من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
عامل مصروف يختبىء في قدر هريسة
حدّثني أبو الحسين، قال: حدّثني أبي، عن جدي عبد الله بن هشام، قال: حدّثني يحيى بن عبد الله الكسكري، قال:
كنت أكتب لابن البختري الأصغر على مصر، فصرف بسليمان بن وهب، وخرج معه ابنه عبيد الله - وكان يخلفه عليها-.
فجلس العامل ابن البختري لرفع حسابه، وتخلّوا لنظم الحساب، وكنت أغدو وأروح إلى سليمان، أعرض عليه ما أعمل.
وكان قد وكّل بابن البختري، قائدا من قوّاد مصر، معه عدّة من الفرسان، والرجّالة، والغلمان، وكان ابن البختري يقيم لهم الطعام الواسع.
وحضر المهرجان، فتقدّم بأن تحضر قدر النبيذ، وتعمل فيها الهريسة، في الدار التي كان فيها معتقلا.
وكان قصيرا ضئيلا، فجاءوا له بالقدر، وطبخ فيها الهريسة، في جملة الطعام، وأكل الموكلون، وشربوا، وسكروا.
وأعمل هو الحيلة، فجلس في القدر، وغطّيت عليه، وأخرجت، ولم يعرفوا خبره، حتى طلبوه لمّا أفاقوا، فلم يجدوه.
قال يحيى بن عبد الله: ولم أكن أنا عرفت الخبر، فبكّرت إلى سليمان،
على رسمي، فوجدت عبيد الله جالسا، متشاغلا بطلبه، وقد ضجّ، وهو يقول: أيّ شيء أقبح من أن يتّصل بالخليفة، أنّا عجزنا عن حفظ العامل المصروف، فيقال فينا: كيف يحفظ هؤلاء الأموال، والأعمال، مع عجزهم عن حفظ محبوس؟ وجعل يضرب الناس في التقرير عليه.
وأمر بالقبض عليّ، لمّا رآني، فقلت له: أعزّك الله، لو كان عندي علم بالخبر ما جئتك، قال: فصدّق قولي، وكان حضوري سبب خلاصي.
قال: ووقع في يده وكيل نصرانيّ لابن البختري، يتوكّل في مطبخه، وكان نبطيّا، وقيل له: إنّه لا يجوز أن يخفى عليه خبره، فجعل يضربه.
وكان في المجلس سليمان بن وهب، وأصحاب البرد والأخبار، والناس بأجمعهم.
وكنت أحسن النبطيّة، ولم يكن عبيد الله يحسنها.
فلما حمي الضرب على الوكيل، كاد أن يقرّ على موضع ابن البختري، ففهم ذلك سليمان، ولم يحب أن يأمره بالإنكار، فيكتب بالخبر، وأراد أن يسلم المنكوب، سلوكا لمذهب الناس قديما، في طلب السلامة، بالإبقاء على أعدائهم.
قال: فقال للمضروب كلاما بالنبطية، تفسيره: لا تقرّ، فإنّ الإقرار مثل القير لا ينقلع.
قال: فتصبّر الرجل على الضرب، ثم قال سليمان لعبيد الله: إلى كم تضرب هذا البائس؟ لو كان يعرف شيئا لقاله، اقطع عنه الضرب، لا يتلف، فتدخل في دمه.
قال: فرفع الضرب عنه، وأطلق من يومه، وأفلت المستتر.
النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع