من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
حامد بن العباس وبواب الوزير إسماعيل بن بلبل
حدّثني أبو الحسين، قال: حدّثني أبي، قال: سمعت حامد بن العباس يقول:
ما في الدنيا أضرّ على الإنسان من مداجاة العدوّ، وينبغي أن تشهر ما بينك وبين عدوّك، حتى لا يقبل قوله فيك.
قال، وسمعته يقول: ربما انتفع الإنسان في نكبته بالرجل الصغير، أكثر من منفعته بالكبير.
فمن ذلك: أنّ إسماعيل بن بلبل، لما حبسني، جعلني في يدّ بوّاب، كان يخدمه قديما، قال: وكان رجلا حرّا، فأحسنت إليه، وبررته، وكنت أعتمد على عناية أبي العباس بن الفرات.
وكان البوّاب قديم الخدمة لإسماعيل، يدخل إلى مجلس الخاصة، ويقف بين يديه، فلا ينكر ذلك خدمه عليه، لسالف الصحبة.
فصار إليّ في بعض الليالي، فقال: قد حرد الوزير على ابن الفرات، وقال له: ما يكسر المال على حامد غيرك، ولا بد من الجدّ في مطالبته بباقي مصادرته، وسيدعو بك الوزير في غد إلى حضرته، ويهدّدك.
فشغل ذلك قلبي، فقلت له: فهل عندك من رأي؟
فقال: اكتب رقعة إلى رجل من معامليك، تعرف شحّه، وضيق نفسه،
والتمس منه لعيالك ألف درهم يقرضك إيّاها، واسأله أن يجيبك على ظهر رقعتك، لترجع إليك، فتخرجها، فإنّه لشحّه وسقوطه، يردّك بعذر، واحتفظ بالرقعة، فإذا طالبك الوزير، أخرجتها إليه، وقلت:
قد أفضت حالي إلى هذا، وأخرجتها على غير مواطأة، فلعلّ ذلك ينفعك.
ففعلت ما قاله، وجاءني جوابه بالردّ، كما حسبنا، فشددت الرقعة معي.
فلما كان من غد، أخرجني الوزير، وطالبني، فأخرجت الرقعة، وأقرأته إيّاها، ورقّقته، وتكلّمت، فلان واستحيا، وكان ذلك سبب خفّة أمري، وزوال محنتي.
فلمّا تقلّدت في أيّام عبيد الله بن سليمان، سألت عن البواب، واجتذبته إلى خدمتي، فكنت أجري عليه خمسين دينارا كل سنة.
وهو باق معي إلى الآن.
النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع