تجاوز إلى المحتوى

من «رسائل الجاحظ» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)

الرسالة الأولى مناقب الترك

الصفحة ٢ من ٢

وكما جُعل إبراهيم أباً لمن لم يلده، فالبنوي خراساني من جهة الولادة، والمولى عربيٌ من جهة المدعى والعاقلة. وإن أحاط علمنا بأن زيداً لم يخلق من نجل عمرو إلا عهاراً لنفيناه عنه، وإن وثقنا أنه لم يخلق من صلبه.

وكما جعل النبي ﷺ أزواجه أمهات المؤمنين وهن لم يلدنهم ولا أرضعنهم، وفي بعض القراءات: " وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم "، على قوله: " ملة أبيكم إبراهيم ". وجعل المرأة من جهة الرضاع أماً، وجعل امرأة البعل أم ولد البعل من غيرها، وجعل الراب والداً، وجعل العم أباً في كتاب الله. وهم عبيده لا يتقلبون إلا فيما قَّلبهم فيه. وله أن يجعل من عباده من شاء عربياً ومن شاء عجمياً، ومن شاء قرشيَّاً، ومن شاء زنجياً؛ كما له أن يجعل من شاء ذكراً ومن شاء أنثى، ومن شاء خنثى، ومن شاء أفرده من ذلك فجعله لا ذكراً ولا أنثى ولا خنثى.

وكذلك خلق الملائكة وهم أكرم على الله من جميع الخليقة. وخلق أدم فلم يجعل له أباً ولا أماً، وخلقه من طينٍ ونسبه إليه، وخلق حواء من ضلع آدم وجعلها له زوجاً وسكنا. وخلق عيسى من غير ذكرٍ ونسبه إلى أمه التي خلقه منها. وخلق الجان من نار السموم، وآدم من طين، وعيسى من غير نطفة. وخلق السماء من دخان، والأرض من الماء، وخلق إسحاق من عاقرٍ. وأنطق عيسى في المهد، وأنطق يحيى بالحكمة وهو صغير، وعلم سليمان منطق الطير، وكلام النمل، وعلم الحفظة من الملائكة جميع الألسنة حتى كتبوا بكل خط، ونطقوا بكل لسان. وأنطق ذئب أهبان بن أوس.

والمؤمنون من جميع الأمم إذا دخلوا الجنة، وكذلك أطفالهم والمجانين منهم، يتكلمون ساعة يدخلون الجنة بلسان أهل الجنة على غير الترتيب والتنزيل، والتعليم على طول الأيام والترقيم والتلقين. فكيف يتعجب الجاهلون من إنطاق إسماعيل بالعربية على غير تعليم الآباء، وتأديب الحواضن؟!.

وهذه المسألة ربما سأل عنها بعض القحطانية، ممن لا علم له، بعض العدنانية، وهي على القحطاني أشد. فأما جواب العدناني فسلس النظام سهل المخرج، قريب المعنى؛ لأن بني قحطان لا يدعون لقحطان نبوة فيعطيه الله مثل هذه الأعجوبة.

وما الذي قسم الله - عز اسمه - بين الناس من ذلك، إلا كما صنع في طينة الأرض، فجعل بعضها حجرا، وبعض الحجر ياقوتاً، وبعضه ذهباً، وبعضه نحاساً، وبعضه رصاصاً، وبعضه حديداً، وبعضه تراباً، وبعضه فخاراً. وكذلك الزاج، والمغرة، والزرنيخ، والمرتك، والكبريت، والقار،

والتوتيا، والنوشادر، والمرقشيثا، والمغناطيس.

ومن يحصي عدد أجزاء الأرض، وأصناف الفلز؟!.

وإذا كان الأمر على ما وصفنا فالبنوي خراساني. وإذا كان الخراساني مولى، والمولى عربيٌّ فقد صار الخراساني والبنوي والمولى والعربي واحداً.

وأدنى ذلك أن يكون الذي معهم من خصال الوفاق غامراً ما معهم من خصال الخلاف، بل هم في معظم الأمر وفي كبر الشأن وعمود النسب متفقون. والأتراك خراسانية وموالي الخلفاء قصيرة، فقد صار التركي إلى الجميع راجعاً، وصار شرفه إلى شرفهم زائداً.

وإذا عرف سائر ذلك سامحت النفوس، وذهب التعقيد، ومات الضغن، وانقطع سبب الاستثقال؛ فلم يبقى إلا التحاسد والتنافس الذي لا يزال يكون بين المتقاربين في القرابة وفي المجاورة.

على أن التوازر والتسالم في القرابات وفي بني الأعمام والعشائر، أفشى وأعم من البعداء.

ولخوف التخاذل ولحب التناصر، والحاجة إلى التعاون انضم بعض القبائل في البوادي إلى بعضٍ، ينزلون معاً ويظعنون معاً. ومن فارق أصحابه أقل، ومن نصر ابن عمه أكثر. ومن اغتبط بنعمته وتمنى بقاءها والزيادة فيها أكثر ممن بغاها الغوائل، وطلب انقطاعها وزوالها. ولا بد في أضعاف ذلك من بعض التنافس والتخاذل، إلا أن ذلك قليل من كثيرٌ.

وليس يجوز أن تصفو الدنيا وتنقى من الفساد والمكروه حتى يموت جميع الخلائق، وتستوي لأهلها، وتتمهد لسكانها على ما يشتهون ويهوون؛ لأن ذلك من صفة دار الجزاء، وليس كذلك صفة دار العمل.

بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب كنت كتبته أيام المعتصم بالله، ﵁، فلم يصل إليه، لأسبابٍ يطول شرحها، فلذلك لم أعرض للإخبار عنها. وأحببت أن يكون كتاباً قصداً، ومذهباً عدلاً، ولا يكون كتاب إسراف في مديح قوم، وإغراق في هجاء آخرين. وإن كان الكتاب كذلك شابه الكذب، وخالطه التزيد، وبنى أساسه على التكلف، وخرج كلامه مخرج الاستكراه والتغليق.

وأنفع المدائح للمادح وأجداها على الممدوح، وأبقاها أثراً وأحسنها ذكراً: أن يكون المديح صدقا، وللظاهر من حال الممدوح موافقا، وبه لائقا، حتى لا يكون من المعبر عنه والواصف له إلا الإشارة إليه، والتنبيه عليه.

وأنا أقول: إن كان لا يمكن ذلك في مناقب الأتراك إلا بذكر مثالب سائر الأجناد، فترك ذكر الجميع أصوب، والإضراب عن هذا الكتاب

أحزم، وذكر الكثير من هذه الأصناف بالجميل، لا يقوم بالقليل من ذكر بعضهم بالقبيح، لأن ذكر الأكثر بالجميل نافلة، وباب من التطوع، وذكر الأقل بالقبيح معصية، وباب من ترك الواجب. وقليل الفريضة أجدى علينا من كثير التطوع.

ولكل نصيب من النقض، ومقدار من الذنوب؛ وإنما يتفاضل الناس بكثرة المحاسن وقلة المساوى. فأما الاشتمال على جميع المحاسن، والسلامة من جميع المساوئ دقيقها وجليلها، وظاهرها وخفيها، فهذا لا يعرف.

وقد قال النابغة:

ولست بمستبقٍ أخاً لا تلمهعلى شعثٍ، أيُّ الرجال المهذب
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «أتاني أبيت اللعن أنك لمتني»

وقال حر يش السعدي:

أخ لي كأيام الحياة إخاؤهتلوَّن ألواناً على خطوبها
إذا عبت منه خلة فتركتهدعتني إليه خلة لا أعيبها

وقال بشار:

إذا كنت في كلِّ الأمور معاتباًخليلك لم تلق الذي لا تعاتبه
للشاعر راجح عبد الله، من قصيدة «قد توقد لاهبه»
فعش واحداً أو صل أخاك فإنهمقارف ذنبٍ مرةً ومجانبه
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «جفا وده فازور أو مل صاحبه»
إذا أنت لم تشرب مراراً على القذىظميت وأيُّ الناس تصفو مشاربه
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «جفا وده فازور أو مل صاحبه»

وقال مطيع بن إياسٍ الَّليثيّ:

ولئن كنت لا تصاحب إلاصاحباً لا تزل، ما عاش، نعله
للشاعر ابن إياس الكناني، اقرأ القصيدة
لم تجده ولو جهدت وأنَّىبالذي لا يكون يوجد مثله
إنما صاحبي الذي يغفر الذَّنب ويكفيه من أخيه أقله
للشاعر ابن إياس الكناني، اقرأ القصيدة

وقال محمد بن سعيد، وهو رجلٌ من الجند:

سأشكر عمراً إن تراخت منيتيأيادي لم تمنن وإن هي جلتِ
للشاعر إبراهيم بن العباس الصولي، اقرأ القصيدة
فتىً غير محجوب الغنى عن صديقهولا مُظهر الشكوى إذا النعل زلتِ
للشاعر إبراهيم بن العباس الصولي، اقرأ القصيدة
رأى خلتي من حيث يخفى مكانهافكانت قذى عينيه حتى تجلت
للشاعر إبراهيم بن العباس الصولي، اقرأ القصيدة

فإذا كان الخلطاء من جمهور الناس، وأصحاب المعايش من دهماء الجماعة، يرون ذلك واجباً وتدبيراً في التعامل، على ما هم فيه من مشاركة الخطأ للصواب، وامتزاج الضعف بالقوة، فلسنا نشك أن الإمام الأكبر والرئيس الأعظم، مع الأعراق الكريمة والأخلاق الرفيعة، والتمام في الحلم والعلم، والكمال في الحزم والعزم، مع التمكين والقدرة، والفضيلة والرِّياسة والسيادة، والخصائص التي معه من التوفيق والعصمة، والتأييد وحسن المعونة، أن الله جل اسمه لم يكن ليجلله باسم الخلافة، ويحبوَه بتاج الإمامة، وبأعظم نعمة وأسبغها، وأفضل كرامةٍ وأسناها، ثم وصل طاعته بطاعته، ومعصيته بمعصيته، إلا ومعه من الحلم في موضع الحلم، والعفو في موضع العفو، والتغافل في موضع التغافل، ما لا يبلغه فضل ذي فضلٍ، ولا حلم ذي حلمٍ.

ونحن قائلون، ولا حول ولا قوة إلا بالله، فيما انتهى إلينا في أمر الأتراك: زعم محمد بن الجهم، وثمامة بن الأشرس، والقاسم بن سيار، في جماعة ممن يغشى دار الخلافة، وهي دار العامة، قالوا جميعاً: بيننا حميد بن عبد الحميد جالساً ومعه يخشاد الصُّغدي، وأبو شجاع

شبيب بن بخاراخداي البلخي، ويحيى بن معاذ، ورجال من المعدودين المتقدمين في العلم بالحرب من أصحاب التجارب والمراس، وطول المعالجة والمعاناة في صناعات الحرب، إذ خرج رسول المأمون فقال لهم: نقول لكم متفرقين ومجتمعين: ليكتب كل رجلٍ منكم دعواه وحجته، وليقل أيما أحب إلى كل قائد منكم إذا كان في عدته من صحبه وثقاته: أن يلقى مائة تركي أو مائة خارجي؟ فقال القوم جميعاً: لأن نلقى مائة تركي أحب إلينا من أن نلقى مائة خارجي! وحميد ساكت.

فلما فرغ القوم جميعاً من حججهم، قال الرسول: قد قال القوم فقل

واكتب قولك، وليكن حجة لك أو عليك.

قال: بل ألقى مائة خارجي أحب إلي؛ لأنني وجدت الخصال التي يفضل بها الخارجي جميع المقاتلة غير تامةٍ في الخارجي، ووجدتها تامة في التركي. ففضل التركي على الخارجي بقدر فضل الخارجي على سائر المقاتلة، ثم بان التركي عن الخارجي بأمورٍ ليس فيها للخارجي دعوى ولا متعلق. على أن هذه الأمور التي بان بها التركي عن الخارجي، أعظم خطراً وأكثر نفعا، مما شاركه الخارجي في بعضها.

ثم قال حميد: والخصال التي يصول بها الخارجي على سائر الناس صدق الشدة عن أول وهلة، وهي الدفعة التي يبلغون بها ما أرادوا، وينالون الذي أملوا.

والثانية: الصبر على الخبب وعلى طول السُّرى، حتى يصبح القوم الذين مرقوا بهم غارين فيهجموا عليهم وهم بسوء، ولحمٌ على وضم، يتعجَّلونهم عن الروية، وعن رد النفس عن النزوة والجولة، لا يظنون أن أحداً يقطع في ذلك المقدار من الزمان ذلك المقدار من البلاد.

والثالثة: أن الخارجي موصوف عند الناس بأنه إن طَلب أدرك، وإن طُلب فات.

والرابعة: خفة الأزواد وقلة الأمتعة، وأنها تجنب الخيل وتركب البغال، وإن احتاجت أمست بأرضٍ وأصبحت بأخرى، وأنهم قوم حين خرجوا لم يخلفوا الأموال الكثيرة، والجنان الملتفة، والدور المشيدة، ولا ضياعاً ولا مستغلات، ولا جواري مطهمات، وأنهم لا سلب لهم ولا مال معهم فيرغب الجند في لقائهم، وإنما هم كالطير لا تدخر ولا تهتم لغدٍ، ولها في كل أرض من المياه والأقوات ما تتبَّلغ به، وإن لم تجد ذلك في بعض البلاد فأجنحتها تقرب لها البعيد، وتسهل لها الحزون. وكذلك الخوارج لا يمتنع عليهم القرى والمطعم، وإن تمنع عليهم ففي بنات شحَّاجٍ وبنات صهَّال، وخفة الأثقال على طول الخبب، ما يسهل أقواتها، ويكثر من أرزاقها.

والخامسة: أن الملوك إن أرسلوا إليهم أعدادهم ليكونوا في خفة أوزارهم وأثقالهم، وليقووا على التنقل كقوتهم، لم يقووا عليهم؛ لأن مائة من الجند لا يقومون لمائة من الخوارج؛ وإن كثفوا الجيش بالجيش، وضاعفوا العدد بالعدد ثقلوا عن طلبهم، وعن الفوت إن طلبهم عدوهم. ومتى شاء الخارجي أن يقرب منهم ليتطرَّفهم أو ليصيب الغرة منهم، أو ليسلبهم، فعل ذلك ثقة بأنه يغنم عند الفرصة ورؤية العورة، ويمكنه الهرب عند الخوف. وإن شاء كبسهم ليقطع نظامهم، أو ليقتطع القطعة منهم.

قال حميد: فهذه هي مفاخرهم وخصالهم، التي لها كره القواد لقاءهم.

قال قاسم بن سيار: وخصلة أخرى، وهي التي رعبت القلوب وخلعتها، ونقضت العزائم وفسختها، وهو ما تسمع الأجناد ومقاتلة العوام، من ضرب المثل بالخوارج، كقول الشاعر:

إذا ما البخيل والمحاذر للقرىرأى الضيف مثل الأزرقيِّ المجفَّف

وكقول الآخر:

وقلبِ ودٍّ حال عن عهدهوالسيف ينبو بيد الشاري

وكقول الآخر:

لقاء الأسد أهون من لقاهإذا التحكيم يسهر بالأصل

فهذه زيادة قاسم بن سيار.

فأما حميد فإنه قال: الشدة الأولى التركي فيها أحمد أثراً، وأجمع أمراً، وأحكم شأنا؛ لأن التركي من أجل أن تصدق شدته ويتمكن عزمه، ولا يكون مشترك العزم ولا منقسم الخواطر، قد عود برذونه ألا ينثنى وإن ثناه، أن يملأ فروجه للأمر يديره مرة أو مرتين، وإلا فإنه لا يدع سننه، ولا يقطع ركضه. وإنما أراد التركي أن يوئس نفسه من البدوات، ومن أن يعتريه التكذيب بعد الاعتزام، لهول اللقاء، وحب الحياة؛ لأنه إذا علم أنه قد صيَّر برذونه إلى هذه الغاية حتى لا ينثني ولا يجيبه إلى التصرف معه إلا بأن يصنع شيئاً بين الصفين فيه عطبه، لم يُقدم على الشدة إلا بعد إحكام الأمر، والبصر

بالعورة. وإنما يريد أن يشبه نفسه بالمُحرج الذي إذا رأى أشد القتال لم يدع جهدا ولم يدخر حيلة، ولينفيَ عن قلبه خواطر الفرار، ودواعيَ الرجوع.

وقال: الخارجيُّ عند الشدة إنما يعتمد على الطِّعان، والأتراك تطعن طعن الخوارج، وإن شدَّ منهم ألف فارس فرموا رشقاً واحداً صرعوا ألف فارس، فما بقاء جيش على هذا النوع من الشدة! والخوارج والأعراب ليست لهم رماية مذكورة إلى ظهور الخيل، والتركيُّ يرمى الوحش والطي، والبرجاس، والناس والمجثَّمة، والمثل الموضوعة، ويرمى بعشرة أسهم قبل أن يفوق الخارجي سهماً واحداً، ويركض دابته منحدراً من جبل، أو مستفلاً إلى بطن واد بأكثر مما يمكن الخارجي على بسيط الأرض.

وللتركيِّ أربعة أعين: عينان في وجهه، وعينان في قفاه. وللخارجيِّ

عيب في مستدبر الحرب، وللخرسانيِّ عيبٌ في مستقبل الحرب. فعيب الخرسانية أن لها جولة عند أول الالتقاء، وإن ركبوا كسأهم كانت هزيمتهم، وكثيراً ما يثوبون، وذلك بعد الخطار بالعسكر، وإطماع العدوِّ في الشدة.

النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٣٨٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «رسائل الجاحظ»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.