تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

الإقليم الثاني

(وهذه صورة الإقليم الثاني) وهو الآخذ مع الإقليم الأول على شماليه من البحر المحيط بأقصى الغرب إلى البحر المحيط بأقصى الشرق.

والذي وقع في هذا الإقليم الثاني من البلاد والجزائر العامرة مما اشتهر اسمه مما وقع بالبحر الهندي وفرعيه الخارجين منه، وهما القلزم والفارسي، وما اتصل به من البحر المحيط في الشرق ما يذكر.

وأول ما نبدأ من الغرب على حكم خط الأقاليم وبه في مبدئه من المحيط:

جزيرة مسفهان، وجزيرة دقوس من الخالدات، وبجزيرة مسفهان جبل مدور، قد حكى صاحب العجائب أن عليه صنما من نحاس أحمر بناه أسعد أبو كرب الحميري، وهو تبّع الأكبر أحد الثلاثة الذين ملكوا الأرض، كأنه يشير إلى من بلغه بأن لا مسلك وراءه. وذكر أن بجزيرة دقوس صنما لا يمكن الصعود إليه، قال [الشريف الإدريسي]: وفيها مات بانيه تبع ذو المراثد، وهناك قبره في هيكل مبني من المرمر والزجاج الملون.

وبساحل المحيط بها حجر البهت يباع بقيمة غالية، لأنه مشهور عند أهل المغرب الأقصى أنه ما أمسكه أحد بيده وسار في حاجة إلا قضيت، وهو عندهم جيد في عقد الألسنة. وربما أنه يسمى في وقتنا حجر البلارج، وهو طائر طويل الرجلين، ويقول له أهل المغرب: أبو الشقشاق، يحمل هذا الحجر ويلقيه بأعشاشه فيؤخذ منها، وهو عسر قليل، ويختبر بأن يلقى في قدر يغلى ماؤها فإذا ألقى بها سكن الغليان. قال لي من رآه أنه قدر البندقة الكبيرة جدا، شديد

الاستدارة، لونه به نمش بياض يضرب إلى الزرقة قليلا. ويوجد بهذا الساحل أحجار كثيرة ذات ألوان شتى وصفات مختلفة يتنافسون في أثمانها، ويذكرون أنها تتصرف في أنواع العلاجات الطبية [الفاعلة] بالخاصية، ومن ذلك ما يعلق على الثدي الوجع فيبرأ مسرعا، وما يعلق على الحامل فتسرع الوضع، ولهم على بعضها رقى مشهورة في قوم معروفين هناك بها.

ويقع في هذا الإقليم تتمة بلاد مغزازة، وماؤها قليل وسالكها عزيز، وأرض قمنورية كان بها من السودان أمة تزعم أنها يهود ولا ملك لهم ولا ملك عليهم، ودينهم مدخول، وأكثر حربهم من جاورهم، فخلاها غالب أهلها وتفرقوا في البلاد، وبها جبل يسمى جبل مايان يتصل بالمحيط ولا يبارى علوه، يقال إن السحاب تمطر دونه، وترابه أحمر وفيه أحجار لماعة لا يكاد يثبت الناظر نظره فيها لكثرة شعاعها وبريق حمرتها، وفي أسفله ينابيع يحمل السفار الماء منها، وبها معظم بلاد غانة، ومجال قبائل لمطة وأرض فزان، ومدينتاها جرما الكبرى وجرما الصغرى، وبها معدن فضة في جبلها المسمى هناك جبل جرجيس، ومجال مدراوة، وبلاد زغاوة، وبها من المدن: مدينة شغوة، ومدينة شامة، وبها قوم رحالة من البربر داخلوا زغاوة حتى صاروا كأنهم منهم، وزغاوة تأكل الأحناش وهي جل أغذيتهم. قال الشريف: ولولا أكل الأحناش

لتقطعوا جذاما، وجبلهم ترابه أبيض، وبه كهف لا يقربه أحد إلا هلك، يقال إن به ثعبانا عظيما يلتقم من تعرض مكانه. ويقاربهم أهل آزقار، قال الشريف:

وفيما يذكره أهل الغرب الأقصى أنهم أعلم الناس بالخط المنسوب إلى دانيال النبي ﵇، قال: وليس ببلاد البربر أعلم بهذا الخط من أهل آزقار، وذلك أن الرجل منهم صغيرا كان أو كبيرا إذا ضلت له ضالة أو سرق له مال خط لها في الرمل فعرف مكان ضالته أو آخذ ماله لا يخطيه، قال: ولقد أخبر بعض المخبرين أنه رأى رجلا من هذه القبيلة في مدينة سجلماسة، قال: فأردت اختباره فجالسته وقد خبيت له خبيئة بحيث لا تعرف، فخط لها خطا وقصد موضعها واستخرجها، وأعيد عليه ذلك ثانيا فاستخرجها، ثم أعيد ثالثا فاستخرجها، قال: وهو شيء عجيب في قوّتهم على هذا العلم على كثرة جهلهم وغلظ طبعهم.

وأرض كوّار: يخرج منها الشب، ومن مدائنها: مدينة الفضة، ومدينة قصر أم عيسى، ومدينة انكلاس، وهي أكبر مدنها، ومدينة أبرز، وبقية من بلاد تاجوين، وغالبها وقع في الإقليم الأول، وأهلها همج لا يعتقدون شيئا، وأهلها رحالة، ووقع من بلادهم في هذا الإقليم الثاني جبل مقور أغبر فيه عروق ترابية لينة تنفع من وجع العين الرمدة، وبلاد الواحات الداخلة والخارجة، والخرجة اليوم لا أنيس بها، ومساكن بني هلال، وقطعة كبيرة من صعيد مصر

من أول أسنا وأرمنت إلى آخر دهروط، وأم مدنها قوص، ومدينة عيذاب على ساحل القلزم الغربي، وبه جزيرة النعمان وجزيرة السامرة، كلاهما هناك بالقلزم.

ثم على ساحله الشرقي مكة والمدينة زادهما الله شرفا وتعظيما. وبلاد الحجاز ممتدة من حلي ابن يعقوب في الجنوب إلى مدينة الجار في الشمال، آخذة من جزيرة العرب في الجنوب على منازل سعد وهذيل إلى مدينتي جرش وكبشة، وفي الشمال إلى معدن النقرة مجتمع حجاج البصرة إلى سلمية مدينة هناك.

وبلاد نجد وموقعها ما بين الحجاز وبين مدينة هجر ورامة، وتقع عكاظ بينهما وبين منازل سعد وهذيل، وشمالي نجد بلاد اليمامة، وآخرها في الشمال برقة ضاحك على الساحل الغربي من بحر فارس، وشرقي بلاد عمان، ومن مدنها سعال، وعفر، ومنح. وفي جنوبي أرض عمان بلاد الشحر، وقد يقع بعضها في الإقليم الأول، فيها قبائل من مهرة وهم عرب صحيح نسبهم، كلامهم

بالحميرية القديمة، ولهم كرائم الإبل لا يعدلها شيء في سرعة جريها، ولها أسماء إذا دعيت بها أجابت، ومن غريب ما يقال إنها تفهم الكلام وتعلم ما يراد منها بأقل تأديب تؤدب به.

وفي جنوبيها بلاد حضرموت وبها مدينتا شبام وتريم، فأما تريم فمدينة قديمة الذكر، وأما شبام فهو حصن منيع جامع بأهله في قنة جبل منيف منيع يعرف هناك بجبل شبام لا يرتقي إلى أعلاها إلا بعد جهد جهيد، وفي أعلاه قرى كثيرة ومزارع كثيرة ومياه جارية وغلات ونخل وخصب زائد، ويوجد به أحجار العقيق وأحجار الجمست وأحجار الجزع، توجد مغشاة بالتراب ولا يعرفها إلا طالبها بعلاماتها فتؤخذ وتعمل فإذا صقلت ظهر حسنها. ويحكى أنها في أودية حصاها ألوان العقيق، والجمست والجزع بعضها.

والساحل الغربي من البحر الفارسي حيث مر على مشاريق اليمن، وعلى ساحله من المدن ما نذكره من الشمال ممتدا إلى الجنوب على غربية: وهي

الدارة، وجلفارة، والحمل، ودما، ومسقط، وصحار، وقلهات، وصور، وهي نهاية ما وقع في الجنوب على الساحل الغربي من هذا البحر الفارسي، فيها خيرات كثيرة وفواكه حسان ونخل وموز ورمان وسفرجل، ثم بعد صور لا يقع في الإقليم الثاني إلا بحر ملح.

ثم يمر على أطراف برية كرمان إلى أن يتصل ببلاد السند، ويقع هناك على ساحله الشرقي من المدن ما نذكره من الشمال إلى الجنوب كما ذكرنا آنفا المدن الواقعة على ساحله الغربي وهي: أكيره، وكيه، وقذالمي، ومنجابري آخذة هذه المدن على معادن السند إلى مدينة الديبل أول بلاد

الهند، ووقع هذا البحر الفارسي مجموعه في الإقليم الثاني لم يبق سواه، ووقع به من الجزائر: جزيرة أرون، وجزيرة جبر، وجزيرة كيش، وهي جزيرة كبيرة، وكانت في القديم دار ملك يخاف من جاورها بأس ملكها وقوة سلطانها ذكر الشريف أنها جزيرة مربعة طولها أثنا عشر ميلا في عرض اثني عشر ميلا وكان ملكها يغزو جزائر الزابج ويصل إلى جزيرة قمار فكانت أهل الهند يواسونه بالمراكب المسماة بالمسفيات قال وهذه المسفيات يكون طول المركب منها طول الغراب الكامل من عود واحد يجدف فيه مائتا رجل. قال الشريف: وأخبرني مخبر وقت هذا التأليف - يعني وقت تأليفه - أن عند صاحب كيش من هذه المراكب المسفيات خمسون مركبا كل واحد من قطعة واحدة سوى ما عنده من بقية المراكب الملفقة، وبكيش زروع وكروم وأبقار

وأغنام، وبها مغايص اللؤلؤ الجيد.

قلت: وهذه الجزيرة المسماة الآن بقيس. وذكر الشريف أنه في ساحل هذا البحر الفارسي في ساحله الغربي قريب مدينة مسقط مغايص اللؤلؤ في قريتين هناك قرب الجبل الغائص في البحر، قال إنه يظهر منه القليل في بعض الأماكن ويغيب في بعضها، فتفرغ المراكب دونه لتخف عند جوازه حتى لا ترسب بالثقل في الماء، فيجلس عليه أو تدق شعبه فتكسر وتنقل الأمتعة في البر حتى يتجاوز موضعه ثم توسق.

وكذلك ما وقع في البحر الفارسي من الجزر في أوله عند مخرجه من البحر الهندي جزيرة مارة، ثم يمر هذا الإقليم آخذا في البر والبحر ببلاد السند والهند بإطراف كرمان في جنوبها وما جاوره من بسيط البر مدن السند:

المنصورة، وهي المسماة بالهندية ياهومان، والبلتان، وهو الملتان، والبيرون، وبانية، وأتري، وسدوسان، والجندور، ومنجابري، وسهك.

والمنصورة: مدينة كبيرة جليلة بناها أبو جعفر المنصور، وكانت الملوك

القرشيون بالسند تسكنها، وبناؤها بالآجر واللبن والجص، ويحيط نهر مهران بها ويفسح من ظاهرها. وبها خلق كثير مياسير لهم ماشية كثيرة، وليس بها من الفواكه إلا قصب السكر ونوع من الثمر على قدر التفاح يسمى الليمونه شديدة الحمض، وفاكهة أخرى تشبه الخوخ وتقاربه في الطعم تسمى الأنبج، ويجلب إليها الفواكه.

ومدينة الملتان القديمة: مدينة كبيرة جليلة من أقدم مدن السند وأظهرها ذكرا في الآفاق تجاور حدود الهند، وكان [بها] قبل الإسلام بيت بدّ معظم عندهم، ولها حصن منيع له أربعة أبواب، وبخارجها خندق محفور، ونعمها كثيرة وأسعارها رخيصة ولأهلها أموال طائلة، ولما فتحها محمد بن يوسف الثقفي أخو الحجاج أصاب بها أربعين بهارا من الذهب والبهار ثلاثمائة وثلاثة ثلاثون منا وجدها كلها في بيت، فسميت فرج الذهب،

والفرج: البهار. وللملتان نهر صغير تدور عليه أرحاؤها وتسقي به مزارعها ثم يصب في نهر مهران السند، وقد نقل الملك المؤيد صاحب حماة أنها من الرابع، وسأذكر ذلك عند مملكة الهند إن شاء الله تعالى. ونقلته أيضا عن غيره ولم أستثبت ما أجزم به.

وأما مدينة البيرون: فلها حصن حصين، وقليل أشجار، وأهلها مياسير.

وأما مدينة بانيه: فهي صغيرة كثيرة النعم رخيصة الأسعار، وأهلها أهل رفاهية، وبقية مدن السند من هذه النسبة، والذي ذكرناه أعيانها.

ومدينة قالري: على نهر مهران وهي محتفة بالأشجار، محصنة، محاسنها ظاهرة، وخيراتها وافرة.

وإقليم مكران: وبه مدن عامرة بالناس والتجار. ومن مدنه: مدينة به، ومدينة بند، ومدينة قصر قند، ومدينة اصقفة ومدينة فلهفره، ومدينة مشكى، ومدينة التيز، ومدينة البلبا، وأكبر مدنها مدينة كيز وهي تقارب الملتان في مقدارها، وبها نخيل كثير ومزارع متصلة وأسعار موافقة وتجارات كثيرة، وبلادها خير من بلاد أعمالها. وقال الشريف: وكل هذه بلاد متصلة ونواح متسعة عريضة، والغالب عليها القحط.

وإقليم الطويران: وهو مما يلي كرمان وهو واد به مياه جارية وقرى ومزارع ممتدة، وفي أرضه قوم رحالة ما بين حدود الطويران ومكران والملتان ومدن المنصورة، وهم كالبادية [من البربر] لهم أخصاص وآجام يأوون إليها، وبطائح

مياه يعيشون فيها، وهي في غربي مهران، ولهم إبل فارهة حسنة، وبها ينتج القارح، وهي إبل يرغب فيها أهل خراسان وغيرهم من أهل فارس وأشباهها لنتاج البخت البلخية والنوق السمرقندية لخلقها الحسن ذوات السنامين.

ومدينة مامه: [فقوم يحسبونها من الهند] وقوم يجعلونها من السند، وهي على رأس مفازة بينها وبين كنباية لا تسلك، وفي أطرافها قوم رحالة يعرفون بالمند ينتجعون أطراف هذه المفازة لسوائمهم من الإبل والغنم.

ومدينة الرور: وهي أم أعمال، حفيلة، عامرة بالأسواق، نافقة التجارات وأهلها في رفاهية وخفض عيش.

وشروشان: ومدينتها هذه جليلة المقدار كثيرة العيون والأنهار، أسعارها رخيصة ونعمها ممكنة، ولأهلها كفاف مال، والقاصد إليها كثير.

ومدينة منجابري: وهي أم أعمال، وهي في وطأة من الأرض، حسنة البناء، فسيحة الأرجاء، ولها مزارع وبها جنات.

ومدينة الخرز: وهي مدينة صغيرة عامرة.

وإقليم الراهون، وإقليم كلوان: وبهما زروع كثيرة ومكاسب جليلة، وثمارهما قليلة، وإنما عمدة أهلها على المواشي من الأبقار والأغنام.

ومدينة أرمابيل: وهي مدينة كبيرة وبها عمارة ضخمة وحدائق ومنتزهات وأهلها مياسير. ومدينة قنبلى: وهي تماثلها في القدر واتساع المال والحال وهي على البحر، يشرب أهله من عيون وآبار.

ومدينة دزك: وهي مدينة جليلة كبيرة، وبها تجارات كثيرة، وبضائع كافية، وأقاليم متصلة، وفي جنوبها جبل الملح، وما سمي بهذا إلا لأن مياهه ملحة، وبه عمارات وقرى وأعمال.

ومدينة راسك: وهي قاعدة جليلة، ولها إقليمان، أحدهما الخروج، والثاني كيزكانان، ويعرف بابيل، وبها وببلادها زروع كثيرة وقصب

سكر كثير جدا ويعمل بها السكر والفانيد ويحمل إلى البلاد.

وإقليم قصران: وهو إقليم جليل ذو أعمال، فيه قصب سكر كبير يعمل منه السكر والفانيد.

ثم مدينة الديبل: مدينة جليلة أكثر بنائها بالطين والجبس، وهي خربة الأرض قليلة الخصب لا نخل بها ولا شجر، وإنما سكنها أهلها لأنها فرضة السند وهي مدخلها إلى الهند.

وبلاد البدهة: وأمها قندابيل، ولها غلات وزروع وكروم مثمرة وأحوال واسعة وخصصب وإبل وبقر وغنم، وأهلها أملياء مياسير.

ومدينة كنباية: وهي على ثلاثة أميال من البحر، وهي فرضة بها الحط والإقلاع، وإليها تجلب البضائع والتجارات من كل الآفاق، وتدخل اليها المراكب من خور ترسي به، وماؤها كثير ولها حصن منيع بنته ولاة الهند لما تغلب عليها صاحب كيش، وينبت بها الزرع والأرز وبها نارجيل وقسط، وينبت في جبالها القنا الهندي.

ومدينة سوبارة: وهي مدينة كبيرة متحضرة عامرة، كثيرة المساكن، ولها تجارات ومرافق، وهي فرضة من فرض البحر، وبها مغايص اللؤلؤ.

ومدينة سندان: وبينها وبين البحر ميل ونصف، وهي مدينة متحضرة آهلة، وسكانها أهل حذق ونبالة، وهم تجار مياسير، ولها جزيرة قبالتها واسعة القطر، كثيرة الزرع والنخل والنارجيل، وبها ينبت القنا والخيزران.

ومدينة صيمور: وهي مدينة كبيرة جليلة المباني، واسعة الأقطار، وبها نارجيل كثير وقنا، وبجبالها نبات العطر المحمول في الآفاق، ولها جزيرة تسمى ملي على خمسة أيام، وهي جزيرة كبيرة حسنة البقاع، قليلة الجبال، كثيرة النبات، وينبت بها شجر الفلفل، وهو نبات له ساق أشبه شيء بساق [شجرة] العريس وورقه طويل لا تشريف له، وله عناقيد، وعلى كل عنقود ورقة تكنه من المطر كما حنّت أم على ولد، فإذا بلغ يجنى. والفلفل

الأبيض هو ما كان منه في أول بلوغه. وحكى ابن خرداذبه: أن هذه العناقيد إذا كان المطر انحنت ورقاتها عليها فأكنّتها من المطر، فإذا ارتفع المطر ارتفع الورق، ثم لا تعاودها إلا في حين المطر. فسبحان الخلاق العليم المدبّر الحكيم.

وبلاد سوبارة، وهي جليلة المقدار.

وبلاد بلهرا: وهي مملكة عظيمة، وبلاد واسعة، كثيرة التجارات، جزيلة الخيرات، وجباياتها وافرة، وأموالها مقنطرة.

ومدينة بروج: وهي مدينة كبيرة جليلة جميلة، حسنة البناء، بناؤها بالآجر والجص، ولأهلها همم عالية، وأحوال وافرة، وأموال وتجارات معروفة، قال الشريف: وهم وقف على التجول والاغتراب وكثرة الأسفار وهي فرضة من جاء من الصين، ومن جاء من الهند، ومن جاء من السند.

وجناول، وداويه، وأساول: وهي ثلاثة مدن صغار.

ومدينة نهروارة: ملكها عظيم [يسمى بلهرا] وهي ذات نعم جمة، وأموال ضخمة، وجيوش وعساكر وفيلة وخيل، وهي وما جاورها لا يسافر بينها

إلا على العجل يحمل عليها أمتعتهم وتجرها البقر حيث شاؤوا، ولكل عجلة سائق وقائد. وحكى الشريف عما كانت عليه أبهة الملوك بها في عهده حين ألف كتاب "أجار" ثم قال: وإذا مات الملك يوضع على عجلة عريضة ارتفاعها عن الأرض مقدار شبرين في قبة مكللة، ويبسط كفه وينادى عليه بكلام معناه: أيها الناس هذا ملككم فلان بن فلان، عاش في ملكه فارحا قارّا كذا وكذا سنة، وها هو قد مات وفتح يده بما معه لا يملك من ملكه شيئا، ولا يدفع عن جسمه أذى، ففكروا فيما أنتم إليه صائرون، وإليه راجعون.

فإذا فرغوا من الطواف به أخرجوه إلى المكان الذي تحرق به موتاهم فأحرقوه.

ومدينة تانة: وهي مدينة جليلة على خور كبير تدخله السفن، وينبت بأرضها وجبالها القنا وتتخذ من أصولها الطباشير وتحمل إلى المشارق والمغارب.

ومدينة قندرينة: وهي على خور يأتي من ناحية منيبار تحط به ركائب التجار، وعليها جبل كثير القرى، عامر بالأهل والمواشي، وينبت به القاقلة، ويحمل إلى الآفاق، ونباته أشبه شيء بالشهدانج وله مراود وفيه بزرها.

ومدينة جرباتن: وهي مدينة عامرة على خور صغير، وبها أرز كثير وحبوب كثيرة تمير سرنديب، وينبت بها شجر الفلفل.

ومدينة صنجي ومدينة كلسكار: وهما متقاربتان على البحر.

ومدينة كليكان، ومدينة اللولوا، ومدينة كسحة: والثلاثة صغار متقاربات، وبها أرز وحنطة وفواكه كثيرة ونارجيل، وينبت بها بقم كثير ونباته يشبه الدفلى.

ومدينة سمندر: على خور يصل إليها من قشمير وإليها الإقلاع والحط، وهي واسعة المتاجر، كثيرة المنافع، ولأهلها أموال جمّة، وعليها زروع مخصبة، ويحمل إليها العود من مدينة كارموت، وبينهما خمسة عشر يوما للسفن في نهرها، ولسمندر هذه جزيرة كبيرة وبينهما ساعة، وهي جزيرة عامرة بالناس والتجار من كل الآفاق.

ومدينة قشمير الداخلة: على نهر يمد على نهر الطيب، ويقال له هناك مسلى، ينبت عليه أنواع الطيب وبهذا سمي.

ومدينة قشمير الخارجة: وهي تجاور الترك الخزلجية. قلت: وأهل القشميرين إلى يومنا هذا كفار وهم سحرة لا يطاق سحرهم، يحكى منه العجب العجيب وليس هذا موضع ذكره.

ومدينة أطراسا: على نهر يسمى عندهم جنجس، وهي عظيمة المباني كثيرة الماء تتاخم كابل، وهي دار ملك كبير، وجيش عديد.

ومدينة ناست: وهي على النهر المذكور، وهي عامرة كثيرة الساكن، وبها حنطة وأرز وحبوب كثيرة.

ومدينة ماديار: [وهي على ضفة نهر جنجس]، وهي واسعة العمارات، كثيرة القرى والمزدرع والتجارات، ولأهلها أموال طائلة.

ومدينة مالوه: وهي مدينة حسنة، قاعدة ملك، كثيرة الصادر والوارد.

ولها مدن وأعمال، ومن مدنها: مدينة دده، ومدينة تنه، ومدينة لهاور، ومدينة موريدس - وهذه موريدس - ذات حصن حصين، وكل هذه بلاد عامرة آهلة. ومدينة مالوه التي قاعدتها في حضيض جبل صعب الصعود، وينبت به القنا والخيزران، ولها أموال وجبايات، وجيوش جائشة، وجنود جائلة.

ومدينة القندهار: وهي مدينة كبيرة القطر كثيرة الخلق، وأهلها يتركون لحاهم حتى تطول ويبلغ بعضها ركبهم، وهي عراض كثيرة الشعر. قال الشريف: والمثل يضرب بها، وزيهم زي الأتراك، وبها الحنطة والأرز والحبوب والأبقار والأغنام.

ومدينة كابل: وهي تجاور طخارستان، وهي قاعدة ملك كبير وسلطان

جليل، ولها أعمال ومضافات، وقاعدتها مدينة كابل جليلة المقدار، حسنة الأبنية، وبجبالها منابت العود، وبها الإهليلج المعروف بها، وينبت بها الزعفران بريا وغرسا، ويحمل منه إلى ما جاورها من البلاد، ويزرع بها النيلج الذي لا يوجد مثله كثرة وطيبا، وهي من غرر البلاد وأطيبها هواء وماء. ولها حصن معروف بالحصانة لا يصعد إليه إلا من طريق واحد، وفي جبالها معادن الحديد النافع. ومن مدنها: أزلان، وخواس، وخير، وجسك، وكلنطة، ووايلة، وكلها متقاربة المقادير وبها نعم وافرة. ومدينة أوربيسن: وهي مدينة صغيرة على الساحل، وإنما المذكور جزيرتها [لأنها] عظيمة المقدار، كثيرة الجبال والأشجار، وبها فيلة كثيرة تصاد بها ويتجهز بأنيابها، قيل: تصاد بحفائر مثل صيد الأسود، وقيل: بل يعمدون [إلى]

الأشجار التي تأوي إليها الفيلة إذا أرادت النوم لعجزها عن افتراش الأرض، وربما يستند واحد منها إلى شجرة ويستند إليه آخر، ويستند إلى الآخر آخر، لأن الفيلة لا تمشي إلا قطارات، فيقطعونها ويتركونها مستهلكة، فإذا أوت إليها ثقل بعضها على بعض فسقطت الأشجار فيباكرها الصياد ويضربها بالخشب إلى أن تموت ويأخذ أنيابها. وقال الشريف: وأخبر غير واحد أن النابين الكبيرين من الفيلة يكون وزنهما ستة عشر قنطارا وما قاربها. ويقال: إنها لا تلد إلا في الماء الراكد فإذا سقط أولادها في الماء تسارع إليها فتقيمها على سوقها وتديم دفعها إلى أن تخف وتستدرجها شيئا إلى أن يكمل خلقها. فتبارك الله الخلاق العليم.

قال: ولا ندري فيما خلق الله من البهائم ذوات الأربع أفهم من الفيل ولا أقبل منه للتعليم، ومن خواصه أنه لا ينظر في عورة الإنسان.

وإذا انجر بنا الحديث إلى نهاية هذا نعود إلى ذكر تلك الجزيرة فنقول:

وبها معادن حديد، وينبت في أكثرها الراوند، وإنما الذي يجلب من بلاد الصين أفضل، وينبت بها شجر على صفة الخروع، كثير الشوك البارز المانع من لمسه، يدبر منه سم ساعة.

ومدينة لوقين: وهي مدينة حسنة على صفة خور عذب تدخله المراكب.

وهذه آخر حد بحر الهند من الشرق، وفي شمالي لوقين وشرقيها مدن، منها:

مدينة طريقود: وهي مدينة صغيرة عامرة آهلة.

ومدينة أطراغا: وهي مدينة كبيرة، وبها خصب كثير، ولها جيوش كثيرة وسلاح، وهي آخر حد بلاد الهند الواقعة في البر من جهة الشرق من ماكله في البر.

ولم نذكر من الجزر إلا ما هو لمدينة في البر على الساحل فذكرناها معه، وسنتبع ما ذكرناه من مدن الهند الواقعة في هذا الإقليم في البر بما وقع له من الجزر في البحر لنصل بعض بلادها ببعض ولا نفصل بينها، ولا نذكر إلا المشهور على ما شرطناه، ثم إذا تكامل ذكرنا ما في مشاريقه من بلاد الصين إلى البحر المحيط من تمام خط الإقليم.

والذي وقع في هذا الإقليم من الجزائر الهندية، فمن ذلك:

جزيرة كولم: وهي جزيرة كبيرة القدر، شائعة الذكر، فسيحة الأرجاء، كثيرة النعم والأرزاق والتجارات.

وجزيرة أوزكير، وجزيرة سمكو، وجزيرة ملق، وجزيرة بليق، وبها فلفل كثير. وجزيرة سندان: وهي جزيرة عامرة كبيرة بها نارجيل وموز وأرز، وبها يعمل الطرز الفائق ويحمل إلى البلاد، وجزيرة سباسيا، وفي جميع هذه الجزر أفاوية ومتاجر ومكاسب جليلة. وما خصصناه فيها بذكر شيء فهو من باب التنويه بالذكر، وإلا فكلها ذات خير كثير ورزق جليل.

ثم إنا نذكر ما وقع عليه هذا الإقليم الثاني في الصين برا وبحرا، فأما ما وقع عليه في البر: فهو مدينة قطيغورا على البحر الصيني، وهي أول مدينة تقع على

من مغاريب الصين، ولها متاجر ومكاسب.

ومدينة كاشغرا: وهي مدينة على نهر صغير يأتي إليها من الشمال من جبل قطيغورا، وهي كثيرة الخيرات مشتملة على البركات، وفيها متاجر وبضائع وأسفار منجحة، وفي جبلها معادن فضة طيبة فائقة سهلة التخليص من الخبث.

ومدينة جيغون: وهي مدينة عامرة على نهر يأتي إليها من نهر خمدان، وبها تجارات كثيرة، وفي أرضها دواب المسك والزباد.

ومدينة أسفيريا: وهي على نهر [يمد نهر] خمدان، وهي عامرة آهلة، ولها قرى وأعمال، وكان بها مجتمع أموال الصين وجبايته ثم يحمل إلى الملك.

ومدينة باجة: وكانت قاعدة عظمى لملوكهم، وكان ملكها في قديم الزمان لا ينظر [إليه] بعين الوقار حتى يكون له مائة زوجة بمهور.

ومدينة شرخوا، ومدينة بشهيار: وكلاهما ذات خيرات وأعمال.

ومدينة قاشا، ومدينة شارخيا: وهما على نهر خمدان، وهو نهر عظيم جدا يكاد يكون بحرا آخر لا نسبة للنيل ولا لجيحون إليه. حكى لي الشريف جلال الدين السمرقندي أنه يكون قدر النيل خمسين مرة أو

أزيد، وهو أكثر منه صفاء وأحلى ماء، لا يكاد يشبه شيء من أنهار الدنيا ولا يحكيه ولا يماثله ولا يدانيه، وحكى الشريف [الإدريسي] أن بهذا النهر شجرة عظيمة باسقة يقال إنها [من] حديد، وتسمى بالهندي (برشول) وطولها من فوق وجه الماء نحو عشرة أذرع في غلظ ذراع وكسر، وفي رأسها ثلاث شعب غلاظ مستوية محدودة يقعد عندها رجل يقرأ كتابا ويقول للنهر: يا عظيم البركة وسبيل الجنة، أنت الذي خرجت من عين الجنة ودللت الناس عليها، فطوبى لمن صعد هذه الشجرة وألقى بنفسه على هذا العود، فينتدب لذلك واحد ممن حوله أو عدة فيصعدون إلى الشجرة ويلقون أنفسهم على العود فيسقطون في النهر ويموتون، والحاضرون هناك من الناس يقولون: طوبى لهم المسير إلى الجنة واللذة الدائمة.

ومدينة طرخا: على نهر كله الماد لنهر خمدان، وهي مدينة عامرة بالناس وفيها تجار وبضائع وذخائر، ويصنع بها قماش فائق له قيمة وافرة يسمى الطرخية، وبها ثياب مطرفة كالعتابي، وثياب مريشة يطول بقاء الثوب.

ومدينة بورا: وهي كثيرة الخلق والتجارات، متصلة القرى والعمارات،

وبها حنطة وأرز ومقل شهي الأكل.

ومدينة أسفرا: وهي على نهر ماء هناك يسمى بهنك.

ومدينة أطراغن: وهي على بحيرة ماء كبيرة عذبة لا يوجد لوسطها قعر، وهي البحيرة التي تقدمت الإشارة عليها وبها سمك يفعل فعل السقنقور في الإنعاظ وتقوية الباه.

ومدينة قرنابول: وهي مدينة صغيرة عامرة في سفح جبل تتاخم الأتراك الخرلجية، ويجري عليها نهر صغير يصب في نهر كله.

ومدينة قاقلا: وهي على ضفة نهر صغير يصب في نهر بهنك الهند، وبها حرير كثير، ويعمل بها ثياب قاقلية تنسب إليها.

ومدينة سوسة الصين: وهي مدينة كبيرة مشهورة جامعة على شرقي نهر خمدان، كثيرة التجارات والخير، وأموال أهلها كثيرة، ومتاجرهم مباركة، وبها يصنع أجود ما يكون من الغضار الصيني، وطرز فائق محكم الصنعة.

ومدينة سعلا: وهي مدينة كبيرة متحضرة، يوافق ما يعمل بها من

القماش والأمتعة، يعمل بها الغضار الصيني والطرز الفائق.

ومدينة طوغما: وهي مدينة كبيرة عامرة لكن لا حصن لأهلها، وبها بضائع جليلة يجهز منها بأصناف التجارات. وأظنها المسماة الآن بطمغاج.

ومدينة أسنجوا: وهي على بطحاء أرض ممتدة لا ينبت بها شيء إلا الزعفران بريا وزرع، ومنه يتجهز إلى أقطار الصين، ويعمل بها الغضار الصيني والثياب الفائقة.

ومدينة صينية الصين: قال الشريف: لا يعادلها مدينة في الكبر وكثرة العمارة وسعة التجارات والبضائع واجتماع التجار إليها من الأقطار، وهي نهاية مدن البر بالصين الواقعة في هذا الإقليم في الشرق إلى البحر المحيط.

وأما ما وقع به من الجزائر في البحر الصيني فهي: جزيرة الشارة، وجزيرة الفتح، وكلاهما ذات متاجر مربحة وسفائر منجحة. ثم الجزائر الخالدات الشرقية بالبحر المحيط. وبتمامه تم الإقليم الثاني ولله الحمد والمنة.

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.