من «دمية القصر وعصرة أهل العصر» لعلي بن الحسن الباخرزي (ت ٤٦٧هـ)
الشيخ الرئيس أبو نصر المساح القائني
]
قلت: والرئيس أبو النصر هذا [كان] من أفراد الدّهر، وآحاد العصر. ونثره على النّثرة، ونظمه على النجم. وأعارني الأديب يعقوب ابن أحمد ديوان أشعاره، وقيّد ناظري بسلاسل ريح الفضل على أنهاره، وأطمعني تفتّح أنواره في اجتناء الدّواني من قطوف ثماره، ورتعت من جنّاته بين روضة وغدير، وظلت من طيّباته في ظلّ عيش غرير والتقطت منه لديواني هذا ما يبقى على الأيّام أثره، ويحلو بأفواه الرّواة ثمره. فمنها قوله:
سقى الله أياما لنا وليالياأعانق فيها جيد خالي خاليا
لقد كنّ في صدر الزّمان بحسنهاصدارا، وفي سلك اللّيالي لآليا
وكنّ لوجه الدهر خالا فأقبلتحوادث ردّته عن الخال خاليا
تصرّمت الأسباب إلا تذكّرالبهجة أيام مضين خواليا
وهذا صنيع الدّهر بين أولي النّهىإذا لم يكلّفهم قلى فتقاليا
عليّ زمان ليس لي ليتني أرىطلوع زمان لا عليّ ولاليا
وله من أحسن ما قيل في معناه:
تركتك لا شكر لديّ ولا شكوىولاعتب فيما قد فعلت ولا عتبى
إذا لم يكن عندي لمثلك منّةفلله فيه عندي المنّة العظمى
/ وله من خمريّة:
من ذهب ذا المدام أم عنب؟من عنب فهو سيّد الذّهب
الكرم أصل وفرعه كرمأما ترى كيف حكمة العرب؟
عليك بالرّاح فهي رائحةلكلّ روح براحة عجب
قلت: وقد زاد الأجلّ شرف السادة في خمريّة له على هذا التّجنيس فقال:
أرى الراحة في الرّاحإذا راحت على الرّاح
ولابن الرومي تصرف عجيب في المعاني المشتقّة من الراح حيث يقول:
والله ما أدري لأيّة علّةيدعونها في الرّاح باسم الرّاح
ألريحها أم روحها تحت الحشاأم لارتياح نديمها المرتاح؟
رجع شعر الرئيس أبي نصر فقال يصف الخمر:
وقهوة تضحك في الإناءوتخطف الأبصار بالّلألاء
جاءت بها ساحبة الرّداءكالشمس في ظرف من الهواء
أعجب (بظبي من بني حوّاءيحمل نارا من بنات الماء
وله في الحكمة والموعظة:
لا تحكمنّ على الرّجال تعسّفافتشوب خالص فضّة برصاص
صدف اللآلي (كامن ما) عندهحتّى تشقّقه يد الغوّاص
وله:
راع الكلام فما كلّمت مألكةتملى على ملك يأتي به الملكا
واردد هواك إذا لجّت جوامحهبالنفس إنّ من اختار الهوى هلكا
وقوله:
إنّ الفتى كلّ الفتى من لم يذعأسرار يوم الودّ يوم خلاف
/
فعليك بالأفضال ثمّ إن التوتأسبابه فعليك بالانصاف
وله من قصيدة:
خطوب اللّيالي للرّجال قوالبقوالب إلّا أنّهنّ قوالب
لها كتب في كلّ قلب فان وعىلهنّ وإلّا شيّعتها كتائب
زمان تقول: المرء يسمع ذكرهعجائب حتّى ليس فيها عجائب
ويستدرج الانسان في شخص لاعببه وهو بالسّمّ المثمّل لاعب
ومن عشق الدّنيا قلته ولم يزلله خاطب في منبر الذّلّ خاطب
ومن يستفد بالذّلّ عزا فانّمافوائده أمست وتلك مصائب
ولم يغن علم المرء إن قلّ عقلهوقلّ غناء العلم لولا التّجارب
وله من خمريّاته [عفا الله تعالى عنه]:
قالوا، الرحيق وصحّفوافهي الحريق على الحقيقه
أطيب بها لا سيّماإن مازجتها منك ريقه
يا شمس قبل الشّمس أدركني بها من غير نيقه
فعليّ في طيب الصّبوحلمن ينادمني وثيقه
ولمقلتيك ضمانةولظرف قامتك الرّشيقه
وله يهجو أيضا [ثقيلا]:
عجبا لأرض الله كيف تحمّلتثقل المعلّى وهو منها أثقل
وكأنّما خلق الفتى وتدا لهاحتى تقرّ به فلا تتزلزل
وله في الهجو أيضا:
أبو عبد الاله بكلّ حاللنا خلّ من الخلّ اشتقاقه
وفي أقطار همّته اتّساعولكن ضاق من دوني نطاقه
/ وقد أنكحته ودّي ولكنجميع مراده أبدا طلاقه
وله:
فارقت تلك الغانيات وربّمادفع الرّضيع إلى فراق المرضع
ولربّ حوت كان يألف مشرعافدعته نائبة لترك المشرع
طفت البلاد وعدّتي من مهجتيفيما أطوف ومطعمي من أضلعي
ولبست كمت الحادثات وبلقهاحتّى كأنّي لابس لمرقّع
النص من طبعة دار الجيل ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع