من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
الحسن بن مخلد وبخله على الطعام
حدّثني أبو الحسين بن عيّاش، قال: حدّثني جحظة، قال:
ربحت بأكلة افتديتها خمسمائة دينار، وخمسمائة درهم، وخمسة أثواب فاخرة، وعتيدة طيب سريّة.
قلت: كيف كان ذلك؟
قال: كان الحسن بخيلا على الطعام، سمحا بالمال، وكان يأخذ ندماءه، [بغتة] فيسقيهم النبيذ، ويواكلهم، فمن أكل، قتله قتلا، ومن شرب عنده على الخسف، حظي عنده.
قال: فكنت عنده يوما، فقال لي: يا أبا الحسن، قد عملت غدا على الصبوح الجاشريّ، فبت عندي.
فقلت: لا يمكنني، ولكنّي أبا كرك قبل الوقت، فعلى أيّ شيء عملت أن تصطبح؟
فقال: أعدّ لنا كذا وكذا، ووصف ما تقدّم به إلى الطباخ بعمله، فعقدنا الرأي على أن أباكره.
وقمت، وجئت إلى بيتي، فدعوت طبّاخي، وتقدمت إليه بأن يصلح لي مثل ذلك بعينه، ويفرغ منه وقت العتمة، ففعل، ونمت.
[وقمت] وقد مضى نصف الليل، فأكلت ما أصلح، وغسلت يدي وأسرج لي، وأنا عامل على المضيّ إليه، إذ طرقتني رسله، فجئته.
فقال: بحياتي، أكلت شيئا؟
قلت: أعيذك بالله، انصرفت من عندك قبيل المغرب، وهذا نصف الليل، فأيّ وقت أصلح لي شيء؟ أو أي وقت أكلت شيئا؟ سل غلمانك، على أيّ حال وجدوني؟
فقالوا: والله، وجدناه يا سيّدنا وقد لبس ثيابه، وهو ذا ينتظر أن يفرغ له من إسراج بغلته، ليركبها.
فسرّ بذلك سرورا شديدا، وقدّم الطعام، فما كان فيّ فضل أشمّه، فأمسكت عن تشعيثه ضرورة، وهو يستدعي أكلي، ولو أكلت أحلّ دمي.
قال: وكذا كانت عادته، فأقول له: هوذا آكل يا سيّدي، وفي الدنيا أحد يأكل [ ط] أكثر من هذا؟
وانقضى الأكل، وجلسنا على الشرب، فجعلت أشرب بأرطال، وهو يفرح، وعنده أنّي أشرب على الريق، أو على ذلك الأكل الذي خلست معه.
ثم أمرني بالغناء، فغنّيت، فاستطاب ذلك، وطرب، وشرب أرطالا.
فلما رأيت النبيذ، قد عمل فيه، قلت: يا سيّدي، أنت تطرب على
غنائي، فأنا على أيّ شيء أطرب؟
قال: يا غلام، هات الدواة، فأحضرت، فكتب لي رقعة، ورمى بها إليّ، وإذا هي إلى صيرفيّ يعامله بخمسمائة دينار، فأخذتها، وشكرته.
ثم غنّيت، فطرب، وزاد سكره، فطلبت منه ثيابا، فخلع عليّ خمسة أثواب.
ثم أمر أن يبخّر من كان بين يديه، فأحضرت عتيدة حسنة سريّة، فيها طيب كثير، فأخذ الغلمان يبخّرون الناس منها، فلما انتهوا، قلت:
يا سيّدي وأنا أرضى أن أتبخّر حسب؟
فقال: ما تريد؟
قلت: أريد نصيبي من العتيدة.
فقال: قد وهبتها لك.
وشرب بعد ذلك رطلا آخر، واتّكأ على مسورته، وكذا كانت عادته إذا سكر.
فقام الناس من مجلسه، وقمت وقد طلع الفجر وأضاء، وهو وقت تبكير الناس في حوائجهم.
فخرجت كأنّي لصّ قد خرج من بيت قوم، على قفا غلامي الثياب والعتيدة كارة.
فصرت إلى منزلي، ونمت نومة، ثم ركبت إلى درب عون، أريد الصيرفي، حتى لقيته في دكانه، وأوصلت الرقعة إليه.
فقال: يا سيدي، أنت الرجل المسمى في التوقيع؟
قلت: نعم.
قال: أنت تعلم، أنّ أمثالنا يعاملون للفائدة.
قلت: نعم.
قال: ورسمنا أن نعطي في مثل هذا، ما يكسر في كلّ دينار، درهم.
قلت له: لست أضايقك في هذا [القدر].
فقال: ما قلت هذا لأربح عليك الكثير، أيّما أحبّ إليك، تأخذ كما يأخذ الناس، وهو ما عرّفتك، أو تجلس مكانك إلى الظهر حتى أفرغ من شغلي، ثم تركب معي إلى داري، فتقيم عندي اليوم والليلة، ونشرب، فقد- والله- سمعت بك، وكنت أتمنّى أن أسمعك، ووقعت الآن لي رخيصا، فإذا فعلت هذا، دفعت إليك الدنانير بما تساوي، من غير خسران.
فقلت: أقيم عندك.
فجعل الرقعة في كمّه، وأقبل على شغله.
فلما دنت الظهر، جاء غلامه ببغل فاره، فركب، وركبت معه، وصرنا إلى دار سريّة حسنة، بفاخر الفرش والآلات، ليس فيها إلّا جوار روم للخدمة، من غير فحل.
فتركني في مجلسه، ودخل، ثم خرج إليّ بثياب أولاد الخلفاء، من حمّام داره، وتبخّر، وبخّرني بيده، بندّ عتيق جيّد، وأكلنا أسرى طعام، وأنظفه، وقمنا إلى مجلس للشرب سريّ، فيه فواكه وآلات بمال.
وشربنا ليلتنا، فكانت ليلتي عنده [ ط] أطيب من أختها عند الحسن بن مخلد.
فلما أصبحنا أخرج كيسين، في أحدهما دنانير، وفي الآخر دراهم، فوزن لي خمسمائة [دينار من أحدهما، ثم فتح الآخر فإذا هو دراهم طريّة، فوزن لي منها خمسمائة درهم].
وقال: يا سيّدي تلك ما أمرت به، وهذه الدراهم هديّة مني.
فأخذتها، وانصرفت.
وصار الصيرفيّ صديقي، وداره لي.
النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع