من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
إن بالحيرة قسا قد مجن
حدّثني أبو الحسين بن عيّاش، قال:
كان جحظة لما أسنّ، يفسو في مجالسه، فيلقى من يعاشره، من ذلك جهدا.
وكنت أحبّ غناءه، والكتابة عنه، لما عنده من الآداب، وكان يستطيب عشرتي، وكنت إذا جلست، أخذت عليه الريح، وجلست فوقها.
فجئته يوما في مجلس الأدب، والناس عنده، وهو يملي، فلما خفّوا، قال لي، ولآخر كان معي، أسماه لي، وحدّثني ذلك الرجل بمثل هذا الحديث:
اجلسا عندي، حتى أجلسكما على لبود، وأطعمكما طباهجة بكبود، وأسقيكما معتّقة اليهود، وأبخّر كما بعود، وأغنيكما غناء المسدود، أطيب من الندود.
فقلنا: هذا موضع سجدة.
وجلسنا، وصديقي لا يعرف خلّته في الفساء، وأنا قد أخذت الريح، فوفى لنا بجميع ما شرطه.
وقال لنا، وقد غنّى، وشربنا: نحن بالغداة في صورة العلماء،
وبالعشيّ في صورة المخنكرين.
فلما أخذ النبيذ منه، أقبل يفسو، وصديقي يغمزني، ويتعجّب، فأغمزه، وأقول: إنّ ذلك عادته، وخلّته، وإنّ سبيله أن يحتمل.
إلى أن غنّى جحظة، صوتا مليحا، الشعر والصنعة له فيه، وكان يجيده جدا، وهو:
إنّ بالحيرة قسّا قد مجنفتن الرهبان فيها وافتتن
ترك الإنجيل حبّا للصباورأى الدنيا مجونا فركن
وطرب صديقي ذاك، عليه طربا شديدا، استحسانا له، وأراد أن يقول أحسنت والله يا أبا الحسن، فقال: افس عليّ كيف شئت.
فخجل جحظة.
النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع