من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
حانة الطائف
كانت في الجاهلية. وكان خمّارها يسمّى ابن بجرة. وكانت قريش وسائر العرب تقصده، فتشرب في حانته. وتمتار منه وتحمل إلى أوطانها، وتورد أحباءها مواقر إبله لتضرب بأعطانها. وفي ابن بجرة يقول أبو ذؤيب:
فلو أنّ ما عند ابن بجرة عندهامن الخمر لم تبلل لهاتي بناطل!
فتلك التي لا يذهب الدهر حبّهاولا ذكرها ما أرزمت أمّ حائل
وإنّ حديثا منك لو تبذلينهجنى النّحل في ألبان عوذ مطافل!
مطافيل أبكار حديث نتاجهايشاب بماء مثل ماء المفاصل!
لعمري! لأنت البيت أكرم أهلهوأجلس في أفيائه بالأصائل!
حانة بني قريظة: وكان خمّارها في جوار سلام بن مشكم. وكان عزيزا منيعا. ولما انصرف أبو سفيان بن حرب من غزوة السّويق، نزل على ابن مشكم. فأكرمه واحتبسه عنده ثلاثة أيام. وبعث إلى جاره الخمّار، فابتاع كلّ
ما في حانوته، وسقاه أبا سفيان ومن معه من قريش. فقال أبو سفيان:
سقاني ورواني كميتا مدامةعلى ظمإ منّي، سلام بن مشكم!
تخيرته أهل المدينة واحدالحلف فلم أغبن ولم أتندّم!
حانة هجر: وتعرف بحانة ريمان. وهي مذكورة. وقال فيها الراعي النّميري:
وصهباء من حانوت ريمان قد غداعلي ولم ينظر بها الشّرق صابح
تبصّر عنها اليوم كأس رويّهوبرد العشايا والقيان الصّوادح
وبتنا على الأنماط، والبيض كالدّمىتضئ لنا لبّاتهنّ المصابح
إذا نحن أنزفنا الخوابي، علّنامع الليل ملثوم من القار طافح
حانات الحيرة: وهي أربع حانات:
حانة عون: وكان عون ظريفا، طيّب الشراب، نظيف الثياب. وكان فتيان الكوفة يشربون في حانته، ولا يختارون عليه أحدا. وشرب عنده ليلة أبو الهنديّ الشاعر، حتّى طلع الفجر وصاحت الديوك، على أنه يصبح يوم شك. فقيل إنه من رمضان. فقال:
شربت الخمر في رمضان حتّىرأيت البدر للشعرى شريكا!
فقال أخي: الديوك مناديات!فقلت له: وما يدري الدّيوكا؟
حانة دومة: وعن أبي عبيدة قال: مر الأقيشر بخمّارة في الحيرة، يقال لها دومة، فنزل عندها واشترى منها شرابا. ثم قال: لها جوّدي لي الشراب حتّى أجود لك المديح. ففعلت. فأنشأ يقول:
ألا يادوم، دام لك النعيم!وأسمر ملء كفك مستقيم
شديد الأسر ينبض جانباهيحمّ كأنه رجل سقيم،
يروّيه الشراب فيزدهيهوينفخ فيه شيطان رجيم!
قال: فظنّت الخمارة أن هذا مدح. فسرّت به وزادته في الشرب.
وقالت: ما قال في أحد أحسن من هذا.
حانة جابر: قال [محمد بن الضو] بن الصّلصال: كان أبو نواس يأتي الكوفة، يزورني. وكان يأتي بيت خمّار بالحيرة، يقال له جابر: لطيف الخلقة، نظيف الثياب، نظيف الآلة، يعتّق الشراب سنين. فقدم علينا مرّة، وقد نهاه الأمين عن الشراب. فسأل عني، فقيل: هو بالحيرة. فوافاني، وفي يدي شيء من شراب جابر، عجيب الحسن والرائحة.
فقال لي: يا أبا جعفر، لا يجتمع هذا والهمّ في صدر واحد! قال: وكان شديد العجب بضرب الطّنبور. وكان إذا جاءني جمعت له ضرّاب الطنابير.
وكانت الكوفة معدنهم. وكان يسكر في الليلة الواحدة سكرات. فوجهت فجمعت له منهم جماعة، وأحضرته شيئا من ذلك الشراب. فقال لي: ألم تعلم ما حدث علي؟ قلت: وما هو؟ قال: نهاني أمير المؤمنين عن الشراب وتوعّدني عليه!
ثم أنشدني قصيدته التي فيها:
أيّها الرائحان باللّوم، لومالا أذوق المدام إلا شميما!
إلى أن انتهى إلى قوله:
فكأنّي وما أحسّن منهاقعدي يحسّن التّحكيما
كلّ عن حمله السّلاح إلى الحرب فأوصى المطيق أن لا يقيما
فقلت له: أقم معنا كما حكيت من نقل القعديّة. قال: أفعل. وصرنا إلى حانة جابر. فقلت شعرا ذكرت فيه ما قاله لي وأنشدته إياه، وهو قولي:
عتبت عليك محاسن الخمرأم غيّرتك نوائب الدّهر؟
فصرفت وجهك عن معتّقةتفترّ عن درّ وعن شذر
يسعى بها ذو غنّة غنجمستكحل اللّحظات بالسّحر
ونسيت قولك حين تمزجهافتريك مثل كواكب النّسر
لا تحسبنّ عقار خابيةوالهمّ يجتمعان في صدر!
فقال: هاتها في كذا وكذا من أمّ الأمين! ومدّ يده، فأخذ القدح وشرب معنا. ثم شخص إلى الأمين. فقال له: أين كنت؟ قال: عند صديقي الكوفي.
وحدّثه الحديث. قال: فما صنعت، حين أنشدك الشعر؟ قال: شربت، والله! يا أمير المؤمنين. قال: أحسنت وأجملت. فاشخص حتّى تحمل إلى صديقك
هذا. فقدم إلى فحملني إليه. فلم أزل معه حتّى قتل.
حانة شهلاء: وكانت يهودية من أهل الحيرة. وحكي أنّ الأقيشر كان يألفها، وكان يشرب في دارها. فجاءه شرطي فدقّ الباب، فقال: أسقني وأنت آمن. فقال: والله ما آمنك. وهذا النقب في الباب، فأنا أسقيك منه. فوضع له أنبوب قصب في النقب، فصب فيه النبيذ من داخل، والشرطيّ يشرب من خارج. فقال الأقيشر:
سأل الشرطيّ أن نسقيهفسقيناه بأنبوب القصب
إنما لقحتنا خابيةفإذا ما مزجت كان العجب
لبن أصفر صاف طعمهينزع الباسور من عجب الذنب
إنّما نشرب من أموالنافاسألوا الشّرطىّ: ما هذا الغضب؟
حانات العراق: وهنّ أربع حانات:
حانة طيزناباذ: وكان خمّارها سرجس. وحكى سليمان بن نوبخت قال:
حججت واستصحبت أبا نواس، بعد امتناع منه ونفار. وشرط علي أن أتقدّم معه الحاجّ إلى القادسية، فنقيم نشرب بطيزناباذ. فنزل على خمّار كان يألفه.
فشرب يومه وليلته. ثم أنتبه يقول:
وخمار أنخت إليه ليلاقلائص قد ونين من السفار
فترجم، والكرى في مقلتيهكمخمور شكا ألم الخمّار:
"ابن لي كيف صرت إلى حريميولون الليل ملتبس بقار؟ "
فقام إلى العقار فسد فاهافعاد الليل مسود الإزار
ثم جلس يشرب. فلم يزل كذلك حتّى ورد علينا أوائل الحاج. وحجّوا.
ثم عادوا. فرحلنا معهم إلى بغداد، على أننا كنا حجّاجا معهم.
حانة قطربل: وكان خمارها ابن أذين.
حكى أبو الشبل البرجمي قال: اجتمعت بأبي نواس في النوبختية. فسلّمت عليه، وسألته عن خبره، وتحدّثنا طويلا. ثم قال: أتساعدني حتّى نمضي إلى موضع طيّب؟ قلت: أين هو؟ قال: بقطر بّل. فقلت: ضاقت الدنيا حتّى نسافر؟ فقال لي: إن هناك خمّارا ظريفا، لبقا، مساعدا، عنده شراب عتيق وغلمان صباح. فامض بنا فمضيت حتّى أتى حانة خمار. فقال لي: أتعرفه؟ قلت: لا. قال: هذا ابن أذين الذي أقول فيه:
اسقني يا ابن أذينمن شراب الزّرجون!
اسقنى حتّى ترى بيجنة غير جنون!
عتقت في الدن حتىهي في رقة ديني!
ولنا ساق عليهجبّة من ياسمين
قال: فأقمنا عنده ثلاثة أيام، في أنزه موضع ومع أكيس خادم. ثم انصرفنا.
حانة الشّطّ: قال أحمد بن حمدون: كان الواثق يحب المواخير، وما قيل فيها، وما غنّي به في ذكرها. فعقد حانتين: إحداهما في دار الحرم، والأخرى على الشطّ. وأمر بأن يختار له خمّار نظيف، جميل المنظر، حاذق بأمر الشراب، ولا يكون إلا نصرانيا من أهل قطربل. فأتي بنصراني، له ابنان نظيفان مليحان وابنتان بهذه الصفة. فجعلهم الواثق في الحانتين. وضم إليهم خدما وغلمانا وجواري روميّة. وأخدم النّساء حانة الحرم، والرجال حانة الشطّ. ونقل إليهما طرائف الشرب، وفرشهما من فرش الخلافة، وعلق عليهما الستور، وجعل فيهما الأواني المذهبة والدنان المدهونة. فكانتا أحسن منظر وأبهاه.
فلما فرغ منهما، أمر بإحضار المغنّين والجلساء. ولم يدع أحدا يصلح من ضرّاب الطنابير إلا أحضره. وحضرنا، وخرج الخمّار، هو وأولاده معه، عليهم الأقبية المسهّمة، وفي أوساطهم الزنانير الملحلاة، ومعهم غلمان يحملون المكاييل والكيزان والمبازل في الصّواني. وأخرجت تلك الدنان المذهبة، وقد طيّنت
رؤوسها تطيينا نظيفا، يعبق منه الطيب، فأقيمت بإزاء المجلس الذي كان فيه جالسا، فبزلت، كما يفعل في الحانات وجعل يؤتى بالأنموذجات، فيذوقها ويعرض ذلك على الجلساء. فيختار كلّ منهم ما يشتهيه. فيأخذ دنّا. ويجئ إلى الخمّار ويكتال منه بمكيال في إنائه، كما يفعل في المواخير، ويعود إلى موضعه فيجلس. ويوضع على رأس الحضور أكاليل الآس وما أشبهه من الرياحين. فكان أحسن يوم رأيته.
فشرب الواثق شربا كثيرا وأمر للخمار بألف دينار، ولزوجته بألف دينار، ولكل واحد من أولاده بخمسمائة دينار. ولم يبرح أحد منّا إلا بجائزة سنيّة.
وحكى الحسين بن الضحاك في حكاية له أن الواثق قال له: هل لك في حانة الشّطّ؟ قال: فقلت إي والله! يا أمير المؤمنين. فقام إليها فشرب هناك وطرب. وما ترك أحدا من الجلساء والمغنيّين والحشم، إلا أمر له بصلة. وكان من الأيّام التي سارت أخبارها، وذكرت في الآفاق.
فلما كان من الغد، غدوت عليه فقال: أنشدني يا حسين شيئا، إن كنت قلته في يومنا هذا الماضي. فأنشدته:
يا حانة الشّطّ قد أكرمت مثواناعودي بيوم سرور كالذي كانا!
[لا تفقدينا دعابات الإمام ولاطيب البطالة إسرارا وإعلانا]
ولا تخالعنا في غير فاحشةإذا تطرّبنا الطّنبور أحيانا
وسلسل الرّطل عمرو ثم عمّ بنا السّقيا فألحق أخرانا بأولانا
سقيا لعيشك من عيش خصصت بهدون الدّسا كر من لذّات دنيانا!
قال: فأمر لي الواثق بصلة سنيّة مجدّدة، واستحسن الشعر، وأمر أن يغنّى فيه.
حانة جويث: وتعرف بحانة بزيع، وهو خادم المتوكل.
وكانت عزيزة لا يعرض لها أصحاب المعاون. وكانت حسنة البناء، مؤزّرة مسقّفة بالساج. وإلى جانبها بستان نزه حسن لبزيع. وكان يتّخذ فيها آلة الشراب. وكان فيها خمّار يهودي، لا يبيع إلا شرابا مختارا سريّا، لا يبيعه أحدا من العامة والوضعاء. وكانت حانته لنزه الخاصّة والسّراة من الناس. وكانت موصوفة بالحسن والنظافة.
وفيها يقول عبد الله بن محمد بن عبد الملك بن الزيّات (وكان قد دعاه بزيع إليها، ومعهما جنّيّ الخادم، وكان نهاية في الحسن، وحسن الغناء):
سقانا بزيع والسّماك مشرّقونجم الثّريّا في السماء محلّق
كميتا كأنّ المسك حشو كؤوسهابها الشّمل مجموع فما يتفرّق
سلافة كرم أخلص الدّهر لونهايضئ لها الليل البهيم ويشرق
وقلت لجنّي: هلمّ فغنّنى!أرقت، وما هذا السّهاد المؤرّق؟
فغنّى غناء حرك القلب حسنهولما يحرّكه الشراب المصفّق!
حانة سجستان: حكي أن أبا الهندي، لما ضرب عليه البعث إلى سجستان، كان يلزمها ويشرب عندها مع نديم له. فشربا يوما حتّى سكرا وناما.
فلمّا هبّ هواء السّحر، انتبه أبو الهندي، والزقّ مطروح، قد بقي فيه شطر الشراب. فأقامه وصبّ منه في كأس. وجاء إلى نديمه فحرّكه وقال:
تصبّح بوجه الراح والطائر السّعدكمّيتا وبعد المزج في صفة الورد!
تضمّنها زقّ أزبّ كأنّهصريع من السّودان ذو شعر جعد
ولمّا حللنا رأسه من رباطهوفاض دما كالمسك أو عنبر الهند
وجدناه في بعض الزّوايا كأنّهأخو قرّة يهتزّ من شدّة البرد
أخو قرّة يبدي لنا وجه صفحةكلون رقيق الجلد من ولد السّند
حانات الشام: وهي اثنتان:
حانة عزاز: وكانت بتلّ عزاز
حكى إسحق، قال: كنت مع الرشيد، حين خرج إلى الرّقّة. فدخل يوما يشرب مع النساء. فخرجت ومضيت إليه. فنزلت عند خمارة هناك، لها زوج قسّ. ولها منه بنت. لم أر مثلها قطّ جمالا، ولا مثل بنتها. وأخرجت إلى شرابا لم أر مثل حسنه وطيب ريحه وطعمه فأجلستني في بيت مرشوش فيه ريحان غضّ. وأخرجت بنتها تخدمنى كأنها خوط بان، أو جدل عنان: لم أر أحسن منها قدّا ولا أسهل خدّا، ولا أشرق وجها، ولا أبدع طرفا، ولا أحسن كلاما، ولا أتمّ تماما. فأقمت عندها ثلاثا، والرشيد يطلبني، فلا يقدر عليّ. ثم انصرفت. فذهبت بي رسله إليه. فدخلت عليه، وهو غضبان فلما رأيته، خطرت في مشيتي ورقصت (وكانت في رأسي فضلة قويّة من السكر) وغنّيت في شعر قلته في بيت الخمّارة صنعت فيه. وهو:
إنّ قلبي بالتّلّ، تلّ عزّازعند ظبي من الظّباء الجوازي
شادن يسكن الشّآم وفيهمع شكل العراق ظرف الحجاز
يا لقومي لبنت قسّ أصابتمنك صفو الهوى ولست تجازي!
حلفت بالمسيح أن تنجز الوعد، وليست تهتّم بالإنجاز!
قال: واللحن في هذا الشعر خفيف رمل بالوسطى. قال إسحق: فسكن غضبه. ثم قال لي: ويحك! أين كنت؟ فأخبرته فضحك وقال: عذر، والله! وإنّ مثل هذا لطيّب، إذا اتّفق. أعد غناءك! فأعدته. فأعجب به، وأمرني أن أغنّيه ليلتي كلها، أعيده أبدا، ولا أغني أنا ولا غيري سواه. وأمر المغنّين بأخذه. فما زلت أغنّيه ويشرب عليه إلى الغداة. ثم انصرفنا. فصلّيت ونمت. فما
استقررت جنبا حتّى وافاني رسول الرشيد، يأمرني بالحضور. فركبت ومضيت فلما دخلت إذا أنا بابن جامع يتمرّغ على دكّان في الدار، لغلبة النبيذ والسكر عليه. فقال لي: أتدري لم دعينا؟ قلت: لا. قال: نصرانيّتك الزانية، عليك وعليها لعنة الله! فضحكت. فلما خرج إلينا الرشيد، أخبرته بالقصة. فضحك وقال: صدق. أعيدوه جميعا، ولا تغنوا غيره. فإني اشتقت إلى ما كنّا فيه لما فارقتموني. فغنيّناه جميعا يومنا كلّه، حتّى نام في موضعه، سكرا. ثم انصرفنا.
حانة هشيمة: وكانت بدمشق. وكانت تخدم الوليد بن يزيد في شرابه وتتولى اتّخاذه له. وكان يقال إنه لم ير أعرف منها به، ولا أنظف آلة وصنعة، ولا ألبق في الخدمة.
وقد ذكرها [الوليد بن] يزيد في شعره إذ قال:
قد شربنا وحنّت الزّمارهفاسقني يا بديح بالقرقاره!
من شراب كأنّه دم خشفعتّقته هشيمة الخمّاره
اسقني! اسقني! فإنّ ذنوبيقد أحاطت فما لها كفّاره!
وعمّرت حتى أدركت الرشيد وماتت في أيامه. ماتت يوم مات الكسائي [النحوي] والعبا [س بن الأحنف الشاعر. فصلى] المأمون عليهم.
وها قد ذكرنا ما اتّصل بنا علمه، ووقع إلينا خبره، وبه تم الفصل السادس وهو آخر فصول الباب الأوّل من القسم الأوّل.
ولله الحمد وبه التوفيق!
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع