من «دمية القصر وعصرة أهل العصر» لعلي بن الحسن الباخرزي (ت ٤٦٧هـ)
الشيخ الرئيس الأديب أبو جعفر محمد بن أحمد المختار
مختار في أدبه كلقبه، وقّاد الخاطر يتلسّن لهبه، متحلّ في
عنفوان شبابه بفنون آدابه، مقطوع على مقدار قامته الظّرف من الفرّق إلى القدم، منادم لا يقرع عليه نديمه سنّ الندم. يلعب ببيادق النّرد مع الأحباب لعب الغدران يوم المطر بالحباب. ويتصرّف على حكم أنامله دوران الكعاب، ثمّ إذا انتقل منها إلى الشّطرنج، غلب الحرّيف بلعب أبدع إنشاءه، وأمات شاهه في أيّ بيت شاءه. وله شعر مرضيّ اليوم، مرجوّ الغد، كأنّه لباس العافية في ظلال الرغّد، واختصاصه بي اختصاص الولد بأبيه. وهو بحمد الله عند ظنّي به، وفراستي فيه، والناس يعدّونه من رماة مدرتي، والحاملين لعرشي، والمؤمنين بعرشي وهو لا يأبه لذلك ويقول: بلى أنا هنالك. (وقد استهديته) من أشعاره، ما يليق بهذا الكتاب، فكسر لي جزءا على/ خطّه الموشّى، ولفظه الذي لو مشى مع الراح في العروق لتمشّى مثل قوله في خدمته النظاميّة، ومدحته القواميّة:
سلام على تلك المعاهد بالحمىوإن عجمت عن أن تجيب مسلّما
ديار عليها للتّقادم ميسموعهدي بها للحسن والطّيب موسما
أذلت ذيول العشق في عرصاتهاوصنت الهوى عن أن ينال محرّما
منازل غزلان أطعت بها الصّباوكان الهوى فيها عليّ محكّما
وقفت عليها للأسى غير مالكأحاكي بإسبال الدّموع متمّما
ويمّمتها من بعد عهد فذكّرتعهود غرور غادرتني متيّما
ولست وإن أحببت من كان بالحمىأعقّ حبيبا بالعقيق مخيّما
بنجد وغور والعذيب وبارقهواي تجزّى والفؤاد تقسّما
بكلّ مكان (لي هوى غير أنّ بيوفاء حمى قلبي لساكنة الحمى
هنالك حب لاط بالقلب في الصّبافما زاده الأيّام إلّا تضرّما
قلت: قد نسب هذا الفاضل إلى حبّه اللواط فتجرّم. وأظنّ حبّه اللّوطيّ لم يبزق قلبه متضرم. ولا غرو أن يضرم تمزيق لم يعالجه تبزيق، معذرة منّي إليه، فيما مخرقت عليه. وقد كان عليّ، وفيه دعابة، وأنا عليّ، وإن لم أكن من الصّحابة، وفي المثل السّادرة: ولو على الوالدة. ومن النوادر ما يكون شرّا، ومن نار جهنّم أشدّ حرّا، ومنها ما يكون هزلا، ومع الحديث غزلا، وهذه من تلك، وللكلام غصون، وللحديث شجون، ولا بدّ من تصريح/ عقب تعريض، وتصحيح عقب تمريض، وإحماض قفاء تحميض، صيانة للخواطر من الكلال، والمسامع من الملال. عاد الشّعر:
وما أنا بالنّاسي مودّة أهلهاوإن نقضوا العهد الذي كان مبرما
ولا يأس من روح الوصال وإن نأواعسى وطن يدنو بهم ولعلّما
تعقّبهم قلبي وأعقب في الحشاعلائق حبّ من عقائل كالدّمى
لئن حال ذاك الربع بعد قطينهوأصبح من بعد الفصاحة أعجما
فيا ربّ لهو كان فيه وعيشةقنصت بها اللّذات فذّا وتوأما
ومن مقطّعاته ما كتب به إلى أخيه الشّقيق الشّفيق، والصّديق الصّدوق، هكذا وجدته بخطّ الشيخ أبي ابراهيم اسماعيل بن غصن، رحمة الله عليه:
سقاني تحت غصن الورد ورداكمسبوك النّضار مع ابن غصن
غزال لو يباري البدر أربىعلى البدر المنير بألف حسن
فرمت وقد شربت الكأس نقلافقال، وقد زوى شفتيه: بسني
وله في الحنين إلى أصدقائه بخواف:
بالله يا راكبا يزجي مطيّتهبلّغ سلامي بلغت النّجع والرّشدا
بأرض خواف أحبّائي وقل لهم:نسيتموني، ولا أنساكم أبدا
وله في الشّكوى:
ما للأقارب آذتني عقاربهموعيّروني الحجا والعلم والفطنا؟
إذا أساءت ذوو القربى مجاورتيكنت القريب وإن لم أهجر الوطنا
/ليالي بات الوصل للأنس موقظاوباتت صروف الدّهر عنهنّ نوّما
تراضعني سعدى سلافة قهوةتضوّع مسكا في الاناء مختّما
إذا ما شربت الكأس وارتدت قبلةتعين عليها، قرّبت لفمي الفما
وإن تركتني سورة الكأس عابساأهاب لظاها سوّغتها تبسّما
وتلقي أحاديثا كمعسولة المنىفأسرد منها سمط درّ منظّما
لأجعله يوما (نسيب قصيدةألاقي بها الشيخ الأجلّ المعظما
ومنها:
وزيربه شدّ الممالك أزرهاوعاد به منآدها متقوّما
وجلّت ظلام الظّلم أضواء عدلهألا فتأمّل هل ترى متظلّما؟
ومنها:
إذا فوّق التّدبير صائب رأيهعلى مشكل قد رام أقصد ما رمى
فأين ابن وهب فليقم ير عندهمصابيح رأي تزهر الليل مظلما
وليت ابن قيس أحنف الحلم لم يمتليبصر حلما يستخفّ يرمرما
ولو طيّىء راءت) (سماحة بيتهطوت ذكر جود في عديّ بن أخزما
تندّى سحابا وانتدى شمس ضحوةوطال قطاميّا وأقدم ضيغما
ووقّع معصوما وقال مسدّداوعامل مرضيّا وفكّر ملهما
قلت: أبصر البينين كيف تعادل أوزانهما، وتناصف أقسامهما، وتناسب كلامهما؟:
ورام بأرض الرّوم أن يظهر الهدىفأشعله فيها حريقا مضرّما
قلت: ما أحسن ما جعل إحراق ديار الرّوميّة، سببا لإشراق الملّة الحنيفيّة، وكفى لدين الإسلام أن يشتهر اشتهار النّيران على الأعلام:
/ فمن صمّ عن حقّ وأعوج عن هدىأزار وريديه الأصمّ المقوّما
وقد شاهد السلطان أنوار رأيهفأطلعها في ظلمة الكفر أنجما
هو النّجم يوما يستضاء بنورهويوما يرى في حومة الحرب مرجما
ويسعد من والى رضاه بيمنهويشقى أعاديه، كذا النجم في السّما
[إذا نديت كفّاه كفّ ندى الحياحياء وأمسى مرزم القطر مرزما]
ومنها:
سريت اعتسافا والنّجوم أدلّتيإلى حيثما وجّهت وجهي وأينما
تلوح لي الجوزاء جوز سمائهاكأنّ لها في آل اسحق منتمى
أولئك قوم شرّف الله ذكرهمبهذا المرجّى ما أبرّ وأكرما!!
بقيت نظام الملك للدّين عصمةوللمجد والعلياء كفّا ومعصما
/وله، وهو من ملحه:
قلت لها: (لا تمنعي قبلةتشفي سقام النفس ياقوتها
فغمّضت من عينها مؤخراورصّعت بالدّرّ ياقوتها
وله [أيضا]:
ما في جناني لجنّ الشّعر من سفهولي عن الهجو للأعراض إعراض
الهجو طيش يليه طبع ذي هوجوالعقل للمرء عند الطّيش روّاض
النص من طبعة دار الجيل ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع