من «دمية القصر وعصرة أهل العصر» لعلي بن الحسن الباخرزي (ت ٤٦٧هـ)
فصل (٢)
قلت: لمّا أطلعت هذه الدّمية رأسها من شرفة قصرها، انثال عليها بنثار الثّناء فضلاء عمرها، فشبّهها قوم بالعروس، وآخرون بالطاووس. وكنت أنفقت الدرّ والذهب على تاج العروس وخلخالها، وحسنها في التّرصيع والتّذهيب، فلم أرد أن أقصّر في خلط أصباغ الطاووس وجماله، في التّجنيح والتّذهيب، لتتبرّج العروس في أبهى حليها، «ومنها» الدرّ والذّهب، ويتزيّن الطاووس في أحسن طرفيه، والمراد في الذّنب، وهاك تذنيبه، بارك الله لك فيه. وقد أعرته من التّزيين والتّحسين والتّخصير والتّلسين ما يكفيه.
قال «الشيخ» الأديب البارع الزّوزنيّ، وله صدر هذا الباب، لأنه سبق أقرانه إلى تمهيد هذه الأسباب. ولولا أني أحذر المروق من قضيّة «هذا» التأليف، لشغلت بذكره، وهي النّصفة، نصفا من هذا التّصنيف:
دمين خدود الغانيات بخجلةلأنّ عليّا قد جلا دمية القصر
أدام لنا في دمية القصر بهجةبناها بعقل مثل سارية القطر
لقد صاغها باسم الوزير الرّضي الذيأفاعيله نقش على جبهة العصر
شجاع إذا ما سلّ نصلا فحوكهمن الحول والتأييد نصّ من النّصر
لخدمته قد أنشىء الخصر صالحالمنطقة فانظر إلى هيف الخصر
فأتممه إن رمت الوزير ووصفهوفي الخصر الإتمام أولى من القصر
فلا زال للنّعمى وللعزّ والعلاوأعداؤه للحبس (والحصر والهصر
وضمّ إلى هذه الرّوضة غديرا، فقال:
أبا قاسم لا زلت فينا عطيّةمن الله لا أمست يد الدهر مجذوذه
طبعت على طبع ولا طبع بهنصول المعاني منه أرهفن مشحوذه
جلوت علينا دمية القصر غادةفأضحت بألحاظ البريّة مأخوذه
وقد نبذ الناس اليتيمة بعدهاولا عجب، إنّ اليتيمة منبوذه
فخفت عليها العين من كلّ عاشقوقد عبتها كذبا يكون لها عوذه
وثناه الشيخ الإمّام أبو عامر الفضل بن اسماعيل بن الفضل التّميميّ الجرجانيّ فقال، والقول ما قالت حذام، وكلامه أعذب من ابنة الكرم، شيبت بماء الغمام:
ما دمية القصر إلّا روضة أنفتحوي محاسن أهل البدو والحضر
من كلّ لفظ كنظم الدرّ مخترعوكلّ معنى كنفث السّحر مبتكر
أبقت أسامي في فيها مخلّدةمنقوشة بين سمع الدهر والبصر
فليحسنن من نظام الملك موقعهافإنّها عصرة من أعظم العصر
يشقى بها كاتب ماتت خواطرهوشاعر ملكته عقدة الحصر
وهي العرائس لا ترضى لبهجتهاأن تستباح بلا ألف من البدر
فذاك يدعو عليّا أن يشيّعهابكلّ باهرة أضوا من القمر
فهو الإمام الّذي تندى خواطرهبكلّ معجزة تعيا على البشر
وثلّثه الأستاذ الإمام يعقوب بن أحمد، وهو المطرّز لهذا الكتاب، والحالي لهذه الكعاب:
أغار عليّ بالكتاب أملّهوشرّفه باسم الوزير أبي علي
عقائل خدر آنسات كأنّهابدور سماء للنواظر تنجلي
فيا دمية القصر اسحبي ذيل عزّةوتيمي فقد وشّاك ما شاءه علي
ولم يبق في قوس التّصنّع منزعاولم تخط مرماه صوائب أنصل
فأعين أهل الفضل أضحت قريرةبه وبعقد منه جدّ مفصّل
فلا زال مولانا، الذي هي باسمهتشرّف، ذا جاه وعزّ مؤثّل
لينتاش منكوبا ويفتكّ عانياوينجح حاج المستميح المؤمّل
وربّعه الإمام أبو الفضل الخيريّ، وهو الإمام الأصيل، ومن لم يفته فيما يكنى به التّحصيل. فقد زويت إليه جملته والتّفصيل:
ودمية القصر أتت كاسمهامعشوقة المنظر والمخبر
لقد جلاها أوحد العصر فيمعرض حسن رائق أزهر
طرازها من حسن ألفاظهوحليها ذكر الوزير السّري
أبي عليّ من علا أمرهفجاوز العيّوق والمشتري
يعتاض حمد الناس من مالهأكرم به من رابح مشتر
قد بسط العدل وأحيا الورىبرأيه النافذ كالخنجر
لا زالت الأيّام طوعا لهفي دولة تبقى إلى المحشر
وخمّسه الشيخ الأديب عليّ بن أحمد الفنجكرديّ، فتثبّتّ على ذيل فضله بالخمس، إذ حصل إليّ اليوم منه ما لم يكن بالأمس:
أروضة أنف يعتادها بكراعهاد غادية هطّالة مصره
فاحت روائحها حتّى إذا انتشرتدعت إليها نفوسا أصبحت ضجره
ففرّجت غمّها عنها ببهجتهاوأودعتها سرورا فانبرت أشره
تجلو العيون إذا أبصرن خضرتهالم تشك أجفانها من بعد ذاك مره
أم غادة فردة في الحسن غانيةفتّانة أقبلت في حليها عطره
فرعاء بهكنة خود منعّمةغيداء خمصانة وهنانة خفره
تبدو قليلا فإن أوليتها نظراعادت على فورها في الخدر مستتره
باهى أبوها بها شمس النّهار كماباهت بها أمّها في ليلها قمره
أم دمية القصر وافت في محاسنهاتميس في حلل الإعجاز مبتدره
مثل الهديّ تهادت في جواهرهاثقيلة الحلي والأرداف منبهره
إلى رضيّ أمير المؤمنين ومنبه الممالك والأيّام مفتخره
الصاحب السّند الميمون غرّتهنجم الملوك ونجل السادة البرره
أبي عليّ نظام الملك من بهرتأخلاقه الزهر في لألائها الزّهره
لم يأت حضرته جلّت أخو وطرمرجّيا فضله إلّا قضى وطره
من أجل ذلك توقيعاته نفذتفي الشرق والغرب إمضاء فدع كوره
لمّا طغى الروم واستعلت بأكلبهمقاد الجيوش وذاد الأكلب الكفره
آثار آرائه في الروم باديةفادخل بلادهم ثمّ انظرن أثره
ذنوب أيّامنا لمّا سمحن بهوإن أصرّت عليها فهي مغتفره
وافى بها المجلس الأعلى أخو كرمله بدائع في الآفاق مشتهره
لو قلت: أكتب أهل العصر قاطبةوأشعر الناس لم أعدد من الفجره
فكم له فقرة في الناس سائرةونكتة غربت في الكتب مستطره
والخطّ مثل ابتسام الرّوض عن زهرواللفظ يحكي جمان النّحر أو درره
إذا أدقّ المعاني في قلائدهتحيّرت عندها في سحره السّحره
فقل لقوم رووا عن غيره غرراشتّى وقاسوا بها من جهلهم غرره:
لشدّ ما عزبت عنكم عقولكمهل تستوي الدرّة البيضاء والبعره؟
لو جبت من شطّ جيحون إلى عدنفطفت من بعدها بغداد والبصره
لم تلق مثل عليّ في فضائلهمقالة من عليّ فيه مختصره
لا زال في العزّ ممدودا سرادقهعليه مغتبطا ما أورقت شجره
خذها نتيجة طبع إن أهبت بهأجاب في الوقت مثل العين منفجره
«تم بذلك كتاب دمية القصر بحمده وشكره» «أعاننا الله وغيرنا من أهل الحرفة على غيره»
النص من طبعة دار الجيل ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع