تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

الفصل الأول في تقسيمها

ونحن نبدأ بحمد الله هذا الفصل بما قيل في تقسيم معمور الأرض، من خط الاستواء إلى نهاية العمارة في الشمال على الأقاليم السبعة على ما قيل في ذلك. وقد ذهب بعضهم إلى أن الإقليم الأول سعته سبع درجات وثلثا درجة وثمن درجة بالتقريب، يعني بسعته عروض ما وقع فيه من البلاد، وأن الإقليم الثاني سعته سبع درجات وثلاث دقائق بالتقريب، وأن الإقليم الثالث سعته ست درجات وثمن درجة بالتقريب، وأن الإقليم الرابع سعته خمس درجات وسبع عشرة دقيقة بالتقريب، وأن الإقليم الخامس سعته أربع درجات وربع وثمن وعشر درجة بالتقريب، وأن الإقليم السادس سعته ثلاث درجات ونصف وثمن [وخمس] درجة بالتقريب، وأن الإقليم السابع سعته ثلاث درجات وثمان دقائق بالتقريب.

وزعم هؤلاء أن نهاية المسكون إلى خمس وخمسين درجة لا يتجاوز مداها، وما الأمر كذلك، ولوح الرسم على خلاف هذه المقالة كلها، فإنه رسم عرض كل إقليم عشر درجات، فزيادة ما في اللوح على ما زعم هؤلاء خمس عشرة درجة. ونحن رسمنا هذا الكتاب على ما في لوح الرسم على تجزئة عشر درجات عرض كل إقليم تقريبا ويزداد على هذا ما يزداد على الأقاليم السبعة جنوبا وشمالا، وقد تقدم مما استخرجناه من لوح الرسم. ولم أكن وقفت على ذكره في تأليف، ثم رأيت الملك المؤيد عماد الدين أبا الفداء إسماعيل

صاحب حماة، رحمه الله تعالى، قد ذكر ذلك في كتابه المسمى ب "تقويم البلدان " قال: وأعلم أن ثم بلادا كثيرة ليست من الأقاليم السبعة وهي البلاد التي وراء الإقليم الأول من الجهة الجنوبية، وكذلك البلاد التي خلف آخر الإقليم السابع من جهة الشمال وإلى نهاية العمارة في الشمال.

وقد ذكر في جداول هذا الكتاب مما وقع من وراء خط الاستواء في الجنوب مما هو بالبحر الشرقي بالهند والصين: جزائر الزابج وجزيرة سرنديب، وجزيرة لامري، وجزيرة كله، وجزيرة المهراج، وهي مربعة، وجزيرة مسلة، وجزيرة سقطرة، وجمكوت، وجبال قامرون. ومما وقع وراء

الإقليم السابع في الشمال: صوداق، وجزيرة برطانية. وقد رسم لكل واحدة عرضا لم يبلغ به ما يقتضيه مكانه من لوح الرسم وقد ذكر سعة الأقاليم على نحو ما ذكرناه في أول هذا الفصل، ثم قال: "وقد رأينا غالب واضعي الكتب المؤلفة في الأطوال والعروض من الزيجات وغيرها لا يحافظون فيها على إثبات الأماكن في مواضعها من الأقاليم، بل يثبتون بعض أماكن الإقليم في الإقليم الآخر، ومن تأمل ذلك وكشفه تحقق من صحة ما ذكرناه". انتهى كلامه.

وقد ذكر شارح رسالة حي بن يقظان ما يؤيد ما ذكرنا من عمران ما وراء خط الاستواء بالجانب الشرقي وقال: "إنه أعدل من الإقليم الرابع، وزعم أنه يتولد هناك الإنسان من غير أم ولا أب، وعلّل ذلك باعتدال طينتها وصحة هوائها"، ولم نذكر هذا القول وإن كان باطلا إلا للاحتجاج بوجود معمور وراء خط الاستواء في الجانب الشرقي، لأن هذا الحكيم إنما قدّر إمكان هذا بجزيرة من جزائر الهند. وهو مؤكد لما استخرجنا من لوح الرسم مما هو مقدر في العرض بإقليم ونصف من الإقليمين المرسومين في لوح الرسم وراء خط الاستواء بعروض رسمها لهما، وعلى مثل هذا قول الملك المؤيد أبي الفداء إسماعيل

صاحب حماة، رحمه الله تعالى، مما تقدم ذكره، وقد ذكر عند رسم عرض كل مكان منه أنه عرض جنوبي، يعني مما أخذ من خط الاستواء إلى الجنوب، وقد قال إن غانة في الجانب الغربي خارجة عن خط الاستواء في الجنوب، ولعل هذا لا يصح. فمن تأمل بعد ما بين سجلماسة وما هو على سمتها من غانة، وما هو على سمتها، ظهر له ذلك؛ لأن سجلماسة وما سامتها في الإقليم الثالث بلا شك، ومدى ما بينها وبين غانة وما سامتها لا يتجاوز به غاية الإقليم الأول، بل غاية ما يكون على أول الإقليم الأول. وقال شارح رسالة حي بن يقظان: "وأما من منع التولد في ما يلي خط الاستواء من جهة الجنوب لشدة الحرارة فقوله مردود بأدلة ظاهرة، منها: أن الحرارة لا تكون إلا للحركة، أو لملاقاة جسم حار، أو لشدة الضوء، والشمس في طبعها ليست بحارة ولا لها شيء من الكيفيات المزاجية لبساطتها، ولا يقبل الضوء إلا الأجسام الصقيلة والغير [شفافة] والأجسام الكثيفة بعدهما، وأما الأجسام الشفافة فلا تقبله، فتبين من ذلك أن الشمس لا تسخن الأرض كما تسخن الأجسام الحارة أجساما أخرى تماسها؛ لأنها لا تماس الأرض وليست حارة (الطبع، ولا) الأرض أيضا تسخن بالحركة؛ لأنها ساكنة بطبعها، ولا الشمس أيضا تسخن الهواء فيسخن الأرض؛ لأن في وقت الظهيرة تجد الهواء القريب من الأرض أبرد من الهواء البعيد عنها في السطوح العالية، فتبين أن تسخين الشمس بالإضاءة المنكوسة لانعكاس الشعاع، وقد قام الدليل على أن البقاع التي تحت خط الاستواء لا تسامت الشمس رؤوس أهلها سوى مرتين في العام في

رأس الحمل والميزان، ويكون جنوبهم ستة أشهر وشمالهم ستة [أشهر] ويزول عنهم بسرعة فلا يستمر تأثيرها فتسخنهم، وليست كذلك في الآفاق المائلة"، انتهى كلام شارح رسالة حي بن يقظان.

ونحن قد أوردناه بمعناه إن لم يكن بلفظه، لما فيه من إقامة الدليل على إمكان العمارة هناك (والذي يظهر أن ما وراء خط الاستواء إلى جهة الجنوب يكون مزاج ما ورائه إلى جهة الشمال، وإنما وقع الاختلاف بينهما في تباين المزاج بأسباب، منها أرضية وسماوية، فمن السماوية: اختلاف ممر الكواكب على سمت الرأس السيارة والثوابت، واختلاف القطبين، ومن الأرضية: اختلاف البقاع بالكيفيات في قبول الحرارة من الشمس والرطوبة من القمر، وغير ذلك مما تستفيده الكيفيات باختلاف أمزجتها، فإننا نرى بلدين عرضهما لا يكاد يختلف كبغداد ودمشق، وبغداد أشد حرارة من دمشق، وإنما ذلك لأسباب أرضيه كما قلنا. وقد يكون في جهات أخرى أسباب سماوية، وقد يجتمعان).

وأما ما هو من وراء الإقليم السابع فمرئي مشهود وحدّث به كثير من التجار والمتجولين في البلاد، وسكانه يسكنون الحمامات أو ما هو شبيه بالحمامات مما يتخذ فيه مواقد النار، ولا يكاد ترى به الشمس لتوالي الأنواء وكدر الجو بما يركبه من الغمائم والضباب المتراكم المتراكب كالظلمات.

وأما كلامنا الآن فهو على الأقاليم السبعة المقسومة، وقد قيل في معنى قوله تعالى: ﴿وَمِنَ اَلْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ إن المراد من قوله: ومن الأرض مثلهن، هو الأقاليم السبعة، ثم اختلف، هل الأقاليم السبعة هي

المقسومة على هذا التقسيم الجغرافي، أو ناحية ناحية لا على التقسيم الجغرافي؟! ونحن نبدأ بذكر ما ذهب إليه من قال إنها ناحية ناحية، وإن لم يكن المرجح، لنفرغ منه ونفرغ البال للراجح المعمول عليه.

فأما من قال إنها ناحية ناحية، فقال: الصين وصين الصين وخراسان أرض، الهند والسند أرض، وفارس والجبال والعراق وجزيرة العرب أرض، والشام وأرمينية وما والاها أرض، ومصر وإفريقية والمغرب أرض، والحبشة وما والاه أرض، والأندلس وما جاورها من بلاد الجلالقة والأنكبرد أرض، وليس هذا.

بشيء، ويرد على هذا بلاد كثيرة في الجنوب والشمال وما بين ذلك، اللهم إلا أن يجعل مجاورة كل أرض محسوب منها.

وقال بعضهم: بل هي أرض فوق أرض متلاصقة كطبقات البصلة، طبقة راكبة على طبقة، مقعر أحدها على محدب الآخر بتلاصق ملتزم لا خلاء بينه.

ولا دليل على ذلك، وإذا كانت الطبقة راكبة (على أخرى من جنسها من غير خلاء لم تتميز طبقة من طبقة. والصحيح ما ذهب إليه) من قال إنها أرض فوق أرض متباينة بخلاء كالسماوات سماء فوق سماء، ويدل [على ذلك ما رواه البيهقي بسند الثقات عن أبي هريرة ﵁ قال: (قال رسول الله ﷺ: تدرون ما هذه فوقكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال:

فإنها الرقيع سقف محفوظ وموج مكفوف بينكم وبينها مسيرة خمس مائة عام،

وبينها وبين الأخرى مثل ذلك حتى عد سبع سماوات، وغلظ كل سماء مسيرة خمس مائة عام، ثم قال: هل تدرون ما هذه التي تحتكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: فإنها الأرض بينها وبين التي تليها خمس مائة عام حتى عد سبع أرضين، وغلظ كل أرض مسيرة خمس مائة عام). وروى البيهقي عن الحاكم بسنده عن أبي ذر ﵁ قال: (قال رسول الله ﷺ ما بين كل سماء إلى التي تليها مسيرة خمس مائة عام وللأرض مثل ذلك).

وروى الحاكم بإسناد حسن عن ابن عباس قال: ﴿وَمِنَ اَلْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ قال:

"سبع أرضين، في كل أرض نبي كنبيكم، وآدم كآدمكم، ونوح كنوح، وإبراهيم كإبراهيم وعيسى كعيسى".

وروى الحاكم أيضا - له شاهد بسند على شرط البخاري ومسلم عن ابن عباس - في قوله تعالى: ﴿خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ اَلْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾، قال: "في كل أرض نحو إبراهيم". وعن أبي الدرداء قال: (قال رسول الله ﷺ: كتف الأرض مسيرة خمسمائة عام، وكتف الثانية مثل ذلك). وروى الأزرقي في كتاب أخبار مكة عن مجاهد، قال: "لقد خلق الله موضع هذا البيت قبل أن يخلق الأرض بألفي سنة وإن قواعده لفي الأرض السابعة السفلى". وقال مجاهد: "إن هذا البيت أحد أربعة عشر بيتا في كل سماء بيت وفي كل أرض بيت بعضهن مقابل بعض". ذكره النووي في منسكه،

وقال كعب الأحبار: "إن الله خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن، ثم جعل بين كل سمائين كما بين السماء والأرض، وجعل كتفها مثل ذلك، ثم رفع العرش فاستوى عليه" إسناده صالح]

وهذه الأحاديث التي ذكرناها صريحة في ذلك، غير قابلة للتأويل، ولا سبيل إلى ردها، وقد قال الله تعالى: ﴿اَلَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً﴾.

وقال تعالى: ﴿خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ اَلْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾، وقال النبي ﷺ: (من غصب شبرا من أرض طوّقه الله من سبع أرضين). وقال رسول الله ﷺ لعائشة: (يا حميراء أما علمت أن العبد إذا سجد لله طهر الله له موضع سجوده إلى سبع أرضين). وقال ﷺ: (من سرق من الأرض شبرا جاء يحمله يوم القيامة على عنقه إلى أسفل الأرض).

فثبت بذلك كله بالقول الجزم الذي لا يردّ وفيه: أنها أرض فوق أرض لا إنها قسمة الأقاليم، لا على قول من قال إنها ناحية ناحية - كما ذكرنا - ولا على قول من يقول إنها إقليم إقليم على ما في التقسيم الجغرافي كما نذكره، فتأكد بما ذكرناه من الأحاديث بطلان ذينك القولين وأن هذه الأرض المدحوة لمشينا عليها، الباطشة أقدامنا فوقها بأسرها من المشرق إلى المغرب أرض واحدة

من السبع أرضين المشار إليها في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ اَلْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾، وحينئذ تكون الأقاليم كلها أجزاء مقسمة من أرض واحدة، والله أعلم.

وقد قدمنا القول إن المعمور أقل من الثلث وأكثر من الربع، ورأى الشريف أنه الربع، قال: "وهذا الربع المسكون قسّمه العلماء سبعة أقاليم، كل إقليم منها مار من المغرب إلى المشرق موازيا لخط الاستواء، وليست هذه الأقاليم بخطوط طبيعية، لكنها خطوط وهمية موجودة بالعلم النجومي، وهو مبتدئ في ابتدائه من الغرب عرفيا". وعليه نعمل في التقسيم، لأنها في فلك حركته من الغرب إلى الشرق، وقد نبهنا عليه. قال البيهقي، وقد ذكر هذه الأقاليم السبعة: " وصدورها بالمشرق خير من أعجازها، وأذنابها بالمغرب مقسومة من لدن امتداد خط الاستواء إلى خط ما يقارب الأم المستديرة بالأرض في نهاية العمارة حيث تسمى الأم هناك جبل قاقونا، قسمت سبعة أقاليم بأربعة عشر جزءا، كل إقليم على جزأين، كل إقليم جزء بنصف إقليم، أحد عروضها لتمام ارتفاع الحمل والميزان، كل جزء بخمس درجات، لكل إقليم عشر درجات، هي عرض البلاد الواقعة منه، ثم تتفاوت في الزيادة والنقص على مقدار مواقعها منه، تأخذ من قبة أرين متشاملة، يبدأ الجزء الأول خمس درجات ثم يزيد خمسا خمسا إلى أن يكمل في آخر السابع سبعين درجة، وقد ضرب صاحب جغرافيا في لوح الرسم خطا لعروض الأقاليم بدأه من قبة أرين، ومدّه من قبة أرين في الجنوب وراء خط الاستواء مقدار إقليمين بأربعة أجزاء، ثم قطعه هناك ولم يتجاوزه، وحدّه من قبة أرين في الشمال على العمران والخراب متغلغلا إلى البحر المحيط، فأما ما وراء خط الاستواء إلى الجنوب من الأجزاء الأربعة المعدودة بإقليمين المشار إليها هنا وفيما تقدم من هذا الكتاب، فإنه وقعت عمارة

بالنصف الشرقي تقريبا في ثلاثة أجزاء منها مقدرة العرض بإقليم، ونصف إقليم لو بسط في النصفين على خط واحد يمر من المشرق إلى المغرب لكان بنصف ذلك، فيكون نصف وربع إقليم، وقد علّم صاحب الجغرافيا على الأجزاء الأربعة في ذلك الخط لتمام ارتفاع الحمل والميزان فيها ما يذكر:

الجزء الأول المار مع الإقليم الأول في جنوبه (هـ) هي خمس درجات، والجزء الثاني الذي يليه في جنوبه (ي -) هي عشر درجات، والجزء الثالث الذي يليه في جنوبه (يه -) وهي خمس عشرة درجة، والجزء الرابع الذي يليه في جنوبه (ك -) وهي عشرون درجة، وذلك المقدّر بإقليمين من وراء خط الاستواء، وقطع من هناك الخط، وأما ما رسمه في الأجزاء من قبة أرين متشاملا إلى البحر المحيط فهو الواقع فيه مجموع الأقاليم السبعة المقسومة، وبه جل المعمور، بل كل المعمور. وسنبين عروضه التي رسمها صاحب الجغرافيا على خط العروض في لوح الرسم وعدتها من لدن قبة أرين قاطعا الجبل الأم إلى البحر المحيط ثمانية عشر جزءا، مقدارها تسعة أقاليم، كل جزئين بإقليم فمن ذلك الأقاليم السبعة، وهي التي رسم مقدار العرض على أجزائها من (هـ -) إلى (ع -)، وهو من خمس درجات إلى سبعين درجة على ما ذكرناه ومن ذلك جزء مقدر بنصف إقليم معمور يمر مع الأقاليم السبعة من المشرق إلى المغرب حسبما علّم عليه في خط العروض (عه -) بخمس وسبعين درجة، ونهاية هذا الجزء جبل الأم المسمى هناك بجبل قاقونا، ومن ذلك وراء خط الجبل في الخراب ثلاثة أجزاء مقدرة بإقليم ونصف، كلها خراب منقطعة لا عمارة فيها، وقد علّم على أولها الملاصقة للجزء والمعمور وراء الإقليم السابع (ف -) وهي ثمانون درجة، وعلم على ثانيها (فه -) وهي خمس وثمانون درجة، وعلّم على ثالثها

(ص -) وهي تسعون درجة، وبه تم خط العروض.

وإذ أنهينا الكلام في ذلك على الجملة نذكر ما علم عليه في عروض أجزاء الأقاليم السبعة المقسومة على أربعة عشر جزءا على ما هو بجزء جزء إلى نهايتها، (على أنني غير مسلّم أن العمارة تبلغ ذلك، وإنما كلامنا على ما صوّر في لوح الرسم) فنقول وبالله التوفيق: إنه من أول ما قسم الأقاليم السبعة وجزّأ أجزاءها كل جزء بخمس درجات، علم عليها في خط العروض ما نبينه: فأولها وهو المارّ مع خط الاستواء من شماليه علّم عليه (هـ -) بخمس درجات، وثانيها الذي يليه من شماليه (ي) بعشر درجات. وثالثها الذي يليه من شماليه (يه) بخمس عشرة درجة، ورابعها الذي يليه من شماليه (ك) بعشرين درجة، وخامسها (كه) بخمس وعشرين درجة، وسادسها (ل) بثلاثين درجة، وسابعها (له) خمس وثلاثين درجة، وثامنها (م) بأربعين درجة، وتاسعها (مه -) بخمس وأربعين درجة، وعاشرها (ن) بخمسين درجة، وحادي عشرها (نه) بخمس وخمسين درجة، وثاني عشرها (ص) بستين درجة، وثالث عشرها (سه) بخمس وستين درجة ورابع عشرها (ع -) بسبعين درجة. وبه تمت الأجزاء الأربعة عشر وهو تمام الأقاليم السبعة المقسومة (وعلى تقدير التقسيم في بلوغ المعمور إلى ذلك في آخر الإقليم السابع فيكون من المفروض الذي لا حقيقة له، إذ لا يمكن بلوغ المعمور الممكن سكنه إلى هذا الحد).

وأما الطول فقد ضرب صاحب الجغرافيا له خطا وهو المسمى خط الاستواء

بدأ به من البحر المحيط في أول المغرب إلى البحر المحيط في آخر المشرق، بدأ به آخذا على قبة أرين، وبقيت قبة أرين وسط خط الطول ووسط خط العرض،

وقسّم هذا الطول بأجزاء، كل جزء بخمس درجات هي أول هذا الخط على البحر المحيط في المغرب إلى أن ينتهي في آخر هذا الخط على البحر المحيط بالمشرق إلى مائة وثمانين درجة، علّم عليها صاحب الجغرافيا في لوح الرسم (قف -)، وذلك بنصف ثلاثمائة وستين درجة التي هي مجموع درج الفلك، تمر الأجزاء المرسومة في خط العروض عليها برا وبحرا من أول ما رسم من غاية الجزئين المقدرين وراء خط الاستواء بأنقص لما تخطفه الدائرة شرقا وغربا حتى يقع خط الاستواء على أطولها خطا من المغرب إلى المشرق، لم تخطفه الدائرة بتضايقها كما خطفت في أطوال الأقاليم شرقا وغربا مع ما تخطفه خرجات البحر المحيط في الربع الغربي الآخذ إلى الشمال، فيكون هناك أقصر مدى الخطوط، وليس هذا موضع تحرير مقداره، والله أعلم بغيبه.

الإقليم الأول: يأخذ في الغرب من جزيرة بكلوطة المجزّرة في المحيط على مجالات الحبشة على مجالات النوبة شاقّا للبحر الهندي، إلى مدينة الفضة من الصين في الشرق، إلى جزيرة الموق المجزّرة في البحر المحيط.

والإقليم الثاني: يأخذ في الغرب من جزيرة غرطوبا المجزرة في البحر المحيط على زبيد، شاقّا البحر الهندي على مدينة ضينيا العليا من الصين في الشرق إلى جزيرة قلعة الفضة المجزّرة في البحر المحيط.

والإقليم الثالث: يأخذ في الغرب يأخذ من جزيرة قوموس المجزرة في البحر المحيط على بر العدوة على إفريقية، على برقة، على مصر، على أطراف الحجاز والشام شاقا القلزم على سجستان وبلاد الهند، على الصين إلى جبال النشادر من الصين في الشرق إلى جزيرة العلوية المجزّرة في البحر المحيط.

والإقليم الرابع: يأخذ في الغرب من أول جزائر الخالدات المجزّرة في البحر المحيط، يشق البحر الشامي ويدخل في جنوبي الأندلس، على صقلية، على

حلب وبلاد الجبل، آخذا على بخارا في ما وراء النهر على السند، على قراقرم إلى صين الصين في الشرق، إلى البحر المحيط.

والإقليم الخامس: يأخذ في الغرب من بقايا جزائر الخالدات المجزرة في البحر المحيط، على معظم الأندلس، على القسطنطينية الكبرى ومدائن الروم على فرغانة وطبرستان، على صنم الخطا المحجوج إليه في الشرق، إلى البحر المحيط.

والإقليم السادس: يأخذ في الغرب على جزيرة الحجر المجزّرة في البحر المحيط على قرم البلغان على صحاري القبجاق في الشرق على بلاد يأجوج ومأجوج.

والإقليم السابع: يأخذ في الغرب من جزيرة الغنم وجزيرة النساء وجزيرة الرجال وجزيرة مرطليا المجزرات في البحر المحيط على بلاد اللان والأص والجركس والبلّار والماجار على بلاد أسحرت على بحيرة الشياطين في الشرق إلى طرف سد يأجوج ومأجوج. وبه تمام الأقاليم السبعة.

وجميع مدن الأرض داخلها إلا ما شذ مما هو خارج عنها مما هو وراء خط الاستواء في الجنوب. وما خرج وراء الأقاليم السبعة من الشمال، وإنما المدن مقسمة في هذه الأقاليم على ما وقعت فيه. وقد ذكرنا هذه الأقاليم آخذة من الغرب إلى الشرق على ما رسمه صاحب الجغرافيا في لوح الرسم وعلى كل هذا قسم الشريف "كتاب أجار" وإن لم يكن شرط كتابنا في وضعه، ولله غيب السماوات والأرض، علم الإنسان ما لم يعلم، وهو أعلم، أحاط بكل شيء علما، وأحصى كل شيء عددا، لا إله إلا هو، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.