من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
النّوع الثّاني في ذكر ممالك الإسلام جملة
ممالك الإسلام واقعة بحمد الله في أحسن المعمور شرقا وغربا وجنوبا وشمالا، لأنها لا تنتهي إلى غاية الحرارة المفرطة ولا إلى غاية البرد المفرط، إلا فيما قل [¬]، ولا يخرج عن حد المستطاب، وسيأتي بيان ذلك في تحديد كل مملكة، فغاية معمور الجنوب مساكن السودان من عبّاد النيران والأصنام، بما تغلغل من جزاير الهند وأطرافه، والنصارى بأطراف الحبشة، وعبّاد الحيّات [¬]، والهمج في سودان المغرب جنوب غانه.
وغاية معمور الشمال من النصارى والهمج ببلاد الصقلب [¬]، في شماليها أحد قسمي إيران المسمّاة ببلاد القبجاق [¬]، وما سامت ذلك الخط من القسطنطينية، وما وراءها إلى جليقية والأرض الكبيرة وجزاير البحر الرومي [¬].
وغاية معمور الشرق من عباد النيران والأصنام بثالث أقسام توران [¬] من بلاد
الصين إلى المحيط، وأمّا الغرب فانتهى فيه الإسلام إلى البحر المحيط [¬] وكلاطر [¬] في الشرق، والغرب بلاد صالحة وإن لم تكن الغاية، فالغرب إلى منتهى الغاية في ممالك الإسلام، والصين وإن كان خارجا من دعوة الإسلام، فإنه ملك عظيم جليل القدر، ضخم الملك، وهو معظم توران، ولم يزل لملك الترك، وبه تخت [¬] فانهم الآن لقانهم [¬] من أبناء جنكيز خان [¬]، وسيأتي ذكره عند ذكر أبناء جنكيز خان.
فممالك الإسلام واقعة على ما نذكره؛ فأوّلها الهند والسّند، وهو واقع في ممالك الإسلام بشرق محض آخذا في الجنوب على مسامت الصين، يحدها البحر من جنوبها، وبلاد الكفار من شرقيها، والإسلام في أحد قسمي توران من شمالها، ثم أحد قسمي توران، مما بيد الإسلام، وهي مملكة تركستان [¬] وما وراء النهر، وهي واقعة بشرق محضا آخذا إلى الجنوب، يحدها السّند من جنوبها، والصّين من شرقها، وممالك الإسلام وقسمها الثاني، وإيران (المخطوط ص) من
جنوبها.
ثم القسم الثاني مما بيد الإسلام من مملكة توران، وهي خوارزم [¬] وبلاد القبجاق، وهي واقعة في الشمال، آخذة إلى المشرق، يحدها أطراف الصين من شرقها، وبلاد الصقلب وما يليها من شمالها، فأما جنوبها فخراسان [¬] وما سامتها، وغربها الخليج القاطع من بحر الروم على القرم [¬]، وراءها [¬] ممالك الإسلام والروم، كلها من ممالك الإسلام، ثم إيران، وهي تلي قسمي توران المذكورين داخله، كالشعبة الفارقة بينهما، وذلك القسمان منشعب عليهما مثل كمّى السراويل على سرجه، يحدها ممالك الإسلام من كل جهة، وفي بعض جنوبها لينتهي إلى البحر الفارسي [¬] الآخذ على البصرة وما سامتها، وممالك كيلان [¬] واللر [¬] والشول [¬] وشنكاره [¬] والأكراد [¬]، وبلاد أتراك الروم كلها في هذا القسم، خلا أن أتراك الروم وحدهم شمال بلاد القسطنطينية ثم
يليها مملكة مصّر والشام والحجاز وتلك عمود الإسلام وفسطاط الدين، يحدها ممالك الإسلام من كل جهاتها الأربع، منتهية في الجنوب إلى اليمن، واليمن والحجاز كلاهما من جزيرة العرب على ما يأتي تبينه، ثم إلى البحر الآخذ على جدة إلى آيله [¬] وينتهي في الشمال إلى البحر الرومي، ثم اليمن، وهو جنوب الحجاز في نهاية جزيرة العرب، يحدها من جنوبها البحر الآخذ إلى الهند، ومن شرقها البحر الآخذ إلى جدة، ومن شمالها الحجاز، ومن غربها بحر الحبشة، ثم ممالك الإسلام بالحبشة، فالحبشة متصلة بأطراف الواحات، آخذة إلى الجنوب محيط بها بحر الحبشة من شرقها، وممالك نصارى الحبش من جنوبها، وكفارهم، ثم الصحارى القفار من غربها، وشمالها الواحات، ثم الكانم [¬]، وهو على ضفة النيل على مسامته دنقله [¬] ثم يليها من وراء برقة، مملكة إفريقية، يحدها من جنوبها كفار السودان، وبقية حدودها منتهية إلى ممالك الإسلام من شمالها البحر الشامي [¬] ثم بر العدوة، يحدها ممالك الإسلام، من جنوبها بلاد البربر ثم ما
يلي، ومن شمالها بلاد إفريقية، (المخطوط ص) ومن غرب البحر المحيط [¬]، ومن شمالها بحر الزقاق [¬] إلى البحر الشامي، ثم بر العدوة، وشرقها القفار، ثم يليها ماء وما معها، جنوبها غانة وبلاد كفار السودان، وغربها المحيط، وشمالها جبال البربر وبر العدوة، وشرقها القفار ثم يليها جزيرة الأندلس، وهي نهاية ممالك الإسلام، ليست بجزيرة، ولكن كالجزيرة، يحيط بها من جانبها الجنوبي البحر الشامي ومن غربها وشمالها البحر المحيط، ويبقى شرقها مكشوفا متصلا بالأرض الكبيرة ذات الألسن الكثيرة، فلو مشى [¬] ماش من نهاية غرب الأندلس عند مخرج بحر الزقاق، في الجانب الشمالي إلى ناحية شرقه انتهى إلى الجبل المسمّى بهيكل الزهرة [¬]، وهو آخر حد الأندلس، وفيه الأبواب المفتوحة، وقد تقدم ذكرها.
ثم يمشي الماشي من تلك الأبواب إلى أن يخرج من شرقي هذا الجبل، ويدخل في الأرض الكبيرة، ويمشي فيها إلى حيث شاء من الأرض شمالا وشرقا وجنوبا لا يقطعه بحر، حتى أنه إذا أراد مشى على ساحل البحر الشامي، وما هو متصل به
حتى ينتهي إلى حجزة، ثم يدور معها عند حجزة ببلاد الشام على شرقه، ثم يدور معه على ساحله الجنوبي حتى يعود إلى نهاية الغرب قبالة المكان الذي بدأ منه عند مخرج الزقاق في الجانب الجنوبي، لا يقطعه دون ذلك قاطع، ولا يمنعه مانع.
واعلم أن الأمر في تحديد الأقاليم العرفية لا يجري في تحديد الدار أو البستان ونحوهما لأن غالب الدور والبساتين تكون قطعا مربعة أو مثلثة أو متساوية الجوانب، وليس الأمر في الأقاليم العرفية كذلك، فإن بعض جوانبها يكون مداخلا لإقليم آخر، وبعضها يكون فيه تقويس، وبعض جوانبها أعرض من بعض، والذي يحدد المكان إنما يحدده بالجهات الأربع، وهي الشرق والغرب والجنوب والشمال، وذلك لا يصفو [¬] في الأقاليم العرفية، لما ذكرناه، ولو كانت الأقاليم قطعا مربعة أو متساوية الجوانب لأمكن فيها ذلك، فينبغي أن يعرف العذر في التقصير في تحديدها، لا سيما عند من لم يشاهدها وإنما (المخطوط ص) نقلها من الأوراق وأفواه الرجال، فإن عذره في التقصير أوضح، وأيضا فإن بعض الأقاليم يكون على شكل مثلث كجزيرتي الأندلس وصقلية [¬]، وبعضها يكون ذا خمسة أضلاع وأكثر وأقل، فيتعدد ذكر ذلك بجهاته الأربع على الصحة، ومن هذا نشرع في ذكر الممالك مملكة مملكة، وهذا الباب هو المراد من هذا الكتاب، وبسببه ألف
ولأجله صنف [¬]، ونحن نأخذ في هذا الباب على التحرير في أكثر ما عرفنا، والتحقيق لأكثر ما لم نعرف بتكرار السؤال من واحد بعد واحد، عما يعلمه من أحوال بلاده وما فيها، وما اشتملت عليه في الغالب نواحيها، وكنت أسأل الرجل عن بلاده ثم أسأل الآخر والآخر لأقف على الحق، فما اتفقت عليه أقوالهم أو تقاربت فيه أثبته، وما اختلفت فيه أقوالهم أو اضطربت [¬] تركته، ثم أنزل الرجل المسؤول مدة أناسية فيها عما قال، ثم أعيد عليه السؤال عن بعض ما كنت سألت، فإن ثبت على قوله الأول أثبت مقاله، وإن تزلزل، أذهبت في الريح أقواله، كل هذا ألا تروى [¬] في الرواية وأتوثق في التصحيح مع أننا أهل بيت وظيفتهم مجمع وفوده وموضع كل صدور وروده ولم نزل عند ملوك مصر والشام رحم الله من مضى منهم وحفظ من بقي بابهم المفتوح لكل طارق وسحابهم الممنوح به كل جود دافق فإلينا في أبوابهم أول كل وارد إليهم وآخر كل صادر عنهم ومنذ نيطت بي التمايم إلى أن اثبتت على العمائم [¬] إلى أن صرت ركن هذا الباب وكن هذا السحاب اسأل كل وارد على باب سلطاننا اعزه اللّه بنصره من جميع الآفاق
ووافد استكن تحت جناح لوائه الخفاق وما أحدث مع رسول يصل من ملوك الأرض في مطارحة حديث ومراوحة قديم وحديث إلا وجريت بذلا ذل السؤال عن بلادهم وأوضاع ملوكها ووظائف الرعايا في سلوكها وما للجنود بها وطبقات أرباب الرتب العالية من الأرزاق ومقدار تفرقة قرائن الإطلاق وكيف زى كل أناس وما يمتاز به أهل كل طائفة من اللباس على ما يذكر ذلك.
تعالى في مكانه، وبالله استعين، ومنه أسأل التوفيق ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وهذا النوع أربعة عشر بابا:
الباب الأول: في مملكة الهند والسند.
الباب الثاني: في مملكة بيت جنكيزخان:
وفيه أربعة فصول:
الفصل الأول: في الكلام عليهم جمليا.
الفصل الثاني: في مملكة القان الكبير صاحب التخت وهو صاحب الصين والخطا.
الفصل الثالث: في التوارنيين وهم فرقتان: الفرقة الأولى: ما وراء النهر، والفرقة الثانية؛ في خوارزم والقبجاق.
الفصل الرابع: في الإيرانيين.
الباب الثالث: في مملكة الجيل.
وفيه أربعة فصول:
الفصل الأول: في بومن.
الفصل الثاني: في توليم.
الفصل الثالث: في كسكر.
الفصل الرابع: في رسفت.
الباب الرابع: (المخطوط ص) في مملكة الجبال.
وفيه أربعة فصول:
الفصل الأول: في الأكراد.
الفصل الثاني: في اللّر.
الفصل الثالث: في الشول.
الفصل الرابع: في شنكاره.
الباب الخامس: في مملكة الأتراك بالروم.
وفيه ستة عشر فصلا:
الفصل الأول: في مملكة كرميتسان.
الفصل الثاني: في مملكة طنغزلوا.
الفصل الثالث: في مملكة توازا.
الفصل الرابع: في مملكة عبدلي.
الفصل الخامس: في مملكة كصطمونيه.
الفصل السادس: في مملكة قاويا.
الفصل السابع: في مملكة برسا.
الفصل الثامن: في مملكة اكيرا.
الفصل التاسع: في مملكة مرمرا.
الفصل العاشر: في مملكة مغينسا.
الفصل الحادي عشر: في مملكة نيف.
الفصل الثاني عشر: في مملكة بركي.
الفصل الثالث عشر: في مملكة فوكه.
الفصل الرابع عشر: في مملكة أنطاليا.
الفصل الخامس عشر: في مملكة قراصار.
الفصل السادس عشر: في مملكة أزمناك.
(المخطوط ص)
الباب السادس: في مملكة مصر والشام والحجاز.
الباب السابع: في مملكة اليمن.
وفيه فصلان:
الفصل الأول: فيما بيد أولاد رسول.
الفصل الثاني: فيما بيد الأشراف.
الباب الثامن: في ممالك المسلمين في الحبشة.
وفيه سبعة فصول:
الفصل الأول: في أوفات.
الفصل الثاني: في دوارو.
الفصل الثالث: في اراتتسنى.
الفصل الرابع: في هديه.
الفصل الخامس: في شرخا.
الفصل السادس: في بالي.
الفصل السابع: في داره.
الباب التاسع: في مملكتي مسلمي السودان على ضفة النيل الممتد إلى مصر.
وفيه فصلان:
الفصل الأول: في الكانم.
الفصل الثاني: في النوبة.
الباب العاشر: في مملكة مالي.
الباب الحادي عشر: في مملكة جبال البربر.
(المخطوط ص)
الباب الثاني عشر: في مملكة أفريقية.
الباب الثالث عشر: في مملكة بر العدوة.
الباب الرابع عشر: في مملكة الأندلس.
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع