من «دمية القصر وعصرة أهل العصر» لعلي بن الحسن الباخرزي (ت ٤٦٧هـ)
أبو القاسم الحسين بن عبد الله الفراء
فضلاء قائن قد أقرّوا عن آخرهم، على كثرة مفاخرهم، أنّ طبقاتهم جميعا تلامذة هذا الفرا، كما أنّ كلّ الصّيد في جوف الفرا.
والتقيت به مرّات في مجلس الرّئيس أبي القاسم بن أبي نزار فوجدت تفنّنه في العلوم كقطع الرّوضة الغّاء، تروق العيون بالحمراء والصّفراء، وتجلو عن القلوب ما ران عليها من السّوداء، ويمنّ على المستفيدين باليد البيضاء. وكان آخر عهدي به في الوقعة الياقوتيّة بقائن، وكأنّي به وقد حمل مقرّنا مع الاسار في الأصفاد، مخلخلا بثقال الأقياد، أعلاه وحاشا آذان السّامعين في الوهق، وأسفله، بعيدا من وجوه الحاضرين، في الدّهق. ثمّ احتال له أبو القاسم العارض،
رحمه الله، حتّى تملّس من أيدي أولئك الظّلمة، بعد ما عصبوه عصب السّلمة، وتوارى بذيل خيمة الشّيخ أبي الحسن عليّ بن محمد ابن عيسى البركزدريّ، رحمة الله عليه، كالفار سدّت عليه مندوحة القاصعاء، فأمسك بالنّافقاء. وكان في قيد الحياة إلى هذه الغاية. ونعي إليّ فعزّ نعيه عليّ، ﵁ وأرضاه، وجعل الجنة متقلّبه ومثواه. وليس يحضرني من شعره إلّا قوله من خمريّة:
وكأس كلون الأرجوان شربتهاعلى رغم لاح أو عذول مفنّد
/
إذا هي شجّت خلت عكس شعاعهاتلألوء برق في سحاب منضّد
كأنّ حباب الماء فوق مزاجهاشآبيب دمع فوق خدّ مورّد
سقاني بها ظبي كأنّ بنانهأنابيب درّ قد أحطن بعسجد
وقوله، وقد اقترح عليه الرئيس أبو القاسم عبد الحميد بن يحيى، [﵀] أن يصف حبارى كانت تطوف في داره، وهي داجنة، مالها رأي في مفارقة تلك الساحة، حتّى كأنّها اختارت تلك الهجرة للاستراحة:
ودارّية إمّا تراع تترّستبملحفتي وشي تضمّهما نشرا
وإن لاح صقر فالسلاح سلاحهاتوليّه ظهرا تستعدّ به ظهرا
تعدّى لفرط الشّحّ والفقر نحوهافأخبث به شحّا وأدقع به فقرا
[.... لم يدر حلّت حمى النّدىبحيث رأوا ذخرا إذا وهبوا ذخرا]
وهي طويلة علق منها بحفظي هذا الذّرو اليسير، فتعلّلت به عند ذكره.
النص من طبعة دار الجيل ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع