من «أدب الكاتب» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)
باب شواذ التصريف
قال الفراء وغيره: العربُ إذا ضمت حرفاً إلى حرف فربما أجْرَوْهُ على بِنْيَتِه، ولو أُفْرِدَ لتركوه على جهته الأولى؛ من ذلك قولهم: " إنِّي لآتيه بالعَشَايَا والغَدَايا " فجمعوا الغَدَاة غَدَايا لمَّا ضمت إلى العَشَايا وأنشد:
هَتَّاكُ أَخْبِيةٍ وَلاَّجُ أَبْوِبَةٍيَخْلِطُ بالجِدِّ منهُ البِرَّ واللِّينا
فجمع الباب " أَبْوِبَةً " إذ كان مُتْبَعاً لأخْبِيَة، ولو أفرد لم يجز وقال آخر:
أزْمانَ عَيْناءُ سُرورُ المَسْرورْعَيْناءُ حَوْراءُ منَ العينِ الحِيرُ
فقال " الحِير " إذ كان بعدَ " العِين ".
قال الفراء: وأرى قولهم في الحديث: " ارْجِعْنَ مَأْزوراتٍ غيرَ
مَأْجُوراتٍ " من هذا، ولو أفردوا لقالوا " مَوْزُورات ".
وقالوا: أرض " مَسْنِيَّةٌ " منْ " يَسْنُوها المطر " والقياس: مَسْنُوَّةٌ، وقال الشاعر:
ما أنا بالجافي ولا المَجْفِيّ
قال الفرّاء: بَنَاه على جُفِيَ.
وقال الآخر:
أنا اللَّيْث مَعْدِيّاً عليهِ وعَادِيا
قالوا: بَناه على عُدِيَ عليه.
وقالوا: " العَلْيَاء " والأصل العَلْوَاءُ؛ لأنه من الواو، ألا ترى أنك تقول: " عَشْوَاء " و " قَنْوَاء " و " سَفْوَاء " فإن كانت من الياء قُلْتَها بالياء، مثل: " ضَمْيَاء " و " عَمْيَاء " تَرُدُّ إلى الواو ما كانت أصْلَهُ، وإلى الياء ما كانت أصلَهُ.
قال الخليل: إنما قالوا " عَلْيَاء " لأنه لا ذَكَرَ لها، فأرادوا أن يفرقوا بين ماله ذكَرٌ وبين ما ليس له ذَكَر.
قال الفرّاء: قد جاءت حروف على " فَعْلاء " لا ذَكَرَ لها بالواو،
وقالوا: " اللأْوَاء " و " الحَلْوَاء "، ولكنهم بنوه على عَلِيتُ، وهما لغتان عَلَوْتُ وعَلِيتُ، والياء في عَلِيتُ أصلُها الواو قلبت ياء لكسرة ما قبلها.
وقالوا: " فُلانٌ مَرْضيٌّ المذهَبِ " والأصل: " مَرْضُوّ " لأنه من الرِّضْوَانِ فبني على " رَضِيت ".
وقالوا في جمع أبْيَضَ " بيضُ " والقياس " بُوضُ " مثل حُمْرٍ وسُودٍ.
وقالوا في جمع قَوْس " قِسِيّ " والأصل " قُوُوسٌ ".
وقالوا في جمع حَاجَةٍ " حَوَائج " على غير قياس، و " أَنْيُقُ " والأصل: أنْوُقُ.
وقالوا " مِذْرَوان " والأصل " مِذْرَيَان " وهما فَرْعا كل شيء، جاء بالواو؛ لأنه بني مثنى ولم يأت له واحد فيثنى عليه، وكذلك قولهم عَقَلَه " بِثِنَايَيْنِ " والأصل " بِثِناءَيْن " كما تقول كِسَاءَين ورِدَاءَين، وإنما جاء بغير همز لأنه بني مثنى، ولم يقولوا " ثِنَاء " فيُثَنَّى عليه.
قال الفرّاء: وإنما قالوا " هوَ أَلْيَطُ بقلبي منك " بالياء وأصله الواو ليفرقوا بينه وبين المعنى الآخر.
قال: ومثله قولهم " رجل نَشْيَان للأخَبْار " وهو من " نَشِيتُ الخبَرَ " وأصل الياء في نشيت واو، فقلبت ياء للكسرة، فقالوا بالياء ليفرقوا بينه وبين " نَشْوَان " من السكر.
وجمعوا العيد " أَعْيَاداً " وأصله الواو؛ كراهية أن يوافق جمع العُود.
قال: وأهل الحجاز يقولون " القُصْوَى " بالواو، والقياس " القُصْيَا " بالياء مثل العُلْيَا، وهو من علَوت، والدُّنْيا وهو من دَنَوْتُ، وهذا نادر خَرَجَ على الأصل وروي عنهم " خُذِ الحَلْوَى أَعْطِه المُرَّى ".
وقال الفرّاء: ومن البلاد " حُزْوى " بالواو، ومن الشاذ قولهم " حَلَّ حِبْيَتَهُ " وأصلها بالواو، وقد قالوا " حُبْوَتَهُ " أيضاً؛ قال: وإنما غيَّروا واوها لأن الفعل يأتي منها بالزيادة، يقال: احْتَبَيْتُ، ولا يقال: حَبَوْتُ؛ فلذلك غيرت، كما قالوا " رَجُلٌ غَدْيانٌ " بالياء.
قال الفراء: وإنما بنوا " العُلْيَا " و " الدُّنْيا " بالياء - وأصلهما الواو - على ذكرهما، فكان الذَّكَرُ من هذا النوع يكون للأُنْثَى، والذكر يقال " هوَ أَعْلَى مِنْك " و " هيَ أَعْلَى مِنْك " وكان أعلى قد انتقلت واوه إلى الياء؛
لأنه لو ثني لقيل: الأَعْلَيَان.
وقال الفراء: قولهم " أُخْوَةٌ " بالضم غلط أو خطأ، وإنما هو مثل: غِلْمَةٍ وجِلَّةٍ وغِزْلَةٍ، فضمُّوا أوله تشبيهاً بكُسْوَةٍ ورُشْوَةٍ.
قال: و " التِّبْيَانُ " جاء مكسور الأول وهو مصدر بَيَّنْتُ تَبْيِيناً وتَبْيَاناً، مثل: كَرَّرْتُه تَكْرِيراً وتَكْرَاراً، ولا يكون في الكلام التِّفْعالُ إلا اسماً موضوعاً، مثل " التِّمْثال " و " التِّقْصَار " و " التِّلْقاء " وموضع يقال له " التِّرْبَاع " وموضع آخر يقال له " تِبْرَاك ".
قال: وإنما شبهوا التِّبْيَان بالعِصْيَان والنِّسْيَان.
وقال البصريون: كل اسم جاء على " التَّفْعَال " فهو مفتوح التاء، نحو: " التَّهْيَام " و " التَّهْذَار " و " التَّلْعَاب " و " التَّرْدَاد " و " التَّجْوَال " و " التَّسْيَار " و " التَّقْتَال " و " التَّصْعَاق " في الصَّعْق إلا حرفين، فإنهما جاءا بكسر التاء، قالوا " التِّبْيَان " و " التِّلْقَاء " بمعنى اللقاء، وأنشد:
أمَّلْتُ خَيْرَكِ هلْ تَأْتي مَواعِدُهُفاليومَ قَصَّرَ عنْ تِلْقائِكِ الأمَلُ
قال: قولهم: بَنَى يَبْنِي بُنْياناً - بالضم - أصله الكسرة مثل العِصْيَان والغِشْيَان، وكذلك مصادر هذا الباب، قال: وسمعت " الطُّغْيَان والطِّغْيَان "، و " الغُنْيَان والغِنْيَان " والكسر أحب إليه.
قال: ومما بنى مفعوله على فُعِلَ ولم يأت على الأصل قول الشاعر:
مُكْتَئِبِ اللَّوْنِ مَرِيحٍ مَمْطُورْ
أراد " مَرُوحٍ "، وقال الآخر:
وماءُ قُدُورٍ في القِصَاعِ مَشِيبُ
يريد " مَشُوب " فبناه على شِيبَ.
قالوا: وأكثر ما يأتي على هذا المنقولُ عن الواو إلى الياء، قال الفرّاء: وأنشدني الكسائي فيما جاء بالواو:
ويأْوي إلى زُغْبٍ مَساكينَ دونَهُمْفلاً لا تخطّاهُ الرِّفاقُ مَهُوبُ
قال: بناه على قول من قال " قد هُوب الرجل ".
قال الفرّاء: وقولهم " العُصِيّ " و " الحُقِيّ " بالياء؛ لأنهم يجتمعون ما بين الثلاثة منه إلى العشر بالياء، فيقال " ثَلاثُ أَدْلٍ " و " عَشْرَة أَحْقٍ " و " عَشْرُ أَعْصٍ " فبنوا الكثير على ذلك.
قال: وقولهم " الفُتُوَّة " بالواو وأصلها الياء، وهي مصدر من مصادر الياء شاذ حُمِلَ على مصادر الواو، وهو قولك " أبٌ بَيِّنُ الأبُوَّةِ " و " أخٌ بيِّنُ الأخُوَّةِ " و " رِخْوٌ بيِّنُ الرُّخُوَّة "، فلما حملت افتوة على مصادر الواو جعلت بالواو، كما حملت " الشَّرْوى " - وهو المِثْلُ - على الواو؛ إذ أشبهت مصادر الواو مثل دَعْوَى ونَجْوَى، قال: ثمَّ جمعوا الفتَى " فُتُوّاً " على ذلك بالواو، وكان القياس " فُتّى ".
قال: ولم نجد ياء بعدها واو غير مهموزة في الأسماء إلا في " يَوْم " قال: ولا يقال من يَوْمٍ فَعَلْت ولا يَفْعَلُ.
قال الفرّاء: ومن الشاذ قولهم للرَّجُل " حَيْوَة "، وللقطِّ " ضَيْوَن ".
وقال سيبويه: قالوا " أَرَقْتُ الماء " ثم أبدلوا من الهمزة هاء، فقالوا: " هَرَقْتُ الماء ".
وقال الفرّاء: والهمزة تبدل منها الهاء في أول الحرف كثيراً؛ قالوا " هِبْرِيَةٌ " وأصلها " إبْرِيَةٌ "، وقالوا " هَنَرْتُ " وأصله " أَنَرْتُ "، و " هَرَحْتُ " وأصله " أَرَحْتُ "، و " هَرَقْتُ " والأصل " أَرَقْتُ ".
قال سيبويه: ثم لزمت الهاء فصارت كأنها من نفس الحرف، ثم أدخلت الألف بعد على الهاء، وتركت الهاء عوضاً من حذفهم العين؛ لأن أصله أرْيَقْتُ، فقالوا: " أَهْرَقْتُ " ونظيره " أَسْطَعْتَ تُسْطِيع ".
قال الفرّاء: توهموا أن قولهم " أسْطَعْتُ " أفْعَلْتُ لأنه بوزنه.
وقال الأحمر: يقال " مَشِشَتِ الدَّابة " بإظهار التضعيف، ليس في
الكلام غيره. وزاد غيره يقال: " لَحِحَتْ عَيْنه " إذا التقصقت، و " ضَبِبَ البَلَد " إذا كثر ضِبَابه، و " أَلِلَ السِّقاء " إذا تغيَّرت ريحه، و " قَطِطَ شَعْرُهُ "، و " صَكِكَتِ الدَّابة " من الصَّكَكِ في القوائم.
وقالوا: " شَجَرَةٌ فَنْوَاء " أي: كثيرة الأفْنَان، والقياس فَنّاء.
قال سيبويه: ومما جاء على أصله:
وصالِياتٍ كَكَما يُؤَثْفَيْنْ
وهو من أثفيت، وقول الآخر:
كُراتُ غُلامٍ منْ كِساءٍ مُؤَرْنَبِ
قال الخليل: كان الأصل في مثل أَخْرَجَ يُخْرِجُ أن تثبت الهمزة في يُفْعِلُ وأخواتها؛ فحذفت استثقالاً لها، وجاء هذان الحرفان على الأصل.
قال الفرّاء: وإنما قالوا " يُهَرِيق " ففتحوا الهاء؛ لأنها أبدلت من همزة ولو كانت ظاهرة لكانت مفتوحة؛ لأنهم لو قالوا بالقياس في
" يُخْرِجُ " لكان " يُؤَخْرِجُ ".
قال الفرّاء: الميم تزاد في أول الحرف وآخره، ولا تزاد في وسطه؛ فأما ما زيدت فيه أولاً فَمَفْعَل ونحوه، وأما ما زيدت فيه آخراً " فَفَمٌ " و " اللَّهُمَّ " و " زُرْقُمٌ " و " سُتْهُمٌ " و " ابْنُمٌ ".
قال سيبويه: وكل ميم كانت في أول حرف فهي مزيدة، إلا ميم " مِعْزَى " فإنها من نفس الحرف؛ لأنك تقول مَعْزٌ، ولا كانت زائدة لقلت عَزًى، وميم " مَعَدّ " لأنك تقول تمعدد، و " تَمَفْعَلَ " قليل، قالوا من مسكين " تَمَسْكَنَ " وهو من التمسكن، و " تَمَدْرَع " وهو من المِدْرَعة.
وقال: والميم في " المَنْجَنيق " من نفس الحرف، وهو بمنزلة عنتريس، و " مَنْجَنُون " كذلك بمنزلة عَرْطَليل " وميم " مَأْجَج " وميم " مَهْدَد " من الحرف؛ لأنهما لو كانت زائدتين لأدغمت كَمَرَدّ ومَفَرّ، فإنما هما بمنزلة الدالين في قَرْدَد.
قال سيبويه: وكل همزة جاءت أولاً فهي مزيدة، في نحو " أحْمَرَ "
و " أَفْكَل " وأشباه ذلك؛ إلا " أَوْلَقاً " فإن الهمزة من نفس الحرف، ألا ترى أنك تقول " أُلِقَ الرَّجُل " قال: وهو فَوْعَل، و " أَرْطًى " لأنك تقول " أديمٌ مَأْرُوطٌ " ولو كانت الهمزة زائدة لقلت مَرْطِيّ.
قال سيبويه: و " إمَّرٌ " و " إمَّعٌ " الهمزة من نفس الحرف؛ لأن إفْعَلاً لا يكون وصفاً، وإنَّما هو فِعَّل، و " إلَّقٌ " من التألّق، كذلك هو مثل " هِيَّخ ".
قال: ومما همزوه وهو من نفس الحرف " أوَّل " و " أَوائِل " استثقلوا ألفاً بين واوين.
قال الفرّاء: ومما همزوه ولا حظَّ له في الهمزة " غِرْقِيء البيض " وأصله من الغَرَق، و " الشَّمْأَل " و " الشَّأْمَل " وأصله من الشَّمَال.
قال الفرّاء: وقالوا " قُمْتُ قِيَاماً " و " صُمْتُ صِيَاماً " فقلبوا في المصدر الواو ياء؛ وقالوا " قاوَمْتُهُ قِوَاماً " و " حاوَرَتُه حِوَاراً " فلم يقلبوا في المصدر الواو ياء؛ لأن الواو صحَّت في فعل هذا المصدر الثاني فصحت فيه، واعتلت في فعل المصدر الأول فاعتلت فيه.
وقال الفرّاء: في قول العرب " صارَ صَيْرُورَةً " و " حادَ حَيْدُودَةً " و " سارَ سَيْرُورَةً ": وهو خاصٌّ لذوات الياء من بين الكلام، إلا في أربعة
أحرف من ذوات الواو، وهي " كَيْنُونَة " و " دَيْمُومَةٌ " و " هَيْعُوعَة " و " سَيْدُودَة "، وإنما جعلت بالياء وهي من الواو؛ لأنها جاءت على بناء لذوات الياء ليس للواو فيه حظ فقيلت بالياء، كما قالوا " الشِّكَاية " وهي من ذوات الواو، لما جاءت على مصادر الياء نحو " السِّعَايَة " و " الرِّمَاية ".
وقال البصريون: " كَيْنُونَة " وأخواتها أريد بهن " فَيْعَلُولَة " فخُفّفْن كما خفف الميِّت.
قال الفراء: أريد بهن " فُعْلُولَة " ففتحوا أولها كراهية أن تصير الياء واواً، وأما " فَيْعَلُولَة " فإنها صورة لم تأت لسقيم ولا صحيح، ولو كانت للمعتل على مذهبهم لوجدتها تامَّة في شعر أو سجع كما وجدت الميِّتَ والمَيْتَ.
وقال غير واحد: كل " أفْعَلَ " فالاسم منه " مُفْعِل " - بكسر العين - نحو: " أقْبَلَ فهو مَقْبِل " و " أَدْبَرَ فهوَ مُدْبِر " وجاء حرف واحد نادر لا يعرف غيره، قالوا " أسْهَبَ " في كلامهِ فهوَ مُسْهَبٌ " - بفتح الهاء - ولا يقال " مُسْهِب " - بكسر الهاء.
وجاء الاسم منه أيضاً على " فاعِلٍ " في حروف، قالوا: " أيْفَعَ الغُلامَ فهوَ يافِعٍ " و " أوْرَسَ الشَّجَرُ فهوَ وارِسٍ " إذا أورق، و " أبْقَلَ المَوْضِعُ فهوَ باقِلٌ ".
ومما جاء الاسم منه على " فاعِلٍ " و " مُفْعِل ": " أَمْحَلَ البَلَد فهوَ ماحِل ومُمْحِل " و " أَعْشَبَ البَلَد فهُوَ عَاشِب ومُعْشِب ".
و" أَغْضَى اللَّيلُ فهو غَاضٍ ومُغْضٍ " قال رؤبة:
يَخْرُجْنَ من أَجْوَازِ لَيْلٍ غَاضِ
أي: مُغْضٍ.
وأما قول العجّاج:
يَكْشِفُ عنْ جَمَّاتِهِ دَلْوُ الدَّالْ
فإن " الدَّالي " هو الجاذبُ للدَّلْو ليخرجها، يقال منه " دَلا يَدْلُو "، و " المُدْلي " هو المُسْتَقي، يقال " أَدْلَى دَلْوَهُ " إذا ألقاها في الماء ليستقي، ولو قال العجاج المُدْلي لكان أشبه بما أراد، ولكنه أراد القافية، وعلم أن الدالي والمُدْلي يجوز أن يوصف بهما المستقي بالدلو، قال: فأراد يكشف عن الماء دلو المستقي.
ويقال: " أَعَقَّتِ الفَرَسُ " فهي " عَقُوق " ولا يقال " مُعِقّ " و " أَنْتَجَتْ " فهي " نَتُوج " ولا يقال " مُنْتج ".
وأما قولهم: " أَحْبَبْتُه فهو مَحْبُوب "، و " أَجَنَّه الله فهو مَجْنُون "، و " أَحَمَّه فهو مَحْمُوم "، و " أَزْكَمَه الله فهو مَزْكُوم "، ومثله " مَكْزُوز " و " مَقْرُور " فإنه بني على فُعِل؛ لأنهم يقولون في جميع هذه فُعِل بغير ألف، يقولون " حُبّ " و " جُنّ " و " زُكِمَ " و " حُمَّ " و " قُرَّ " و " كُزّ "، قال: ولا يقال: " قد حَزَنَه الأمْرُ " ولكن يقال " أَحْزَنَه " ويقولون " يَحْزُنه " فإذا قالوا أفعله الله فكلّه بالألف، ولا يقال " مُفْعَل " في شيء من هذه، إلا في حرف واحد؛ قال عنترة:
ولقدْ نَزَلْتِ فلا تَظُنِّي غيرَهُمنِّي بمنزلَةِ المُحَبِّ المُكْرَمِ
قال البصريون: تقدير " إنسان " فِعْلان، زيدت الياء في تصغيره كما زيدت في تصغير ليلة فقالوا " لُيَيْلِيَةٌ "، وفي تصغير رجل فقالوا " رُوَيْجِل ".
وقال بعض البغداديين: الأصل فيه " إنْسِيَان " على زنة إفْعِلان؛ فحذفت الياء استخفافاً؛ لكثرة ما يجري على ألسنتهم، فإذا صغروه قالوا " أُنَيْسِيَان " فردُّوا الياء؛ لأن التصغير ليس يكثر ككثرة الاسم مكبّراً، وقالوا في الجميع " أَنَاسِيّ ". وكذلك إنْسَان العين؛ وقالوا: " أُنَاسٌ " في الناس، ولا يقال ذلك في إنسان العين.
قال: وروي عن ابن عباس ﵁ أنه قال: إنما سُمِّي إنساناً
لأنه عهد إليه فَنَسِيَ؛ فهذا دليل على أنه إنْسِيانٌ في الأصل.
قال الفرّاء: " التَّوْرَاة " من " وَرِيَ الزَّنْد " كأنها الضِّيَاء.
قالوا: و " آرِيّ " الدَّابة فاعُولٌ من التأرّي، وهو التحبّس.
قالوا: و " أُدْحِيّ النَّعَامة " أُفْعُولٌ من دَحا يَدْحُو؛ لأنها تَدْحُوه بصدرها، وهو مثل أُفْحُوص.
قال الفرّاء: " ماء مَعِينٌ " مَفْعُول من العُيُون، فَنُقِصَ كما قيل مَخِيط ومَكِيل، و " السُّرِّيَّة " فَعْلِيَّة من السِّر، وهو النكاح، إلا أنهم ضموا أولها كما يغيرون في النسب.
قال الأصمعي: وقولهم " تَسَرَّيْتُ " أصله تَسَرَّرْتُ من السر - وهو النكاح - قال الله جل ثناؤه:) ولكن لا تُوَاعِدوهُنَّ سِرّاً (أي: نكاحاً، فأُبْدِل من الراء ياء، كما قالوا " تَظَنَّيْتُ " من الظن، وأصلها تظننت.
وقالوا: " لَبَّى فلانٌ " من التلبية، وكان أصلها لَبَّبْتُ؛ لأنها من ألْبَبْتُ بالمكان قال ذلك الخليل، وقال: ومعنى " لَبَّيْك " ها أنا ذا عبدك قد
أجبتك قد خضعت لك وثَنَّوْهُ على جهة التأكيد، أي: قد أجبتك إجابة بعد إجابة، ونصبوه على جهة المصدر كما تقول: حَمْداً لله وشكراً، ومثله " حَنَانَيْك ".
وقال أبو عبيدة في قول الشاعر:
فقُلْتُ لَها فِيئي إليكِ فإننيحَرامٌ وإنِّي بعدَ ذاكِ لَبيبُ
أراد مُلَبّ.
قال البصريون في تقدير " قُضَاة " و " رُمَاة " وأشباه ذلك في المعتل: فُعَلَة، ولا يكون هذا في جمع الصحيح.
وحكى الفرّاء عن بعض النحويين أنه قال: تقديره فَعَلَة، مثل " كَافِرٍ وكَفَرَة " و " فاجِر وفَجَرَة " إلا أنهم خصُّوا الياء والواو بضم أوله.
قال الفرّاء: وليس ذلك كما قالوا؛ لأنا قد وجدنا " سَرِيّا من قوم سَرَاة " فلو كان كما قالوا لقيل " سُرَاة "، فتجنبوا الجمع على فُعَلَةٍ، ولكنهم قالوا في ذوات الياء والواو وهم يريدون مثال " صُوَّم " و " قُوَّم " فثقل
عليهم أن يشددوا العين وبعدها ساكن كأنه ألف إعراب، فخففوا الشديدة وهم يريدونها، وزادوا في آخره الهاء؛ لتكون تكملة للحرف إذا نقص، كما قالوا " أَقَمْتُه إقامَةً " فإذا شدَّدوا سقطت الهاء، قال الله ﷿:) أو كانوا غُزَّى (قال: ولو قلت " الرُّعَّى " في الرُّعاة، و " العُفّي " في العُفَاة لكنت مصيباً.
قال البصريون في تقدير " أشياء ": هي فَعْلاء: نقلت همزتها إلى أولها كما قالوا " عُقَابٌ بَعَنْقاةٌ ".
قال الفرّاء: ولم أجد لهم في ذلك مذهباً يشبه وَجْهَ العربية؛ لأنهم أكثروا على " الشيء " العلَّة فقدموا ما لم يقدّم، ولم نسمعه، وجمعوه وهو ذكر خفيف على جمع لم يأت إلا فيما واحدته مُثَقَّلة مؤنثة مثل " القَصَبَة " و " القَصْبَاء "، و " الشَّجَرة " و " الشَّجْراء " و " الطَّرَفة " و " الطَّرْفاء ".
وقال الفرّاء: قال الكسائي وغيره من أصحابنا: إنما تُرِكَ إجراؤها لأنها شُبِّهَتْ بِفَعْلاء، وكثرت في الكلام حتى جمعت " أشْياوَات " كما جمعوا الفَعْلاء على الفَعْلاوَات.
قال الفراء: كأن أصل شَيْء شَيِّء على مثال شَيِّع، ثم جمع على
أفعِلاء مثل " لَيّن وأليناء "، ثم تركوا في " أشياء " الهمزة من العين فخفف وترك الإجراءُ لأنها أفعلاء.
النص من طبعة مؤسسة الرسالة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع