَصرفا حسنا حَتَّى انه جدد أملاكا وتجملات كَثِيرَة وَكَانَ يحب اكرام من يقدم على وَالِده وَكَانَ حسن الْخلق والخلق كريم الطَّبْع وقورا عالى الهمة سامى الْقدر دينا خيرا أخبرنى صاحبنا الْفَاضِل المؤرخ ابراهيم الجنينى أَن مولده فى نَيف وَعشْرين وَألف وَتوفى نَهَار الاربعاء حادى عشر ذى الْحجَّة سنة احدى وَسبعين وَألف فى حَيَاة وَالِده وأسف عَلَيْهِ أسفا عَظِيما وَبعد مَوته تكدر عيشه وَذهب رونق حَيَاته وَله فِيهِ مَرَّات وأشعار كَثِيرَة رحمهمَا الله
محيى الدّين بن ولى الدّين بن الْمسند جمال الدّين يُوسُف بن شيخ الاسلام زَكَرِيَّا بن مُحَمَّد بن أَحْمد الانصارى الشافعى السنيكى الاصل المصرى المولد والمنشا والوفاة الْفَقِيه الْمُحدث كَانَ من كبار عُلَمَاء عصره لَهُ الِاعْتِبَار الزَّائِد والصيت الشَّائِع تهابه الْعلمَاء وتحترم ساحته الكبراء أَخذ عَن جده شيخ الْمُحدثين الشَّيْخ جمال الدّين وجده يرْوى عَن وَالِده قاضى الْقُضَاة صَاحب التصانيف الْمَشْهُورَة وَجلسَ مجْلِس التدريس فدرس فى كل علم نَفِيس وروى عَنهُ أجلاء الْعلمَاء مِنْهُم الْعَلامَة النُّور عَليّ
الشبراملسى وَالشَّيْخ أَحْمد العجمى الشافعى وَولد صَاحب التَّرْجَمَة الْعَلامَة زين العابدين وحفيده الشَّيْخ شرف الدّين الْمُقدم ذكرهمَا وَكَانَت وَفَاته فى شعْبَان سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وَألف عَن سبع وَثَمَانِينَ سنة رَحمَه الله تَعَالَى
مَدين بن عبد الرَّحْمَن القوصونى المصرى الطَّبِيب رَئِيس الاطباء بِمصْر الْفَاضِل الاديب المؤرخ أَخذ الْعُلُوم عَن الشهَاب أَحْمد بن مُحَمَّد المتبولى الشافعى وَعَن الشَّيْخ عبد الْوَاحِد البرجى والطب والطلب عَن الشَّيْخ دَاوُد ولى مشيخة الطِّبّ بِمصْر بعد السرى أَحْمد الشهير بِابْن الصَّائِغ وَألف التآليف النافعة مِنْهَا كتاب ريحَان الالباب وريعان الشَّبَاب فى مَرَاتِب الْآدَاب والتاريخ الذى نقل عَنهُ وَكتاب قَامُوس الاطباء فى الْمُفْردَات وَله غير ذَلِك وَذكره الخفاجى فى الخبايا وَقَالَ فى تَرْجَمته هُوَ فَاضل كَانَ سميرى فى نَادَى الطّلب فكم نافثته فى ابان الِاشْتِغَال بِالطَّلَبِ والادب فَكَانَت بينى وَبَينه عشرَة لم نخرج لَهَا من القشره أعد كل يَوْم مِنْهَا غرَّة وَجه الزَّمَان وعيدا تهاداه الايام على رغم النيروز والمهرجان والعمر طرير مَا بَين رَوْضَة وغدير وَهُوَ اذا ضمخ كافور قرطاسه بمسك مداده وأنفاسه أنكر الْمسك دارين وخطا وَغدا انتسابه لواه خطا فكم فاح مِنْهُ عنبر البراعه وقطرت مياه الفصاحة من ميزاب اليراعه وفى عودتى لمصر عرض على كتابا جَلِيلًا لَهُ سَمَّاهُ قَامُوس الاطبا وسألنى أَن أقرظ عَلَيْهِ فَكتبت عَلَيْهِ مَا هَذَا صورته مَا طرزت حلل الثنا ووشيت رياض البلاغة بثمرات غضة الجنا الا لتَكون لباسا الابكار المحامد ومرتعا لافكار شَاكر وحامد فَالْحَمْد للْمولى على مَا أنعم من اللغاة وَالْبَيَان وأنعم بتلقينها الاطفال والارواح فى مكَاتب الابدان وألهمها اسْتِخْرَاج دُرَر الْمعَانى من أصداف الْحُرُوف لننظم مِنْهَا فى الصُّدُور ونعلق فى الآذان أبهى عُقُود وشنوف وأزكى صَلَاة وَسَلام على أفْصح من نطل بالضاد فروى من عين فَصَاحَته كل صَاد وشفى بطب هدايته مَرِيض كل قلب قلب وَهدى بمفردات حكمته كل ذى جهل مركب وعَلى آله وَأَصْحَابه مَدَائِن الْعلم وَالْحكم ورؤساء أطباء الابدان والاديان من سَائِر الامم لَا سِيمَا الاربعة الَّذين ترياقهم الْعَتِيق وفاروقهم حَافظ صِحَة مزاج الدّين بِكُل ماضى الشفرتين رَقِيق مَا دَامَت الدُّنْيَا دَار الشفا وَصَحَّ مزاج الدَّهْر من الاعراض واشتفى هَذَا وان أخى شَقِيق الرّوح وَقُوَّة الْعين وصفوة الْحَيَاة وَمن محبته على فرض عين لما أتحفنى
فى قدومى للقاهرة بكتابه قَامُوس الاطباء وجدته الدرة الفاخرة وَالرَّوْضَة الَّتِي تفتحت فِيهَا عُيُون أنواره الزهية الزاهرة ظنا مِنْهُ أَنى شُعَيْب مدينته وَمَا أَنا الا سلمَان بَيته بل أشعب مَوَائِد كرمه ومنته فاذا هُوَ برد محبر وَعقد كُله جَوْهَر وَكتاب جَمِيعه مُفْرَدَات ولغة لَو رَآهَا الجوهرى قَالَ هَيْهَات العقيق هَيْهَات أَو الْخَلِيل بِعَيْنِه فدَاه بِعَيْنِه أَو جَار الله لقَالَ هَذَا هُوَ الْفَائِق أَو ابْن البيطار لود لَو طابقه كِتَابه مُطَابقَة النَّعْل بالنعلم لما فِيهِ من الدقائق أَو صَاحب الْقَامُوس لقَالَ هَذَا هُوَ الْمجد الذى ارْتقى ذرْوَة الْعَرَبيَّة مَا بَين تهَامَة ونجد فَللَّه در مُصَنفه فقد أرانا فى الرِّجَال بقايا وفى الزوايا خبايا وأنار فكرة ظلمَة الْجَهْل وَقد وَقد وروى ظمآن الْفِكر فِيمَا ورد ورد وحقق مَا قيل من دق الْبَاب ولج ولج وَمن جد وجد وَقلت فِيهِ ارتجالا
دهر يجود بِمثلِهِأنعم بِهِ دهرا وفى
(روى بكاس علومه ... وختامه مسك وفى أنْتَهى وَلَقَد سعيت جهدي فِي تَحْصِيل وَفَاة صَاحب التَّرْجَمَة فَلم أظفر لَكِن غَايَة مَا حققت من خَبره أَنه كَانَ فى سنة أَربع وَأَرْبَعين وَألف مَوْجُودا فى الاحياء كَمَا يعلم ذَلِك من تَارِيخه الذى وَضعه وَالله اعْلَم
مُرَاد بن ابراهيم الْمَعْرُوف بن الشريطى الدِّمَشْقِي الدفترى الرئيس النبيه اللوذعى الْكَامِل أحد الافراد فى المعارف وَحسن الْخط وبداعة الاسلوب فى الْمُنْشَآت والرقم وَكَانَ شهما حاذقا صائب الرأى وَالتَّدْبِير سما بِهِ حَظه من حِين نشأته فخالط الْكِبَار وتمهر فى أفانين الْكِتَابَة وسافر الى الرّوم وَولى كِتَابَة الْجند بِالشَّام وازداد على توالى الايام رونقا واشتهارا ثمَّ ولى الدفتر بِدِمَشْق وَعظم صيته واتسعت دائرته وتملك دَار سِنَان باشا الْوَزير ابْن جغال قرب الْجَامِع من نَاحيَة سوق السِّلَاح فى سنة خمس وَأَرْبَعين وَألف وجدد فِيهَا عمارات وأتقنها غَايَة الاتقان وفيهَا يَقُول أَبُو بكر الْعُمْرَى شيخ الادب
ان دَارا أَحييت مِنْهَا رسوماأخلقتها أيدى الزَّمَان العوادى
(ومغان كسوتها حلل الْمجد فَقَامَتْ تختال فَوق المهاد ...)
أذكرتنا عهد الْجنان وَأَنتمَا حكوه من وصف ذَات الْعِمَاد
هى دَار العلى وَبَيت المعالىومقام السُّعُود والاسعاد
وَلها الْجَامِع الْمُعظم جَارنعم جَار الرِّضَا الْيَوْم الْمعَاد
صانها الله رَبنَا وحماهاووقاها من أعين الحساد
لذبها مَا اسْتَطَعْت صَاح وأرخفهى بَيت مبارك لمراد
وَقَالَ يمدحه ويهنئه بِالدَّار الْمَذْكُورَة بِهَذِهِ القصيدة وهى من أَجود شعره ومطلعها قَوْله
رويدا فَمَا ظهر المطى حَدِيدوَلَا منزل الاحباب عَنْك بعيد
ومهلا فَمَا سوق الركائب مطفئلهيب ضرام الشوق وَهُوَ شَدِيد
ورفقا بِهَذَا الْقلب كم يحمل الجوىعلى أَنه دون الْقُلُوب عميد
تَقول زرود يَا أَخا الوجد بغيتىصدقت وَلَكِن أَيْن مِنْك زرود
وان المغانى لَا يُفِيد ادكارهاوَهل دون وصل القاطعين يُفِيد
بلَى تَنْفَع الذكرى اذا طمع الحشاوَقد ساعدته فى الدنو وعود
وبالكلة الْحَمْرَاء حوراء لَو جلتعلى الْبَدْر وَجها قابلته سعود
وان خطرت فى الرَّوْض وَالرَّوْض حافللعَلِمت الاغصان كَيفَ تميد
وَلَو نفثت فى الْبَحْر وَالْبَحْر مالحلحلاه در الثغر وَهُوَ نضيد
وأغيد لَوْلَا وَجهه وقوامهلما ذكرت يَوْم التنافر غيد
(من التّرْك معسول المراشف لين المعاطف حَبل الشّعْر مِنْهُ مديد ...)
لواحظه تحمى موارد ثغرهفَمَا لصد نَحْو الرضاب وُرُود
ضنين باهداء السَّلَام وردهعلى أَن بعض الباخلين يجود
وَرب صديق صَادِق قد بثتتهشجونا لَهَا بَين الضلوع وقود
فأوسعنى عتبا وَقَالَ لى اتئدفَمَا الرأى فى وصف الحسان سديد
أتطلب من بعد الثَّمَانِينَ صبوةوَهل يتَغَنَّى بالملاح رشيد
فَقلت لَهُ اكفف فالنسيب مقدمعلى كل مدح طَابَ مِنْهُ نشيد
وان ارتجال الشّعْر فى الْمَدْح مَذْهَبمحاسنه والذائقون شُهُود
فَقَالَ وَمن ترجوه فى الجاه والغنىفَقلت لَهُ وَالْحق فِيهِ شَهِيد
أغير مُرَاد الدفترى يَلِيق أَنيساق اليه فى دمشق قصيد
وَهل ينظم الشّعْر البديع لماجدسواهُ معَاذ الله ذَاك بعيد
أَمِير المعالى والمعانى خدينهالَهُ من وُفُود المعتفين جنود
كريم الْمحيا باسط الْكَفّ بالندىاذا شحت الانواء فَهُوَ يجود
تَطوف بَنو الآمال سعيا بِبَابِهِفتبلغ مَا قد أملت وتعود
تصدق يمناه وَلم تدر أُخْتهَاويسراه يسر وهى مِنْهُ تفِيد
ضحوك الثنايا باسم الثغر بشرهيبشر بالجدوى وَفِيه مزِيد
مِنْهَا
يمزق أَمْوَالًا حوتها يَمِينهوَعَن بَيت مَال الْمُسلمين يذود
مِنْهَا
كسانى وأولانى الْجَمِيل ببرهوَمَا بره الالهى ونقود
وحقق تجدنى فى ثِيَاب سخائهوَهل أَنا الا أعظم وجلود
فيا أيهذا السَّيِّد الْجيد الذىترَاهُ على رغم حسود يسود
اليك بهَا من منطقى عمريةتهادى على أترابها وتميد
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع