تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

الإقليم الأول

وهذه صورة الإقليم الأول، وهو الآخذ مع خط الاستواء على شماله من البحر المحيط بأقصى الغرب على البحر المحيط بأقصى الشرق، وعرضه من خمس درجات إلى عشر درجات على ما شرحنا بتفاوت ما بين ذلك عروض الأراضي به على مقدار وقوعها منه.

والذي وقع في هذا الإقليم الأول من البلاد والجزائر العامرة مما اشتهر اسمه مما وقع بالبحر الهندي وفروعه الخارجة منه وما اتصل به من البحر المحيط في الشرق والغرب نذكره: وأول ما نبدأ به من الغرب على حكم خط الأقاليم بلاد مغزازة الذهب، ومن مدنها مدينة أو ليل، وبها الملاحة التي تمد جميع بلاد السودان، قال الشريف: ولا نعلم ببلاد السودان ملاحة سواها، ومدينة مالي، ومدينة بريس، وينبت على شاطئ النيل بها الأبنوس. وبلاد لملم، ومن مدنها مدينة ملل. وبلاد غانة، من مدنها مدينة غانة وهي كبيرة مقصودة، ولما صنف الشريف كتابه (أجار) ذكر أن ملكها من ذرية صالح بن عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵁، وإسلامها قديم، وهي متصلة ببلاد ونفازة الذهب. قال الشريف: "فما كان على عهده والذي يعلمه أهل المغرب الأقصى علما يقينا أن له (يعني ملكها) في قصره لبنة ذهب وزنها يكون ثلاثين رطلا تبرة واحدة خلقها الله تعالى تامة من غير أن تسبك بنار ولا تطرق بآلة، وقد نفذ فيها ثقبا، وهي مربط لفرس الملك". قال: "وهي من الأشياء الغريبة التي ليست عند غيره ولا صحت إلا له وهو يفخر بها". ومن مدن غانة:

غربيل وبيرقى وهي مدينة كبيرة، ومراسة وسمغارة، وجزيرة ونفازة، يحيط بها النيل، وطولها ثلاثمائة ميل وعرضها مائة وخمسون ميلا، يركبها

النيل في زمن زيادته ويخرج أهلها عنها، فإذا نزل الماء عنها رجع أهلها إليها وبحثوا أرضها واستخرجوا التبر، وسنذكره في مكانه مفصلا إن شاء الله تعالى.

وبلاد بغامة: ومن مدنها كوغة، ولسان أهلها بالبربرية، وشربهم من عيون يحفرونها، ولهم بصر ثاقب بالأرض التي في باطنها الماء، ويد طولى في إنباطه. ومدينة كوكو: وهي مشهورة الذكر في بلاد السودان، وهي على نهر يخرج من جهة الشمال فيمر بها، ويقال إنه مما يمد النيل. قال الشريف:

ولملكها بأس وقوة وزي كامل، ولباس عامة أهلها الجلود يسترون بها عوراتهم، قال: وينبت في أرضها عود الحية، ومن خاصته أنه إذا وضع على جحر الحية خرجت إليه مسرعة، ثم إن ماسك هذا العود يلحقه قوة في نفسه فيأخذ به من الحيات ما شاء من غير أن يدركه شيء من الجزع، ثم قال: "والصحيح عند أهل الغرب الأقصى وأهل ورقلان أن ذلك العود إذا أمسكه ماسك بيده أو علقه في عنقه لم تقربه حية البتة، وهذا مشهور، وصفته كصفة العاقر قرحا مفتولا لكنه أسود اللون". قال ابن البيطار فيه: "إذا سقي منه نصف درهم شفى من كل سم حار وبارد، يفعل ذلك وجيّا، وإذا أمسكه أحد بيده لم تعد عليه شيء من الحيات. قال: وزعم قوم أن من أمسكه بيده إن وقعت عينه على حية أسبتت

ولم تتحرك عن موضعها، فإذا مضغ وتفل في فم الأفعى ماتت". (وسيأتي ذكره في موضعه إن شاء الله).

وبلاد كانم: ومن مدنها مدينة جيمي، وهي صغيرة تجاور النوبة، ومدينة زغاوة، وقاعدتها مدينة تامانان بها مسكن ملكها، و [مدينة تاجوه، وهي قاعدة] بلاد التاجوين، وهم قوم مجوس لا دين لهم.

وبلاد النوبة: وقاعتها دنقلة ومن مدنها مدينة كوشة، ومدينة علوة، ومدينة بلاق. وبلاد البجة، وبلاد الحبشة، ومن أكبر مدنها مدينة جنبيثة، وهي مدينة كبيرة متحضرة لكنها في برية بعيدة من العمارات وهي متصلة بالنهر الذي يمد النيل وهو يشق بلاد الحبشة وعليه مدينة مركطة،

ومدينة الميجاعة، وزعم الشريف أن هذا النهر يمر مغربا مع الشمال حتى يصل إلى أرض النوبة فيصب هناك في النيل، وعليه تزرع بوادي الحبشة زروعهم، قال الشريف: وقد وهم أكثر المسافرين في هذا النهر حين قالوا إنه النيل؛ وذلك لما رأوا مشابهته للنيل في زيادته ونقصه أوقات زيادة النيل ونقصه. وقال: إن هذا ذكره بطليموس الأقلوذي في كتابه المسمى ب "الجغرافيا"، ومن مدنها مدينة زالع، ومدينة منقونة، ومدينة واقنت - وأظنها أوفات - ومدينة ما قطي، قال الشريف: والميجاعة في برية، وشرب أهلها من الآبار وماؤها يجف في أكثر الأوقات حتى لا يوجد، وبها معادن الذهب والفضة في جبل مورين، ولهذا يقطنها القاطن. قال الشريف: "وبين هذا المعدن وبين أسوان نحو خمسة عشر يوما".

وبلاد البربر وأعلى صعيد مصر، وبه معدن الزمرد.

وبلاد اليمن: ومن مدنها مدينة صنعاء، ومدينة زبيد، ومدينة المهجم، ومدينة برباط، وأرض حضرموت، وأرض شبام، وتهامة، وبلاد عاد، وبالبحر الهندي من اليمن جزيرة سقطرى، وإليها ينسب الصبر السقطري وأهلها يونان

لا يعرف اليوم يونان على صحة سواهم، لأن أرسطوا أشار على الإسكندر بإجلاء أهلها وإسكان طائفة من اليونان بها لحفظ الصّبر العظيم منفعته.

قال الشريف: وهي محسوبة من اليمن.

وأرض الزنج: ومن مدنهم مدينة بروة أهلها كفرة لا يعتقدون شيئا، ومآكلهم خبيثة كالأحناش والضفادع والفئران والورل وأم حبين وغير ذلك. ومن مدنهم مدينة ملندة وأهلها سحرة يصيدون الوحش الضاري بالسحر، حتى لا يضر إلا من أرادوا ضره والأسود والنمور لا تعدوا عليهم لسحرهم، واسم الساحر بلغتهم (المقنقان)، ومن مدنهم منبسة، وأهلها يستخرجون الحديد، ولهم كلاب حمر يغلبن السباع ويصدن النمور، وبها يسكن ملك الزنج. ومدينة البايس وهي كالقرية، وأهلها يعبدون الرحيم، وهو طبل

كبير مجلد من وجه واحد يربطون به بربطا يجذبونه فيصوت صوتا هائلا يسمع على نحو ثلاثة أميال، وللعرب في قلوب الزنج مهابة، فإذا رأوا عربيا سواء أكان تاجرا أو غيره سجدوا له وسارعوا إلى نجازه وقضاء أربه.

وسنذكر ما وقع من هذا الإقليم من الجزر بالبحر الهندي: فمن ذلك ما وقع في القلزم الخارج منه: فمن ذلك جزيرة كمران، وجزيرة دهلك، وجزيرة سواكن، وليس بها مملكة مشهورة، ولا متاجر مذكورة، وكل أهلها مسلمون قائمون بالإسلام، ويجلب منها إلى مصر أغنام حسان يقتنى بها للفرجة لا للأكل والنتاج، وكان لدهلك ذكر زمان أبي السداد مالك بن أبي الفياض، وكان يميل إلى الإنشاء والإنشاد، وهو الذي قصده الأعز بن قلاقس ومدحه، فمن

قصيدة مدحه بها:

كأنا وأفواه الفجاج تمجناإلى مالك من كل أرض مآلك
للشاعر ابن قلاقس، من قصيدة «تلين لعزمي بالعراء العوائك»
هو البحر تستمطي البحار ركائباإليه وتستجري الرياح السواهك
فإن أحي إن حيّيت غرّة وجههفكم قلت أني دون ذلك هالك
إليك رفعنا محصنات من الثناءوكم رجعت حاشاك وهي فوارك
إذا خدمت بالشكر أبواب مالكسدت يده أني لمالك مالك

وقال في أبيه من أخرى وقد انتصر على أبي حربة وهو خارجي خرج عليه واستنصر بنصارى الحبشة فكسره ابن أبي السداد:

الله أعطاك في أعدائك الظفرافلم تبق لهم نابا ولا ظفرا
قلّدتهم مننا حتى إذا عجزتعنها رقابهم قلدتها بترا
للشاعر ابن قلاقس، من قصيدة «الله أعطاك من أعدائك الظفرا»
سروا إليك فلما أصبحوا حكمتبيض الظّبى أنهم لا يحمدون سرى
للشاعر ابن قلاقس، من قصيدة «الله أعطاك من أعدائك الظفرا»
جاؤوا صفوف قراع فانتقمت وماأبرّ جودك لو جاؤوا ضيوف قرى
جعلتهم جزرا للطير حين أبواأن يطلبوا بلسان الطاعة الجزرا
يسعى أبو حربة في رتبة منعتفلو أبوا ألف رمح رامها قهرا
للشاعر ابن قلاقس، من قصيدة «الله أعطاك من أعدائك الظفرا»
وتستخف أمانيه منيتهحتى يروم ثريا الأفق وهو ثرى
للشاعر ابن قلاقس، من قصيدة «الله أعطاك من أعدائك الظفرا»
حتى انتحاه أبو الفياض منتحياكالعضب ما مس من أطرافه بترا
جنى فلما أراه الفتح غايتهولى وأهدى إليك الرأس معتذرا
للشاعر ابن قلاقس، من قصيدة «الله أعطاك من أعدائك الظفرا»
فليهنك الفتح مخضرا جوانبهتكاد تقطف من أنبائه الزهرا
للشاعر ابن قلاقس، من قصيدة «الله أعطاك من أعدائك الظفرا»
سلمت إذا سرت بالإسلام معتصماوخاب إذ بالنصارى جاء منتصرا

وقال فيه من أخرى:

وفاض لي من أبي الفيّاض بحرندىأتى سحابا من المعروف سخابا
غضنفر لا يزال الماضيان لهإن حادث الدهر ناب الظفر والنابا
للشاعر ابن قلاقس، من قصيدة «أرابه البان إذ لم يقض آرابا»
نهّاب أعدائه وهّاب أنعمهأحسن بحاليه نهّابا ووهابا
للشاعر ابن قلاقس، من قصيدة «أرابه البان إذ لم يقض آرابا»
أتت إليه بنات الفكر قاصدةوكم أبت قبل خطّارا وخطّابا
توقدت فلو آن المرء ينشدهافي شهر كانون ظنوا آب قد آبا

وأما سواكن ففيها الشريف زيد بن أبي نمي الإدريسي الحسني في طاعة صاحب مصر، وسيأتي ذكره هناك.

وأما ما وقع في البحر الهندي فسنذكره: فمن ذلك جزائر الرانج [وهي تقابل بلاد الزنج الساحلية، ومن جزائر الرانج جزيرة شربوة] يقال إن تكسيرها ألف ميل ومائتا ميل، ذات زرع خصب وضرع وماء كثير، وبها مغايص اللؤلؤ وأفاوية الطيب، وبها جبل يسمى وبرة يأوي إليه عبّادها.

وبلاد سفالة الذهب، ومن مدنها مدينة بتهته، ويتصل بذلك جزر فيها الشجر، وفي البحر المجزرة به يوجد العنبر الكثير، الطيب الرائحة، قال

الشريف: «وقد توجد فيها العنبرة من قنطار وأكثر وأقل، قال: وهو شيء تقذف به عيون في قعر البحر مثل ما تقذف عيون هيت بالنفط، فإذا اشتد هيجان الريح رمى به إلى الساحل، قال: وقد وهم فيه بعض الناس حتى ظنه رجيع دابة، وليس هو إلا ما ذكرناه. وذكر أن هارون الرشيد بعث قوما إلى اليمن ليبحثوا على العنبر ما هو على الحقيقة، فأخبر أهل عدن وسومة أنه شيء يقذف به عيون في قعر البحر فيسوقه الموج إلى الساحل صغيرا وكبيرا».

وجزيرتان خرتان ومرتان، وبها ينبت اللبان. قال الشريف: وأهلها يتكلمون بألسنة عادية قديمة.

ثم جزر الهند وهي ما لا تحصى كثرة، ومن أجلها سرنديب، وبها جبل الرهون ومن مدنها مرقايا، وقدرينه وماخولون، وبرسقورى، وأول جزيرة القمر فيها خرج عن خط الاستواء معظمها وبه مدنها وأنهارها. وجزيرة

الرامي وطولها فيما يذكر سبعمائة فرسخ، وبها زروع ومعادن وطيب، وبها الكركدن وهو دون الفيل وفوق الجاموس في عنقه عوج كعنق الجمل لكنه بخلاف اعوجاج الجمل، ورأسه فيما يلي يديه، وله قرن في وسط جبهته، وفيما يذكر له أنه يوجد في بعض هذه القرون إذا شقت صورة إنسان أو صورة طائر أو غيره من الصور التي توجد فيه من أوله إلى آخره، ويصنع منها نصب سكاكين الموائد، فإذا وضع الطعام وكان به سم عرق ذلك النصاب فعلم أن ذلك الطعام مسموم. قال الشريف: وجزيرة الرامي طيبة الربى معتدلة الهواء عذبة الماء فيها عدد بلاد ومعاقل. وجزيرة كولي، وجزيرة الديبل، ومدينتها بشكار، وجزيرة مايط، وجزيرة تنومة، وجزيرة سلاهط، وجزيرتا قمار [وصنف]، وكلاهما به منابت العود وأغلاهما فيه الصنفي. وأما قمار فمملكة جليلة تعد فيها الممالك الكبار. وجزيرة تنومة: وبها زروع وحبوب عظيمة وأنواع من الطيور المأكولة التي لا توجد بالهند إلا فيها. وجزية عاشورا المقابلة للوقين

فرضة الصين إلى الهند. وجزائر السيلا والسيلان. ويقال من دخل السيلا استوطنها ولم يرد الخروج منها لطيب ثراها وكثرة خيراتها، وبها معادن الذهب التي لا توجد بمكان أكثر مما هي به. قال الشريف: حتى يتخذ أهلها منه سلاسل كلابهم وأطواق قرودهم قلت وقد ذكر بيبرس الدوادار المنصوري في تاريخه المسمى "زبدة الفكرة" أنه وصل في سنة اثنتين وثمانين وستمائة رسول بونكبا صاحب سيلان إلى الباب المنصوري قلاون واسمه الحاج سابور عثمان بكتاب منه في حق ذهب لم يوجد من يقرأه وإنما أخبر الرسول محضره أنه يتضمن طلب المودة وأنه يجهز كل سنة عشرين مركب هدايا، وقال: إن سبعا وعشرين قلعة خزائنها مملوءة جواهر وياقوت والمغاصات عنده وكلما يحصل منها فهو له، هذا ملخص ما ذكره.

ثم جزائر الواق واق ودونها ينعطف البحر فيحاذي الصين ويكون البحر هناك أصعب ما يكون، ثم تقع به جزيرة الموجة أم جزائر الصين، وأهلها بيض

ونساؤهم أجلّ نساء الأمم ذوات شعور طوال، وبها خيل كثيرة يقاتلون عليها من عاداهم، ويوجد عندهم دابة المسك ودابة الزباد وينتهي هناك إلى البحر المحيط.

ويقع فيما يحاذيه من بر الصين مما هو في الإقليم الأول مدينة خانفو، ومدينة كوابله، ومدينة شغلا، ومدينة مانطو، ثم جزائر الخالدات بالبحر المحيط. وبه تم الإقليم الأول ولله الحمد والمنّة.

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.