تجاوز إلى المحتوى

من «أدب الكاتب» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)

باب شواذ التصريف

قال الفراء وغيره: العربُ إذا ضمت حرفاً إلى حرف فربما أجْرَوْهُ على بِنْيَتِه، ولو أُفْرِدَ لتركوه على جهته الأولى؛ من ذلك قولهم: " إنِّي لآتيه بالعَشَايَا والغَدَايا " فجمعوا الغَدَاة غَدَايا لمَّا ضمت إلى العَشَايا وأنشد:

هَتَّاكُ أَخْبِيةٍ وَلاَّجُ أَبْوِبَةٍيَخْلِطُ بالجِدِّ منهُ البِرَّ واللِّينا

فجمع الباب " أَبْوِبَةً " إذ كان مُتْبَعاً لأخْبِيَة، ولو أفرد لم يجز وقال آخر:

أزْمانَ عَيْناءُ سُرورُ المَسْرورْعَيْناءُ حَوْراءُ منَ العينِ الحِيرُ

فقال " الحِير " إذ كان بعدَ " العِين ".

قال الفراء: وأرى قولهم في الحديث: " ارْجِعْنَ مَأْزوراتٍ غيرَ

مَأْجُوراتٍ " من هذا، ولو أفردوا لقالوا " مَوْزُورات ".

وقالوا: أرض " مَسْنِيَّةٌ " منْ " يَسْنُوها المطر " والقياس: مَسْنُوَّةٌ، وقال الشاعر:

ما أنا بالجافي ولا المَجْفِيّ

قال الفرّاء: بَنَاه على جُفِيَ.

وقال الآخر:

أنا اللَّيْث مَعْدِيّاً عليهِ وعَادِيا

قالوا: بَناه على عُدِيَ عليه.

وقالوا: " العَلْيَاء " والأصل العَلْوَاءُ؛ لأنه من الواو، ألا ترى أنك تقول: " عَشْوَاء " و " قَنْوَاء " و " سَفْوَاء " فإن كانت من الياء قُلْتَها بالياء، مثل: " ضَمْيَاء " و " عَمْيَاء " تَرُدُّ إلى الواو ما كانت أصْلَهُ، وإلى الياء ما كانت أصلَهُ.

قال الخليل: إنما قالوا " عَلْيَاء " لأنه لا ذَكَرَ لها، فأرادوا أن يفرقوا بين ماله ذكَرٌ وبين ما ليس له ذَكَر.

قال الفرّاء: قد جاءت حروف على " فَعْلاء " لا ذَكَرَ لها بالواو،

وقالوا: " اللأْوَاء " و " الحَلْوَاء "، ولكنهم بنوه على عَلِيتُ، وهما لغتان عَلَوْتُ وعَلِيتُ، والياء في عَلِيتُ أصلُها الواو قلبت ياء لكسرة ما قبلها.

وقالوا: " فُلانٌ مَرْضيٌّ المذهَبِ " والأصل: " مَرْضُوّ " لأنه من الرِّضْوَانِ فبني على " رَضِيت ".

وقالوا في جمع أبْيَضَ " بيضُ " والقياس " بُوضُ " مثل حُمْرٍ وسُودٍ.

وقالوا في جمع قَوْس " قِسِيّ " والأصل " قُوُوسٌ ".

وقالوا في جمع حَاجَةٍ " حَوَائج " على غير قياس، و " أَنْيُقُ " والأصل: أنْوُقُ.

وقالوا " مِذْرَوان " والأصل " مِذْرَيَان " وهما فَرْعا كل شيء، جاء بالواو؛ لأنه بني مثنى ولم يأت له واحد فيثنى عليه، وكذلك قولهم عَقَلَه " بِثِنَايَيْنِ " والأصل " بِثِناءَيْن " كما تقول كِسَاءَين ورِدَاءَين، وإنما جاء بغير همز لأنه بني مثنى، ولم يقولوا " ثِنَاء " فيُثَنَّى عليه.

قال الفرّاء: وإنما قالوا " هوَ أَلْيَطُ بقلبي منك " بالياء وأصله الواو ليفرقوا بينه وبين المعنى الآخر.

قال: ومثله قولهم " رجل نَشْيَان للأخَبْار " وهو من " نَشِيتُ الخبَرَ " وأصل الياء في نشيت واو، فقلبت ياء للكسرة، فقالوا بالياء ليفرقوا بينه وبين " نَشْوَان " من السكر.

وجمعوا العيد " أَعْيَاداً " وأصله الواو؛ كراهية أن يوافق جمع العُود.

قال: وأهل الحجاز يقولون " القُصْوَى " بالواو، والقياس " القُصْيَا " بالياء مثل العُلْيَا، وهو من علَوت، والدُّنْيا وهو من دَنَوْتُ، وهذا نادر خَرَجَ على الأصل وروي عنهم " خُذِ الحَلْوَى أَعْطِه المُرَّى ".

وقال الفرّاء: ومن البلاد " حُزْوى " بالواو، ومن الشاذ قولهم " حَلَّ حِبْيَتَهُ " وأصلها بالواو، وقد قالوا " حُبْوَتَهُ " أيضاً؛ قال: وإنما غيَّروا واوها لأن الفعل يأتي منها بالزيادة، يقال: احْتَبَيْتُ، ولا يقال: حَبَوْتُ؛ فلذلك غيرت، كما قالوا " رَجُلٌ غَدْيانٌ " بالياء.

قال الفراء: وإنما بنوا " العُلْيَا " و " الدُّنْيا " بالياء - وأصلهما الواو - على ذكرهما، فكان الذَّكَرُ من هذا النوع يكون للأُنْثَى، والذكر يقال " هوَ أَعْلَى مِنْك " و " هيَ أَعْلَى مِنْك " وكان أعلى قد انتقلت واوه إلى الياء؛

لأنه لو ثني لقيل: الأَعْلَيَان.

وقال الفراء: قولهم " أُخْوَةٌ " بالضم غلط أو خطأ، وإنما هو مثل: غِلْمَةٍ وجِلَّةٍ وغِزْلَةٍ، فضمُّوا أوله تشبيهاً بكُسْوَةٍ ورُشْوَةٍ.

قال: و " التِّبْيَانُ " جاء مكسور الأول وهو مصدر بَيَّنْتُ تَبْيِيناً وتَبْيَاناً، مثل: كَرَّرْتُه تَكْرِيراً وتَكْرَاراً، ولا يكون في الكلام التِّفْعالُ إلا اسماً موضوعاً، مثل " التِّمْثال " و " التِّقْصَار " و " التِّلْقاء " وموضع يقال له " التِّرْبَاع " وموضع آخر يقال له " تِبْرَاك ".

قال: وإنما شبهوا التِّبْيَان بالعِصْيَان والنِّسْيَان.

وقال البصريون: كل اسم جاء على " التَّفْعَال " فهو مفتوح التاء، نحو: " التَّهْيَام " و " التَّهْذَار " و " التَّلْعَاب " و " التَّرْدَاد " و " التَّجْوَال " و " التَّسْيَار " و " التَّقْتَال " و " التَّصْعَاق " في الصَّعْق إلا حرفين، فإنهما جاءا بكسر التاء، قالوا " التِّبْيَان " و " التِّلْقَاء " بمعنى اللقاء، وأنشد:

أمَّلْتُ خَيْرَكِ هلْ تَأْتي مَواعِدُهُفاليومَ قَصَّرَ عنْ تِلْقائِكِ الأمَلُ
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «قالت سليمى أتنوي اليوم أم تغل»

قال: قولهم: بَنَى يَبْنِي بُنْياناً - بالضم - أصله الكسرة مثل العِصْيَان والغِشْيَان، وكذلك مصادر هذا الباب، قال: وسمعت " الطُّغْيَان والطِّغْيَان "، و " الغُنْيَان والغِنْيَان " والكسر أحب إليه.

قال: ومما بنى مفعوله على فُعِلَ ولم يأت على الأصل قول الشاعر:

مُكْتَئِبِ اللَّوْنِ مَرِيحٍ مَمْطُورْ

أراد " مَرُوحٍ "، وقال الآخر:

وماءُ قُدُورٍ في القِصَاعِ مَشِيبُ

يريد " مَشُوب " فبناه على شِيبَ.

قالوا: وأكثر ما يأتي على هذا المنقولُ عن الواو إلى الياء، قال الفرّاء: وأنشدني الكسائي فيما جاء بالواو:

ويأْوي إلى زُغْبٍ مَساكينَ دونَهُمْفلاً لا تخطّاهُ الرِّفاقُ مَهُوبُ

قال: بناه على قول من قال " قد هُوب الرجل ".

قال الفرّاء: وقولهم " العُصِيّ " و " الحُقِيّ " بالياء؛ لأنهم يجتمعون ما بين الثلاثة منه إلى العشر بالياء، فيقال " ثَلاثُ أَدْلٍ " و " عَشْرَة أَحْقٍ " و " عَشْرُ أَعْصٍ " فبنوا الكثير على ذلك.

قال: وقولهم " الفُتُوَّة " بالواو وأصلها الياء، وهي مصدر من مصادر الياء شاذ حُمِلَ على مصادر الواو، وهو قولك " أبٌ بَيِّنُ الأبُوَّةِ " و " أخٌ بيِّنُ الأخُوَّةِ " و " رِخْوٌ بيِّنُ الرُّخُوَّة "، فلما حملت افتوة على مصادر الواو جعلت بالواو، كما حملت " الشَّرْوى " - وهو المِثْلُ - على الواو؛ إذ أشبهت مصادر الواو مثل دَعْوَى ونَجْوَى، قال: ثمَّ جمعوا الفتَى " فُتُوّاً " على ذلك بالواو، وكان القياس " فُتّى ".

قال: ولم نجد ياء بعدها واو غير مهموزة في الأسماء إلا في " يَوْم " قال: ولا يقال من يَوْمٍ فَعَلْت ولا يَفْعَلُ.

قال الفرّاء: ومن الشاذ قولهم للرَّجُل " حَيْوَة "، وللقطِّ " ضَيْوَن ".

وقال سيبويه: قالوا " أَرَقْتُ الماء " ثم أبدلوا من الهمزة هاء، فقالوا: " هَرَقْتُ الماء ".

وقال الفرّاء: والهمزة تبدل منها الهاء في أول الحرف كثيراً؛ قالوا " هِبْرِيَةٌ " وأصلها " إبْرِيَةٌ "، وقالوا " هَنَرْتُ " وأصله " أَنَرْتُ "، و " هَرَحْتُ " وأصله " أَرَحْتُ "، و " هَرَقْتُ " والأصل " أَرَقْتُ ".

قال سيبويه: ثم لزمت الهاء فصارت كأنها من نفس الحرف، ثم أدخلت الألف بعد على الهاء، وتركت الهاء عوضاً من حذفهم العين؛ لأن أصله أرْيَقْتُ، فقالوا: " أَهْرَقْتُ " ونظيره " أَسْطَعْتَ تُسْطِيع ".

قال الفرّاء: توهموا أن قولهم " أسْطَعْتُ " أفْعَلْتُ لأنه بوزنه.

وقال الأحمر: يقال " مَشِشَتِ الدَّابة " بإظهار التضعيف، ليس في

الكلام غيره. وزاد غيره يقال: " لَحِحَتْ عَيْنه " إذا التقصقت، و " ضَبِبَ البَلَد " إذا كثر ضِبَابه، و " أَلِلَ السِّقاء " إذا تغيَّرت ريحه، و " قَطِطَ شَعْرُهُ "، و " صَكِكَتِ الدَّابة " من الصَّكَكِ في القوائم.

وقالوا: " شَجَرَةٌ فَنْوَاء " أي: كثيرة الأفْنَان، والقياس فَنّاء.

قال سيبويه: ومما جاء على أصله:

وصالِياتٍ كَكَما يُؤَثْفَيْنْ

وهو من أثفيت، وقول الآخر:

كُراتُ غُلامٍ منْ كِساءٍ مُؤَرْنَبِ

قال الخليل: كان الأصل في مثل أَخْرَجَ يُخْرِجُ أن تثبت الهمزة في يُفْعِلُ وأخواتها؛ فحذفت استثقالاً لها، وجاء هذان الحرفان على الأصل.

قال الفرّاء: وإنما قالوا " يُهَرِيق " ففتحوا الهاء؛ لأنها أبدلت من همزة ولو كانت ظاهرة لكانت مفتوحة؛ لأنهم لو قالوا بالقياس في

" يُخْرِجُ " لكان " يُؤَخْرِجُ ".

قال الفرّاء: الميم تزاد في أول الحرف وآخره، ولا تزاد في وسطه؛ فأما ما زيدت فيه أولاً فَمَفْعَل ونحوه، وأما ما زيدت فيه آخراً " فَفَمٌ " و " اللَّهُمَّ " و " زُرْقُمٌ " و " سُتْهُمٌ " و " ابْنُمٌ ".

قال سيبويه: وكل ميم كانت في أول حرف فهي مزيدة، إلا ميم " مِعْزَى " فإنها من نفس الحرف؛ لأنك تقول مَعْزٌ، ولا كانت زائدة لقلت عَزًى، وميم " مَعَدّ " لأنك تقول تمعدد، و " تَمَفْعَلَ " قليل، قالوا من مسكين " تَمَسْكَنَ " وهو من التمسكن، و " تَمَدْرَع " وهو من المِدْرَعة.

وقال: والميم في " المَنْجَنيق " من نفس الحرف، وهو بمنزلة عنتريس، و " مَنْجَنُون " كذلك بمنزلة عَرْطَليل " وميم " مَأْجَج " وميم " مَهْدَد " من الحرف؛ لأنهما لو كانت زائدتين لأدغمت كَمَرَدّ ومَفَرّ، فإنما هما بمنزلة الدالين في قَرْدَد.

قال سيبويه: وكل همزة جاءت أولاً فهي مزيدة، في نحو " أحْمَرَ "

و " أَفْكَل " وأشباه ذلك؛ إلا " أَوْلَقاً " فإن الهمزة من نفس الحرف، ألا ترى أنك تقول " أُلِقَ الرَّجُل " قال: وهو فَوْعَل، و " أَرْطًى " لأنك تقول " أديمٌ مَأْرُوطٌ " ولو كانت الهمزة زائدة لقلت مَرْطِيّ.

قال سيبويه: و " إمَّرٌ " و " إمَّعٌ " الهمزة من نفس الحرف؛ لأن إفْعَلاً لا يكون وصفاً، وإنَّما هو فِعَّل، و " إلَّقٌ " من التألّق، كذلك هو مثل " هِيَّخ ".

قال: ومما همزوه وهو من نفس الحرف " أوَّل " و " أَوائِل " استثقلوا ألفاً بين واوين.

قال الفرّاء: ومما همزوه ولا حظَّ له في الهمزة " غِرْقِيء البيض " وأصله من الغَرَق، و " الشَّمْأَل " و " الشَّأْمَل " وأصله من الشَّمَال.

قال الفرّاء: وقالوا " قُمْتُ قِيَاماً " و " صُمْتُ صِيَاماً " فقلبوا في المصدر الواو ياء؛ وقالوا " قاوَمْتُهُ قِوَاماً " و " حاوَرَتُه حِوَاراً " فلم يقلبوا في المصدر الواو ياء؛ لأن الواو صحَّت في فعل هذا المصدر الثاني فصحت فيه، واعتلت في فعل المصدر الأول فاعتلت فيه.

وقال الفرّاء: في قول العرب " صارَ صَيْرُورَةً " و " حادَ حَيْدُودَةً " و " سارَ سَيْرُورَةً ": وهو خاصٌّ لذوات الياء من بين الكلام، إلا في أربعة

أحرف من ذوات الواو، وهي " كَيْنُونَة " و " دَيْمُومَةٌ " و " هَيْعُوعَة " و " سَيْدُودَة "، وإنما جعلت بالياء وهي من الواو؛ لأنها جاءت على بناء لذوات الياء ليس للواو فيه حظ فقيلت بالياء، كما قالوا " الشِّكَاية " وهي من ذوات الواو، لما جاءت على مصادر الياء نحو " السِّعَايَة " و " الرِّمَاية ".

وقال البصريون: " كَيْنُونَة " وأخواتها أريد بهن " فَيْعَلُولَة " فخُفّفْن كما خفف الميِّت.

قال الفراء: أريد بهن " فُعْلُولَة " ففتحوا أولها كراهية أن تصير الياء واواً، وأما " فَيْعَلُولَة " فإنها صورة لم تأت لسقيم ولا صحيح، ولو كانت للمعتل على مذهبهم لوجدتها تامَّة في شعر أو سجع كما وجدت الميِّتَ والمَيْتَ.

وقال غير واحد: كل " أفْعَلَ " فالاسم منه " مُفْعِل " - بكسر العين - نحو: " أقْبَلَ فهو مَقْبِل " و " أَدْبَرَ فهوَ مُدْبِر " وجاء حرف واحد نادر لا يعرف غيره، قالوا " أسْهَبَ " في كلامهِ فهوَ مُسْهَبٌ " - بفتح الهاء - ولا يقال " مُسْهِب " - بكسر الهاء.

وجاء الاسم منه أيضاً على " فاعِلٍ " في حروف، قالوا: " أيْفَعَ الغُلامَ فهوَ يافِعٍ " و " أوْرَسَ الشَّجَرُ فهوَ وارِسٍ " إذا أورق، و " أبْقَلَ المَوْضِعُ فهوَ باقِلٌ ".

ومما جاء الاسم منه على " فاعِلٍ " و " مُفْعِل ": " أَمْحَلَ البَلَد فهوَ ماحِل ومُمْحِل " و " أَعْشَبَ البَلَد فهُوَ عَاشِب ومُعْشِب ".

و" أَغْضَى اللَّيلُ فهو غَاضٍ ومُغْضٍ " قال رؤبة:

يَخْرُجْنَ من أَجْوَازِ لَيْلٍ غَاضِ

أي: مُغْضٍ.

وأما قول العجّاج:

يَكْشِفُ عنْ جَمَّاتِهِ دَلْوُ الدَّالْ

فإن " الدَّالي " هو الجاذبُ للدَّلْو ليخرجها، يقال منه " دَلا يَدْلُو "، و " المُدْلي " هو المُسْتَقي، يقال " أَدْلَى دَلْوَهُ " إذا ألقاها في الماء ليستقي، ولو قال العجاج المُدْلي لكان أشبه بما أراد، ولكنه أراد القافية، وعلم أن الدالي والمُدْلي يجوز أن يوصف بهما المستقي بالدلو، قال: فأراد يكشف عن الماء دلو المستقي.

ويقال: " أَعَقَّتِ الفَرَسُ " فهي " عَقُوق " ولا يقال " مُعِقّ " و " أَنْتَجَتْ " فهي " نَتُوج " ولا يقال " مُنْتج ".

وأما قولهم: " أَحْبَبْتُه فهو مَحْبُوب "، و " أَجَنَّه الله فهو مَجْنُون "، و " أَحَمَّه فهو مَحْمُوم "، و " أَزْكَمَه الله فهو مَزْكُوم "، ومثله " مَكْزُوز " و " مَقْرُور " فإنه بني على فُعِل؛ لأنهم يقولون في جميع هذه فُعِل بغير ألف، يقولون " حُبّ " و " جُنّ " و " زُكِمَ " و " حُمَّ " و " قُرَّ " و " كُزّ "، قال: ولا يقال: " قد حَزَنَه الأمْرُ " ولكن يقال " أَحْزَنَه " ويقولون " يَحْزُنه " فإذا قالوا أفعله الله فكلّه بالألف، ولا يقال " مُفْعَل " في شيء من هذه، إلا في حرف واحد؛ قال عنترة:

ولقدْ نَزَلْتِ فلا تَظُنِّي غيرَهُمنِّي بمنزلَةِ المُحَبِّ المُكْرَمِ
للشاعر عنترة بن شداد، من قصيدة «هل غادر الشعراء من متردم»

قال البصريون: تقدير " إنسان " فِعْلان، زيدت الياء في تصغيره كما زيدت في تصغير ليلة فقالوا " لُيَيْلِيَةٌ "، وفي تصغير رجل فقالوا " رُوَيْجِل ".

وقال بعض البغداديين: الأصل فيه " إنْسِيَان " على زنة إفْعِلان؛ فحذفت الياء استخفافاً؛ لكثرة ما يجري على ألسنتهم، فإذا صغروه قالوا " أُنَيْسِيَان " فردُّوا الياء؛ لأن التصغير ليس يكثر ككثرة الاسم مكبّراً، وقالوا في الجميع " أَنَاسِيّ ". وكذلك إنْسَان العين؛ وقالوا: " أُنَاسٌ " في الناس، ولا يقال ذلك في إنسان العين.

قال: وروي عن ابن عباس ﵁ أنه قال: إنما سُمِّي إنساناً

لأنه عهد إليه فَنَسِيَ؛ فهذا دليل على أنه إنْسِيانٌ في الأصل.

قال الفرّاء: " التَّوْرَاة " من " وَرِيَ الزَّنْد " كأنها الضِّيَاء.

قالوا: و " آرِيّ " الدَّابة فاعُولٌ من التأرّي، وهو التحبّس.

قالوا: و " أُدْحِيّ النَّعَامة " أُفْعُولٌ من دَحا يَدْحُو؛ لأنها تَدْحُوه بصدرها، وهو مثل أُفْحُوص.

قال الفرّاء: " ماء مَعِينٌ " مَفْعُول من العُيُون، فَنُقِصَ كما قيل مَخِيط ومَكِيل، و " السُّرِّيَّة " فَعْلِيَّة من السِّر، وهو النكاح، إلا أنهم ضموا أولها كما يغيرون في النسب.

قال الأصمعي: وقولهم " تَسَرَّيْتُ " أصله تَسَرَّرْتُ من السر - وهو النكاح - قال الله جل ثناؤه:) ولكن لا تُوَاعِدوهُنَّ سِرّاً (أي: نكاحاً، فأُبْدِل من الراء ياء، كما قالوا " تَظَنَّيْتُ " من الظن، وأصلها تظننت.

وقالوا: " لَبَّى فلانٌ " من التلبية، وكان أصلها لَبَّبْتُ؛ لأنها من ألْبَبْتُ بالمكان قال ذلك الخليل، وقال: ومعنى " لَبَّيْك " ها أنا ذا عبدك قد

أجبتك قد خضعت لك وثَنَّوْهُ على جهة التأكيد، أي: قد أجبتك إجابة بعد إجابة، ونصبوه على جهة المصدر كما تقول: حَمْداً لله وشكراً، ومثله " حَنَانَيْك ".

وقال أبو عبيدة في قول الشاعر:

فقُلْتُ لَها فِيئي إليكِ فإننيحَرامٌ وإنِّي بعدَ ذاكِ لَبيبُ
للشاعر المَخَبَّل السَعدي، اقرأ القصيدة

أراد مُلَبّ.

قال البصريون في تقدير " قُضَاة " و " رُمَاة " وأشباه ذلك في المعتل: فُعَلَة، ولا يكون هذا في جمع الصحيح.

وحكى الفرّاء عن بعض النحويين أنه قال: تقديره فَعَلَة، مثل " كَافِرٍ وكَفَرَة " و " فاجِر وفَجَرَة " إلا أنهم خصُّوا الياء والواو بضم أوله.

قال الفرّاء: وليس ذلك كما قالوا؛ لأنا قد وجدنا " سَرِيّا من قوم سَرَاة " فلو كان كما قالوا لقيل " سُرَاة "، فتجنبوا الجمع على فُعَلَةٍ، ولكنهم قالوا في ذوات الياء والواو وهم يريدون مثال " صُوَّم " و " قُوَّم " فثقل

عليهم أن يشددوا العين وبعدها ساكن كأنه ألف إعراب، فخففوا الشديدة وهم يريدونها، وزادوا في آخره الهاء؛ لتكون تكملة للحرف إذا نقص، كما قالوا " أَقَمْتُه إقامَةً " فإذا شدَّدوا سقطت الهاء، قال الله ﷿:) أو كانوا غُزَّى (قال: ولو قلت " الرُّعَّى " في الرُّعاة، و " العُفّي " في العُفَاة لكنت مصيباً.

قال البصريون في تقدير " أشياء ": هي فَعْلاء: نقلت همزتها إلى أولها كما قالوا " عُقَابٌ بَعَنْقاةٌ ".

قال الفرّاء: ولم أجد لهم في ذلك مذهباً يشبه وَجْهَ العربية؛ لأنهم أكثروا على " الشيء " العلَّة فقدموا ما لم يقدّم، ولم نسمعه، وجمعوه وهو ذكر خفيف على جمع لم يأت إلا فيما واحدته مُثَقَّلة مؤنثة مثل " القَصَبَة " و " القَصْبَاء "، و " الشَّجَرة " و " الشَّجْراء " و " الطَّرَفة " و " الطَّرْفاء ".

وقال الفرّاء: قال الكسائي وغيره من أصحابنا: إنما تُرِكَ إجراؤها لأنها شُبِّهَتْ بِفَعْلاء، وكثرت في الكلام حتى جمعت " أشْياوَات " كما جمعوا الفَعْلاء على الفَعْلاوَات.

قال الفراء: كأن أصل شَيْء شَيِّء على مثال شَيِّع، ثم جمع على

أفعِلاء مثل " لَيّن وأليناء "، ثم تركوا في " أشياء " الهمزة من العين فخفف وترك الإجراءُ لأنها أفعلاء.

النص من طبعة مؤسسة الرسالة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من كتاب الأبنية

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.