تجاوز إلى المحتوى

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

قواد ابن قواد

حدّثني أبو محمد يحيى بن محمد بن فهد [ ط]، قال: حدّثني بعض الكتّاب، قال:

سافرت وجماعة من أصدقائي، نريد مصر للتصرّف.

فلما حصلنا بدمشق، كان معنا عدّة بغال، عليها ثقل وغلمان لنا، ونحن على دوابّنا، أقبلنا نخترق الطرق [لا ندري أين ننزل].

فاجتزنا برجل شاب، حسن الوجه والثياب، جالس على باب دار شاهقة، وفناء فسيح، وغلمان بين يديه وقوف.

فقام إلينا، وقال: أظنّكم على سفر، ووردتم الآن؟

فقلنا: نحن كذلك.

فقال: فتنزلون عليّ.

وألحّ علينا، وسألنا، فاستحيينا من محله، وحسن ظاهره، وهيبته، وحططنا على بابه، ودخلنا.

وأقبل أولئك الغلمان، يحملون ثقلنا، ويدخلونه الدار، ولا يدعون أحدا من غلماننا يخدمنا، حتى حملوه بأسره، في أسرع وقت.

وجاءونا بالطساس والأباريق، فغسلنا وجوهنا، وأجلسونا في مجالس حسنة، مفروشة بأنواع الفرش الذي لم نر مثله.

وإذا الدار في نهاية الحسن والفخر والكبر، وفيها دور عدة، وبستان عظيم، وصاحب المنزل يخدمنا بنفسه.

وعرض علينا الحمّام، فقلنا نحن محتاجون إليه، فأدخلنا إلى حمام في الدار [في نهاية السرو، ودخل إلينا غلامان أمردان وضيئان، في نهاية الحسن] فخدمانا بدلا من القيّم [والمزين]، وأخرجنا من الحمام، إلى غير ذلك المجلس، فقدّم إلينا مائدة حسنة جليلة، عليها من الحيوان، وفاخر الطبيخ، والألوان، ونادر الخبز، وغريب البوارد، وكلّ شيء.

وإذا بغلمان مرد، في نهاية الحسن والزيّ، قد دخلوا إلينا، فغمزوا أرجلنا، فلحقنا من ذلك، مع الغربة وطول العهد بالجماع، عنت، فأمرناهم بالانصراف، وفينا من لم يستحلّ التعرّض لهم، وتعفّف عن ذلك، لنزولنا على صاحبهم.

ثم انتبهنا، فنقلنا إلى مجلس آخر على صحنين، في أحدهما بستان حسن، فأخرج إلينا من آلات النبيذ كل طريف [ظريف]، وأحضر من الأنبذة، كل شيء طيّب حسن.

وشربنا أقداحا يسيرة، ثم ضرب بيده إلى ستارة ممدودة، فإذا بجوار

خلفها، فقال: غنّوا، فغنّى الجواري اللواتي كنّ خلفها، أحسن غناء وأطيبه.

فلما توسّطنا الشرب، قال: ما هذا الاحتشام لأضيافنا أعزّهم الله؟

أخرجن، وهتك الستارة.

قال: فخرج علينا جوار لم نر قط أحسن، ولا أملح، ولا أظرف منهنّ، من بين عوّادة، وطنبوريّة، وكرّاعة، وربابيّة، وصنّاجة، ورقّاصة، وزفّانة، بثياب فاخرة وحلي، فغنّيننا، واختلطن بنا في المجلس والجلوس، وكان تجنّبنا أشدّ، وانقباضنا أكثر، وضبطنا أنفسنا أعظم.

فلما كدنا أن نسكر، ومضت قطعة من الليل، أقبل صاحب الدار علينا، وقال: يا سادة، إنّ تمام الضيافة، وحقّها، الوفاء بشرطها، وأن يقيم المضيف بحق الضيف في جميع ما يحتاج إليه، من طعام، وشراب [ ط]، وجماع، وقد أنفذت إليكم نصف النهار بالغلمان، فأخبروني بهافكم عنهم، فقلت: لعلّهم أصحاب نساء، فأخرجت هؤلاء، فرأيت من انقباضكم عن ممازحتهنّ، ما لو خلوتم بهنّ، كانت الصورة واحدة، فما هذا؟

قلنا: يا سيّدنا، أجللناك عن ابتذال من في دارك لهذا، وفينا من لا يستحلّ الدخول في الحرام.

فقال: هؤلاء مماليكي، وهنّ أحرار لوجه الله إن كان لا بدّ من أن يأخذ كلّ واحد منكم بيد واحدة منهنّ، ويتمتّع ليلته بها، فمن شاء زوّجته بها، ومن شاء غير ذلك، فهو أبصر، لأكون قد قضيت حقّ الضيافة.

فلمّا سمعنا هذا، وقد انتشينا، طربنا، وفرحنا، وصحنا، وأخذ كلّ واحد منّا واحدة، فأجلسها إلى جانبه، وأقبل يقبّلها، ويقرصها، ويمازحها.

فتزوّجت أنا بواحدة منهنّ، وغيري ممّن رغب في ذلك، وبعضنا لم يفعل.

وجلس معنا بعد هذا ساعة، ثم نهض.

فإذا بخدم قد جاءوا، فأدخلوا كلّ واحد وصاحبته، إلى بيت في نهاية الحسن والطيب، مفروش بفاخر الفرش، وفيه برذعة وطيّة سريّة، فبخّرونا عليها، ونوّمونا، والجواري إلى جنوبنا، وتركوا معنا شمعة في البيت، وما نحتاج إليه من آلة المبيت، وأغلقوا، وانصرفوا، فبتنا في أرغد عيش ليلتنا.

فلما كان السحر، باكرنا الخدم، فقالوا: ما رأيكم في الحمّام؟

فقد أصلح، فقمنا ودخلناه، ودخل المرد معنا، فمنّا من أطلق نفسه معهم فيما كان امتنع عنه بالأمس.

وخرجنا، فبخّرونا بالند العتيق، وعطّرونا بماء الورد والمسك والكافور، وقدمت إلينا المرايا المحلّاة.

وأخبرنا غلماننا، إنّ صورتهم في ليلتهم، كانت كصورتنا، وإنّهم أتوا بجواري الخدمة الروميّات، فوطئوهن.

فأقبل بعضنا على بعض، نعجب من قصّتنا، وبعضنا يخاف أن تكون حيلة، وبعضنا يقول: هذا في النوم نراه؟

ونحن في الحديث، إذ أقبل صاحب الدار، فقمنا إليه، وأعظمناه، فأخذ يسألنا عن ليلتنا، فوصفناها له، وساءلنا عن خدمة الجواري لنا، فحمدناهنّ عنده.

فقال: أيّما أحب إليكم، الركوب إلى بعض البساتين للتفرّج إلى أن يدرك الطعام، أو اللعب بالشطرنج، والنرد، والنظر في الكتب؟

فقلنا: أما الركوب فلا نؤثره، ولكن اللعب بالشطرنج والنرد والدفاتر، فأحضرنا ذلك، وتشاغل كلّ منّا بما اختاره.

ولم تكن إلّا ساعتين أو ثلاثة من النهار، حتى أحضرنا مائدة كالمائدة الأمسيّة، فأكلنا، وقمنا إلى الفرش، وجاء الغلمان المرد، فغمزونا، وغمزهم منّا من كان يدخل في ذلك، وزالت المراقبة.

وانتبهنا فحملنا إلى الحمّام، وخرجنا فتبخّرنا، وأجلسنا في مجلسنا بالأمس.

وجاء أولئك الجواري، ومعهنّ غيرهنّ، ممّن هنّ [ ط] أحسن منهنّ، فقصدت كلّ واحدة، صاحبها بالأمس، بغير احتشام، وشربنا إلى نصف الليل، فحملن معنا إلى الفرش.

فكانت حالنا هذه أسبوعا.

فقلت لأصحابي: ويحكم، أرى الأمر يتّصل، ومن المحال أن يقول لنا الرجل ارتحلوا عنّي، وقد استطبتم أنتم مواضعكم، وانقطعتم عن سفركم، فما آخر هذا؟

فقالوا: ما ترى؟

قلت: أرى أن نفاتش الرجل، فننظر إيش هو؟ فإن كان ممّن يقبل هديّة أو برّا، عملنا على تكرمته وارتحلنا، وإن كان بخلاف ذلك، كنّا معتقدين له المكافأة في وقت ثان، وسألناه أن يحضرنا من نكتري منه، ويبذرقنا، ورحلنا.

فتقرّر رأينا على هذا.

فلمّا جلسنا تلك العشيّة على الشرب قلت له: قد طال مقامنا عندك، وما أضاف أحد أحدا أحسن ممّا أضفتنا، ونريد الرحيل إلى مصر لما قصدناه، من طلب التصرّف، وأنا فلان بن فلان، وهذا فلان، فعرّفت نفسي والجماعة، وقد حمّلتنا من أياديك ومننك، ما لا يسعنا معه أن نجهلك، ويجب أن تعرّفنا نفسك، فنبث شكرك، ونقضي حقّك، ونعمل على الرحيل.

فقال: أنا فلان بن فلان، أحد أهل دمشق، فلم نعرفه، فقلنا: إن رأيت أن تزيدنا في الشرح.

فقال: جعلت فداكم أنا رجل قوّاد.

فحين قال هذا، خجلنا، ونكّسنا رؤوسنا.

فقال: [جعلت فداكم] ما لكم؟ إنّ لقيادتي خبرا، أظرف ممّا رأيتموه.

فقلنا: إن رأيت أن تخبرنا.

فقال: نعم، أنا رجل كان آبائي تنّاء تجارا، عظيمي النعمة والأموال، وانتهت النعمة إلى أبي، وكان ممسكا، مكثرا.

ونشأت له، وكنت متخرّقا، مبذّرا، محبّا للفساد، والنساء، والمغنّيات، والشرب، فأتلفت مالا عظيما من مال أبي، إلّا أنّه لم يؤثّر في حاله، لعظمه.

ثم اعتلّ، وأيس من نفسه، وأوصى، فدعاني، وقال:

يا بنيّ، إنّي قد خلّفت لك نعمة قيمتها مائة ألف دينار وأكثر، بعد أن أتلفت عليّ خمسين ألف دينار، وإنّ الإنفاق، لا آخر له إذا لم يكن بإزائه دخل، ولو أردت تمحيق هذا المال عليك في حياتي، أو الآن، حتى لا تصل إلى شيء منه، لفعلت، ولكنّي أتركه عليك، فاقض حقّي بحاجة تقضيها لي، لا ضرر عليك فيها.

فقلت: أفعل.

فقال: أنا أعلم أنّك ستتلف جميع هذا المال في مدة يسيرة، فعرّفني

إذا افتقرت، ولم يبق معك شيء، تقتل نفسك، ولا تعيش في الدنيا؟

فقلت: لا.

قال: فتحمل على رأسك؟

فقلت: لا.

[قال: فتحسن تتصرّف، وتكسب المال؟.

قلت: لا].

قال: فعرّفني من أين تعيش؟

قال: ففكّرت ساعة، فلم يقع لي إلا أن قلت: أصير قوّادا.

قال: فبكى ساعة، ثم مسح عينيه، وقال: لست أعيب عندك هذه الصناعة، فإنّها ما جرت على لسانك، إلّا وقد دارت في فكرك، ولا دارت في فكرك، وأنت تنصرف عنها [ ط] أبدا بعدي، ولكن أخبرني كيف يتمّ لك المعاش فيها؟

فقلت: قد تدرّبت بكثرة دعواتي القحاب والمغنّيات، ومعاشرتي لشرّاب النبيذ، فأجمعهم على الرسم، فينفقون في بيتي، ويعملون ما يريدون، وآخذ منهم الدراهم، وأعيش.

فقال: إذا يبلغ السلطان خبرك في جمعة، فيحلقون رأسك، وذقنك، وينادي عليك، ويتفرّق جمعك، ويبطل معاشك، ويقول

أهل بلدك أنظروا إلى فلان، كيف ينادى عليه، وقد صار بعد موت أبيه قوّادا.

ولكن إن أردت هذه الصناعة، فأنا أعلّمك إيّاها، وإن كنت لا أحسنها، فلعلّك تستغني فيها، ولا تفتقر، ولا يتطرّق عليك السلطان بشيء.

فقلت: إفعل.

قال: تحلف لي أنّك تقبل مني.

فحلفت.

فقال: إذا متّ، فاعمل على أنّك أنفقت جميع مالك، وافتقرت، وابتدئ فكن قوّادا ولك ضياع وعقار، ودور وأثات، وآلة وجواري وقماش، وخدم وجاه وتجارات، واعمد لكلّ ما في نفسك أن تعمله إذا افتقرت، فاعمله وأنت مستظهر على زمانك، بما معك، وجيها عند إخوانك، بمالك، واعمل على أنّك قد أنفقته، واجعل معيشتك ممّا تريد أن تحصّله إذا افتقرت، فإنّك تستفيد بذلك أمورا: منها: أنّك تبتدئ [أمرك] بهذا، فلا ينكر عليك في آخره، ومنها: أنّك تفعل ذلك بجاه وعقار وضياع وأحوال قويّة، فلا يطمع فيك سلطان، وإن طمع فيك رشوت، وبذلت من قدرة وجدة، فتخلّصت.

فقلت: كيف أعمل؟

قال: تجلس، إذا متّ، ثلاثة أيّام للعزاء، إلى أن تنقضي المصيبة،

فإذا انقضت، نفّذت وصيّتي، وتجمّلت بذلك عند الناس، وقضيت حقّي.

ثم تظهر أنّك قد تركت اللعب، وأنّك تريد حفظ مالك، مع ضرب من اللذة.

ثم تبتدئ فتشتري من الجواري المغنيات والسواذج، كلّ لون، ومن الغلمان المرد، والخدم البيض والسود، ما تحتاج إليه وتشتهيه، ودارك، وضياعك، وآلتك، [كما تحب في السرو والنبل]، كما خلّفته.

فإن احتجت إلى استزادة شيء، فاستزد، وتنوّق.

وعاشر من تريد أن تعاشره، من غير أن تدخل إليك مغنّية قيان، ولا من تأخذ جذرا.

وداخل الأمير، والعامل، وادعهما مرّة في كلّ شهر أو شهرين، وهادهما أيّام الأعياد، بالألطاف الحسنة، والقهما [في] كلّ أسبوع دفعة، واجتهد أن تعاشرهما على النبيذ في دورهما، والقهما بالسلام، وقضاء الحق.

واتّخذ في كل يوم مائدة حسنة، وادع القوم، ومن يتّفق معهم، وليكن ذلك بعقل وترتيب.

فإنّ ذلك أوّلا، لا يظهر مدة طويلة، فإذا ظهر، صدّق به أعداؤك، وكذّب به إخوانك، وقالوا: لعلّ هذا على سبيل المجون والشهوة، وعلى طريق التخالع، أو مسامحة الإخوان، وإلّا فأيّ لذّة له في ذلك وهو ليس

مخنّثا، ولا مجنونا، ولا [ ط] فقيرا فيحتاج إلى هذا، فيبقى الخلاف فيك مدّة أخرى، وأنت مع هذا، قد وصلت سلطانك، ولعلّ العشرة بينكما قد وقعت، فيستدعي مغنياتك، وتسمعهن في منزله، فيصير لك بمنادمته رسم، وجاهك مع إخوانك باق ببرّك وملاقاتك لهم، فهم يحامون عليك العاقل منهم، ويحافظ لك الآخر، فتصير في مراتب ندماء الأمير، وفي جملته، وتصير قيادتك كالتشنيع عليك، والعيب لك، وتخرج عن حدّ القوّاد المحض، الذين يؤذون دائما، وتكبس منازلهم.

قال: فاعتقدت في الحال، أنّ الصواب ما قاله.

ومات في علّته، فجلست ثلاثة أيّام، ثم نفّذت وصيّته، وفرّقتها كما أمرني، ثم بيّضت الدور، وهي هذه، وزدت فيها ما اشتهيت، واستزدت من الآلات، والفرش، وإلآنية، كما أردت، وابتعت هؤلاء الجواري والغلمان والخدم، من بغداد، ودبّرت أمري على ما قاله أبي، من غير مخالفة لشيء منه.

فأنا أفعل هذا منذ سنين كثيرة، ما لحقني فيه ضرر، ولا خسران،

وما فيه أكثر من إسقاط المروءة، وقلّة الحفل بالعيب.

وأنا أعيش أطيب عيش وأهنأه، والتذّ أتمّ لذّة [وأحلاها] مع هؤلاء الجواري، والغلمان، والخدم، ومن يعاشرني عليهم.

ودخلي بهم، أكثر من خرجي، ونعمتي الموروثة باقية بأسرها، ما بعت منها شيئا بحبّة فضّة فما فوقها.

وقد اشتريت من هذه الصناعة عقارا جليلا، وأضفته إلى ما خلّف أبي عليّ، وأمري يمشي كما ترون.

فقلنا: يا هذا، فرّجت والله عنّا، وأوجدتنا طريقا إلى قضاء حقّك.

وأخذنا نمازحه، ونقول: فضلك في هذه الصناعة غير مدفوع، لأنّك قوّاد ابن قوّاد، وما كان الشيخ ليدبّر لك هذا، إلّا وهو بالقيادة أحذق منك.

فضحك، وضحكنا، وكان الفتى أديبا، خفيف الروح.

وبتنا ليلتنا على تلك الحال.

فلما كان من الغد، جمعنا له بيننا، ثلاثمائة دينار من نفقاتنا، وحملناها إليه.

فأخذها، ورحلنا عنه.

النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.