من «دمية القصر وعصرة أهل العصر» لعلي بن الحسن الباخرزي (ت ٤٦٧هـ)
الأديب أبو القاسم أسعد بن علي البارع
هو البارع حقا، الوافر من البراعة حظا. وقد اكتسب الأدب
بجدّه وكدّه، وانتهى من الفضل إلى أقصى حدّه. ولفّتني إليه نسبة الآداب، ونظمتني وإيّاه صحبة الكتّاب، وهلمّ جرّا إلى الآن.
وقد ارتدينا المشيب، وخلعنا برد الشّباب ذلك القشيب. ولا أكاد أنسى، وأنا في الحضر حظّي منه في السّفر. وقد أخذنا بيننا بأطراف/ الأحاديث، ورسنّا المطايا بأجنحة السّير الحثيث، حتّى صرنا معا إلى العراق، ونزل هو من فضلائه بمنزلة السّواد من الأحداق، وعنده توقيعاتهم بتبريزه على الأقران، وحيازته قصبات الرّهان. وأنا على ذلك من الشاهدين، لا أكتم من شهادتي دقّا ولا جلّا، بل أعقد بها صكّا، وعليها سجلّا «ومن يكتمها فانّه آثم قلبه »، وعازب لبّه.
فممّا أنشدني لنفسه من قصائده قوله في السّيّد الأجلّ شرف السادة، أبي الحسن البلخيّ، [ومن أنشد الشّعر بين يديه فلا مزيد في الجرأة عليه]:
بدا ابن جلاحين ليلي انجلىوقد جلّ للصّبّ خطب الجلا
فلا تعذلاه على حبّهبأن يرعوي عنه، لا تعجلا
فقد راقه رشأ أكحلوقد يقنص الرّشأ الأكحلا
سلا عن هواه فلمّا رأىسلاسل أصداغه ماسلا
عليه تمائمه كالحليّ ما حلن عن جيده محولا
بحيث المناصب في حلّتيه لم تعد [من] بعد مستبدلا
ترعرع كالشّبل في غيلهولم يشك مرضعة مغيلا
ويسأل والده: أيّناعلى غرث منه كيف الطّلا؟
فديت سليمى وكم قد كنيت عنها بخود ولم أعدلا
وإني لأعرض عن ذكرهاحذار رقيب به أبتلى
إذا التفتت بين أترابهاأراك الأراك بها مغزلا
إذا ما نبا منزل بي حملنقلاقل عيش به قلقلا
/
نفى وقد وجدي برد الشتاءفلم أحفل الصّبر والمجهلا
بلغت على الريح بحر السّماحبقطع الجبال وجوب الفلا
أبا الحسن الهاشميّ الأجلّفتى يهشم المال لا المأكلا
عشوت إلى ناره واصطفيتسنا المصطفى لا سنى المصطلى
سميّ النبيّ كنيّ الوصيّوهل فوق أصليهما معتلى؟
[هم ما لأولهم آخرغدا كلّهم في السّنا أوّلا
عماد الممالك تاج لهمبعليائه هامهم كلّلا
لقد صادفوا علمه فينقاكما وجدوا حكمه فيصلا]
ومنها:
يدلّ على كلّ ذي رتبةوقد ذخر الشّرف الأجزلا
بمنظومه وبمنثورهبدرّ غلا وبدرّ جلا
ولا تحفلوا من دنا أو نأىإذا شهد السّيد المحفلا
هلال السماء اشتهى أنّهبه كان مركوبه منعلا
مناقب مولاي ملء الزمانفلا تحسبوهنّ ملء الملا
له السّؤدد العدّ والمكرماتيودّ لها النجم أن ينزلا
ليحسب من عقدها لؤلؤاويكسى بها الخطر الأنبلا
ذليق البنان كحدّ السّنانله مقول مشبه معولا
يجادله الخصم عن رأيهكما جادلت حجل أجدلا
فتى رأيه صائب صائديردّ الظّبى والقنا الذّبّلا
أعدّ العدا لقناه الكلىكما هيّأوا (لظباه الطّلى
ومنها:
إذا خوّفتك جنود العدافخذ رأيه واترك المنصلا
يصول على القرن من ذروةكما انقضّ جانبه من علا
/لو أنّ السّماكين باتا لديهلما غلب الرامح الأعزلا
سقى الله أيامنا في هراةفقد كنّ أقصر من لا ولا
بها شرف السادة انتاشنيألا هل معيد لماض ألا؟
وله من أخرى نظامية:
هنيئا لصدر أنت ممّن تجانسهوطوبى لملك أنت ممّن تجالسه
حويت المعلّى في المعالي وإنّمالكلّ وزير حاول المجد نافسه
إذا ما لبست الملك بالرأي راتقاملابسه ارتاحت عليك ملابسه
سحبت على أرض النّدى مطرف العلاوما حاز إلّا الهدب منك مخالسه
تعجّبت من سوط وأنت تمسّهبكفّك لم يورق بكفّك يابسه
وله من اخرى نظاميّة أوّلها:
لآلىء دمعي من فراق الكواعبفلم هي في أفواهها والتّرائب؟
ومنها:
وفيهنّ طاووس الحسان بحسنهاوألحانها تزري بلحن لعنادب
إذا جسّت الأوتار مسّت بأنمللطاف حكت عقدا أنامل حاسب
لها بمناط القرط صدغ مقصّفكما انعطفت في مهرق نون كاتب
ومنها:
وهنّ بعيدان الأراك أعرننيصواقل أمثال القطار السّوارب
حمائلها راح الغواني وإنّمامشاربها منها مجاج المشائب
ومن افتخاراته العالية قوله:
وإني من القوم الذين إذا (سروالغزو) تراع الأرض من شدّة الركض
وإنّ لحوم الوحش حشو قدورناإذا لاحمت أحشاؤها شحمة الأرض
/ومن مقطّعاته الّتي أنشدنيها قوله:
قمر سبى قلبي بعقرب صدغهلمّا تجلّى عنه قلب العقرب
فأجبته: ألديك قلبي؟ قال: لالكن قلبك عند قلب العقرب
وقوله:
حبّذا عيش مضى ليفي مغاني الغانيات
وجوار ساقياتوسواق جاريات
وقيان فاتناتبجفون فاترات
راقصات راقياتلهمومي راقيات
وقوله في معنى لم يسبق إليه:
وعجوز تتغنّىطمعا أن تتعشّق
تتغدّى في غداءوعشاء ألف جردق
إن جسما كجريرلا يقوّيه الفرزدق
النص من طبعة دار الجيل ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع