من «عيون الأنباء في طبقات الأطباء» لابن أبي أصيبعة (ت ٦٦٨هـ)
البديع الأصطرلابي
هُوَ بديع الزَّمَان أَبُو الْقَاسِم هبة الله بن الْحُسَيْن بن أَحْمد الْبَغْدَادِيّ
من الْحُكَمَاء الْفُضَلَاء والأدباء النبلاء طَبِيب عَالم وفيلسوف مُتَكَلم وغلبت عَلَيْهِ الْحِكْمَة وَعلم الْكَلَام والرياضي وَكَانَ متقنا لعلم النُّجُوم والرصد
وَكَانَ البديع الاصطرلابي صديقا لأمين الدولة بن التلميذ
وَحكي أَنه اجْتمع على أَمِين الدولة بأصبهان فِي سنة عشرَة وَخَمْسمِائة
وحَدثني مهذب الدّين أَبُو نصر مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن الْخضر الْحلَبِي قَالَ كَانَ البديع الاصطرلابي أوحد زَمَانه فِي علم الاصطرلاب وَعَمله وإتقان صَنعته فَعرف بذلك
أَقُول وَكَانَ وَالِد مهذب الدّين أبي نصر من طبرستان وَهُوَ الْمَعْرُوف بالبرهان المنجم
وَكَانَ عَلامَة وقته فِي أَحْكَام النُّجُوم وَله حكايات عَجِيبَة فِي ذَلِك
وَقد ذكرت أَشْيَاء مِنْهَا فِي كتاب إصابات المنجمين
وَكَانَ قد اجْتمع بالبديع الإصطرلابي وَصَاحبه مُدَّة
وللبديع الإصطرلابي نظم جيد حسن الْمعَانِي
وَمن شعر البديع الإصطرلابي وَهُوَ مِمَّا أَنْشدني مهذب الدّين أَبُو نصر مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم الْحلَبِي قَالَ أَنْشدني وَالِدي قَالَ أَنْشدني البديع الإصطرلابي لنَفسِهِ
يَا ابْن الَّذين مضوا على دين الْهدىوالطاعنين مقاعد الإعدام
فوجوههم قبل العلى وأكفهمسحب الندى ومنابر الأقلام) الْكَامِل
وأنشدني أَيْضا قَالَ أَنْشدني قَالَ أَنْشدني الْمَذْكُور لنَفسِهِ
أهْدى لمجلسك الشريف وَإِنَّمَاأهدي لَهُ مَا حزت من نعمائه
كالبحر يمطره السَّحَاب وَمَالهمن عَلَيْهِ لِأَنَّهُ من مَائه) الْكَامِل
وأنشدني أَيْضا قَالَ أَنْشدني وَالِدي قَالَ أَنْشدني الْمَذْكُور لنَفسِهِ
قَامَ إِلَى الشَّمْس بآلاتهلينْظر السعد من النحس
فَقلت أَيْن الشَّمْس قَالَ الْفَتىفِي الثور قلت الثور فِي الشَّمْس) السَّرِيع
وأنشدني أَيْضا قَالَ أَنْشدني وَالِدي قَالَ أَنْشدني الْمَذْكُور لنَفسِهِ
قيل لي قد عشقته أَمْرَد الخدوَقد قيل إِنَّه نكريش
قلت فرخ الطاووس أحسن مَا كَانَإِذا مَا علا عَلَيْهِ الريش) الْخَفِيف
وأنشدني أَيْضا قَالَ أَنْشدني وَالِدي قَالَ أَنْشدني الْمَذْكُور لنَفسِهِ
هَل عثرت أَقْلَام خطّ العذارفِي مشقها فالخال نقط العثار
أم اسْتَدَارَ الْخط لما غَدَتْنقطته مَرْكَز ذَاك الْمدَار
وريقة الْخمر فَهَل ثغرهدر حباب نظمته الْعقار) السَّرِيع
وَقَالَ أَيْضا
وَذُو هَيْئَة يزهو بخال مهندسأَمُوت بِهِ فِي كل وَقت وأبعث
مُحِيط بأوصاف الملاحة وَجههكَانَ بِهِ أقليدس يتحدث
فعارضه خطّ اسْتِوَاء وخالهبِهِ نقطة والخد شكل مثلث) الطَّوِيل
وأنشدني أَيْضا قَالَ أَنْشدني وَالِدي قَالَ أَنْشدني الْمَذْكُور لنَفسِهِ جَوَابا عَن قصيدة كتبهَا إِلَيْهِ القيسراني أَولهَا
أعرب الْفضل من بديع الزَّمَانعَن معَان عزت على يونان
مَا تَلَاهَا لما تَلَاهَا وَلَكِنفاتها حائزا خِصَال الرِّهَان) الْخَفِيف
قَالَ مهذب الدّين أَبُو نصر مُحَمَّد فَرد جوابها قصيدة لم يبْق على ذكري مِنْهَا شَيْء سوى هَذِه الأبيات
أَيهَا السَّيِّد الَّذِي أطرانيبمديح كَالدَّارِ قد أطغاني
وَالَّذِي زَاد فِي محلي وقدريوأذل الشاني بتعظيم شاني
فتعنفقت أَي بِأَنِّي كَمَاقَالَ مُجيب الطباع سهل الْجنان
وترشحت للجواب فأعيانيوانسل هَارِبا شيطاني
مجبلا مجبلا يَقُول اتَّقِ اللهفَمَالِي بِمَا تروم اليدان
أتظن الوهاد مثل الروابيأم تخال الهجين مل الهجان
أم تجاري طرفا يفوت مدى الطّرفإِذا مَا تجاريا فِي مَكَان
بِحِمَار يفوتهُ الزَّمن المقعدإِن أرسلا غَدَاة الرِّهَان
فاكتنفني سترا فشعري بخطىحِين يَبْدُو لناظر عورتان
وَمن شعر البديع الإسطرلابي أَيْضا قَالَ فِي غُلَام معذر
كن كَيفَ شِئْت فإننيقد صغت قلبا من حَدِيد
وَقَعَدت انْتظر الْكُسُوفوَلَيْسَ ذَلِك من بعيد) الْكَامِل المرفل
وَقَالَ أَيْضا
تقسم قلبِي فِي محبَّة معشربِكُل فَتى مِنْهُم هواي مَنُوط
كَانَ فُؤَادِي مَرْكَز وهم لَهُمُحِيط وأهوائي إِلَيْهِ خطوط) الطَّوِيل
وَقَالَ أَيْضا
وشادن فِي حبه سنةقد جعلت حبي لَهُ فرضا
أرْضى بِأَن أجعَل خدي لَهُإِذا مَشى منتعلا أَرضًا) السَّرِيع
وَقَالَ أَيْضا
أذاقني خمرة المنايالما اكتسى خضرَة العذار
وَقد تبدى السوَاد فِيهِوكارتي بعد فِي الْعيار) الْبَسِيط
وَقَالَ أَيْضا
هجرت النكاريش ثمَّ انثنيتاعنف من بَات يهواهم
وَمَا زلت فِي المرد ألحاهمإِلَى أَن بليت بألحاهم) المتقارب
وَقَالَ أَيْضا
تاه على النَّاس يإغرائهأَي فاحذروني إِنَّنِي ملسن
إِن كَانَ فِي أَقْوَاله معربافَإِنَّهُ فِي فعله يلحن) السَّرِيع
وَقَالَ أَيْضا يهجو
مستيقظ فَإِذا استضيفبِهِ يصير من النيام
وتراه فِي عدد الطغامإِذا رأى مضغ الطَّعَام
تبدو مصائبه الْعِظَامأَو أَن تَجْرِيد الْعِظَام) الْكَامِل المرفل
وَقَالَ يهجو فاصدا
وفاصد مبضعه مشرعكَأَنَّهُ جَاءَ إِلَى حَرْب
فصد بِلَا نفع فَمَا حَاصِلغير دم يخرج من ثقب
لَو مر فِي الشَّارِع من خَارجلمات من فِي دَاخل الدَّرْب
خُذْهُ إِذا جَاشَتْ عَلَيْك العدافوحده يُغْنِيك عَن حَرْب) السَّرِيع
وَقَالَ أَيْضا وَقد جَاءَ بالعراق وفر كثير يَعْنِي بالوفر الثَّلج
يَا صُدُور الزَّمَان لَيْسَ بوفرمَا رَأَيْنَاهُ فِي نواحي الْعرَاق
إِنَّمَا عَم ظلمكم سَائِر الأَرْضفشابت ذوائب الْآفَاق) الْخَفِيف
وَقَالَ فِي مغسل الشَّرَاب وَهُوَ جردان
إِنِّي إِذا مَا حضرت فِي مَلأعددت من بعض آلَة الْفَرح
إِذا تصدرت فِي مجَالِسهمْتنغصوا لي بفاضل الْقدح) المنسرح
وللبديع الإسطرلابي من الْكتب اخْتِصَار ديوَان أبي عبد الله الْحُسَيْن بن الْحجَّاج
زيج سَمَّاهُ المعرب المحمودي أَلفه للسُّلْطَان مَحْمُود أبي الْقَاسِم بن مُحَمَّد
النص من طبعة دار مكتبة الحياة ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع