تجاوز إلى المحتوى

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

أسد بن جهور وبخله على الطعام

قالوا:

وكان معروفا بالبخل على الطعام جدا، وكان ندماؤه يلقون من ذلك جهدا.

وكان يحضرهم، ويطالبهم بالجلوس، ويحضر كل شيء لذيذ شهيّ من الطعام، فإن ذاقه منهم أحد، ولو دانقا، استحلّ دمه، وعجّل عقوبته.

وكانت [علامته معهم] إذا شيلت المائدة، أن يمسحوا أيديهم في لحاهم ليعلم أنّهم ما شعّثوا شيئا يزهمها.

وكان له ابن أخت، يجترئ عليه، ولا يفكّر فيه، ويهتك ستره إذا واكله.

فقدّمت يوما دجاجة هندية، فائقة سريّة، فحين أهوى ابن أخته إليها، قبض على يده أشدّ قبض، وقال: يا غث، يا بارد، يا قبيح العشرة، يا قليل الأدب، في الدنيا أحد يستحسن إفساد مثل هذه؟.

فقال ابن اخته: يا لئيم، يا بخيل، يا سيّء الاختيار، فلأيّ شيء تصلح؟ تجعل عقدة على وجه التركة للأعقاب؟ واسطة للمخانق، في صدور

المجالس؟ سريّة يتمتع بالنظر إليها؟ ما أقدر، شهد الله، أن أدعها من يدي.

فتصابرا عليها، إلى أن قال له الفتى: فافتدها من يدي.

قال: بما تحبّ.

قال: ببغلتك الفلانية. قال: قد فعلت.

[قال: بسرجها ولجامها المحلّى الفلاني. قال: قد فعلت].

قال: ما أرفع يدي عنها، أو يحضر ذلك.

قال: يا غلام أحضرها.

فأحضرت البغلة والمركب، فسلّمها الفتى إلى غلامه، وأخرجها، ورفع يده عن الدجاجة.

وانقضى الطعام، وشيلت المائدة، وقام لينام.

فخرج ابن أخته، فقال للطبّاخ: عليّ بالفائقة الساعة، وبجميع ما شلتموه من المائدة، فأحضر إليه، وردّ الندمان، وقعدوا، فأكلوا ذلك وانصرفوا، وقد أكل الدجاجة والطعام أجمع، وحصلت له البغلة والمركب.

قال: وإنّما كان لا يطيق أن يرى ذلك يؤكل، فأمّا إذا نحّي من بين يديه، لم يسأل عنه، ولم يطالب به.

أخبرني أبو الحسن بن الأزرق، قال: حدّثني أبي، عن الحسن بن مخلد بهذا الحديث أنّه حصل مع ابن خالة [الحسن بن مخلد]، قال:

رأيت الفتى، قد غدا إلينا، إلى ديوان الخراج على بغلة الحسن بن مخلد، فسألناه عن السبب، فأخبرنا بذلك.

النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.