من «دمية القصر وعصرة أهل العصر» لعلي بن الحسن الباخرزي (ت ٤٦٧هـ)
أبو منصور عبد الرزاق بن الحسين البوشنجي
غرّة جبن ناحيته، وطراز كمّ بلدته. [من] لم أر مثله في فنّه وأسلوبه، وغزارة سجله وذنوبه، وكأن فضله اعتذار الدهر عن
ذنوبه. وكان بباخرز في جملة الشيخ أبي نصر أحمد بن الحسين مدة، وأقام عنده حينا من الدّهر، يزوّجه عرائس خواطره، ويرتزق من المهر.
وأنا يومئذ صبيّ غرّ، وأيامي بمجالسة الفضلاء محجّلة غرّ. ووالدي، رحمة الله عليه، في الأحياء، وحياة الآباء من أمتع الأشياء، سقى الله تلك الأيام، ولا أدري ما الّذي ألوى بها، فما ألوى؛ أطارت بها العنقاء أم سبقت جلوى ؟. وانتقل هذا الفاضل من جوارنا، بعد الواقعة بالشيخ أبي نصر [إلى زوزن]، واختلط بالفضلاء المرتبطين بحبالة الشيخ أبي القاسم عبد الحميد بن يحيى، ﵏، لهم عامة/ وله خاصة ما شاؤوا من معايش
خضر ونعم بيض ونعم حمر. ثمّ انقطع عن زوزن رفقه ورزقه، فسار يطوي البلاد طيا، ولا يهدا [ليلا ونهارا] حتى أناخ بعقوة الأمير أبي الأسوار بطنجة. وما زال بها يتصرّف على عمل القضاء إلى أن أدركه سوء القضاء. فدفن بها، رحمة الله عليه. له شعر غلبت عليه الصّنعة حتى خفّت رقّته، وجفّت ريقته. فمما أنشدنيه لنفسه قوله، من قصيدة، يمدح بها الشيخ أبا نصر أحمد بن الحسن، ويفضّله بها على الشّمس وهي:
وما اسم الشمس [ليس الشمس] إلاأبا نصر فصنه عن اشتراك
تودّ الشّمس لو تمسي شراكالنعليه وطوبى للشّراك
أيا شمس الضّحى، شمس المعاليأبو نصر فردّي من ضحاك
وذلك في التصرّف ذو اختياروإنّك من بروج في اشتباك
وذلك مشرق في كلّ وقتوإنّك من غروب في التباك
وذلك ضاحك أبدا بجودوجوّك ليس يمطر غير باك
وذلك مستنير في نفوسوأنت منيرة بين السّكاك
وذلك في الحراك على سكونوأنت بلا سكون في الحراك
[وذلك في حراه كلّ فضلولست أنال فضلا من حراك]
وذلك أحمد السادات ليثوأنت غزالة، فمتى تحاكي؟
أبا نصر نوّر الشمس واظهروخلّ الشّمس في سمك السّماك
وأنت تواضعي يا شمس ذلّالرفعة أحمد فلقد علاك
وله فيه أيضا من قصيدة أولها:
سقيا لدارك من جفني ومعهدهاوشادن لم يقصّر في تعهّدها
/
وظبية آنستني فانثنت وثنتقلبي بأبرح أسقام وأجهدها
تنهّدت ثم ولّت أي لمعتبةنفسي فداء عتاب في تنهّدها
وظبي إنس فقل في الظّبى وا بأبيأصداغه إذ تلوّت في تعقّدها
تبوأت مرقدا من وردتيه علىديباجتيه فيا طوبى لمرقدها
رنا وأجلى وأضحى كالمهاة فمنلفهم معنى مهاة أو تفقّدها؛
أضحى كشمس وأجلى بالضّواحك عنبلّورة، ورنا عن عين فرقدها
قلت: انظر كيف أثار هذه المعاني من المهاة، وهي لغة تتضمن عدة
معان، وهي الشمس والبلّور وبقر الوحش، فردّها إلى المعشوق بثلاثة أوصاف مع مراعاة الترتيب في التقسيم. ومنها في المدح:
إذا تبسّم للعافين ليل ندىفالصّفر تعبس ضربا من مجرّدها
وإن تعبّس للعاصين يوم ردىفالبيض تضحك) ضربا من مجرّدها
يذيب بالخوف أكباد العداة كماتذوب من حرقة أكباد خرّدها
وليس تلهيه كأس في تورّدهاعن نفس قرن لكأس في تورّدها
أحبابه كعلاه في تورّدهاأعداؤه كلهاه في تشرّدها
ومنها يعدّد ذكر الحرب:
قتّال أقتلها فرّاس أفرسهاغلّاب أغلبها صيّاد أصيدها/
فلا نتيمه خود بمطرفهاإذا رأى الخود في حرب بمطردها
ولم أسمع في العذار أحسن مما أنشدنيه لنفسه [وهو]:
قد كان في نوره نهارافزيد ليلا من العذار
فأين منه وهل مفرّلنا من الليل والنهار؟
ومن غزلياته الرقيقة قوله:
فو الله ما فارقت عهدة عقدهوو الله ما حلّلت عقدة عهده
وإني على هجرانه عبد ودّهفمن لي بمولى يرتضي ودّ عبده؟
وأنشدني لنفسه أيضا:
أتاني حبيبي بعد طول ازورارهوقال: فمي ذقه فريقته قهوه
فقلت له: مولاي صدغك أشتهيفقال: هنيئا لا خصومة في الشّهوه
ومن نتفه المليحة:
حديث له حلو بماذا أقيسه؟فقد جاز حدّ (الفهم والوهم) والصّفه
وهل ينبغي إلا كذاك، مقالةتمرّ (بذاك الرّيق والثغر) والشّفه؟
وله في مجلس الأنس بديهة، بين يدي الشيخ أبي نصر أحمد بن الحسين [رحمهما الله]:
غدا نكون معا، يا طيب شرب غدفي خير أنس وأهنا عيشة رغد
إذا تبسّم نحوى الراح عن دررعرفت من ضحكها بشرى بشرب غد
وله في وصف الساقي والخمر وهو من بدائعه:
/ ساق إذا رأت الصّهباء مبسمهتعرّقت حببا من شدة الخجل
وأنشدني قول الوأواء الدّمشقيّ:
وأسبلت لؤلؤا من نرجس وسقتوردا وعضّت على العنّاب بالبرد
فأنشدني لنفسه ما زاد عليه فيه وهو:
جنى بنفسجة من ورده عنموصبّ درّا على الياقوت من سبج
وقال بهجو:
لمت زيدا على خمود الحميّهفتلظّى من شدة العصبيّه
قال: لو كان في الحميّة خيرلم تسمّ الحميّة الجاهليّه
وله أيضا يهجو:
أبو سعيد شكل بطّيخةولو غدا بطّيخة لم يشن
فهو ثقيل لزج أشقرمشقّق السّفل غليظ خشن
وله بديهة في مجلس الأنس يشتهي القارص ويقترحه على المضيف:
عجّل به من قارص قارسبالله ما أشهاه من قارص!!
كم ماضغ إصبعه بعدهتمطّقا منه وكم قارص!
وله وقد حيّاه [بعض الملاح بريحانة]
ريحانة حيّا بها أجيدكصدغه بل صدغه أجود
معنبر تقبيله أصهبممسّك تجعيده أسود
/ وله بديهة في الشّيخ أبي نصر أحمد بن الحسن:
أبا نصر اسعد في وفاق من العلافأيّ فؤاد في خلافك لم يخب؟
وأيّ منى حاولت بالله لم تكن؟وشيء سألت الله في الوقت لم يجب؟
النص من طبعة دار الجيل ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع