تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

الباب الأول في مملكة الهند والسّند (٢)

حدثني كل هؤلاء أن الجارية الخادمة لا يتعدى ثمنها بمدينة دهلى ثمان تنكات، واللواتي يصلحن للخدمة والفراش خمس عشرة تنكة، وأما في غير دهلى فإنهن بأرخص من هذه الأثمان.

وقال لي أبو الصفاء عمر بن أبي إسحاق الشبلي أنه اشترى عبدا مراهقا نفّاعا بأربعة دراهم، وقس على مثل هذا، قال: ومع رخص قيمة الرقيق، وهو أنه يوجد من الجواري الهنديات من يبلغ ثمنها عشرين ألف تنكة وأكثر وهكذا.

قال لي ابن التاج الحافظ الملتاني، قلت: وكيف تبلغ الجارية هذا الثمن مع الرخص؟ قال لي: كل واحد في مجلس على انفراده لحسن خلقها، ولطف خلائقها، ولأن غالب مثل هذه الجوار يحفظن القرآن، ويكتبن (المخطوط ص) الخط، ويروين الأشعار والأخبار، ويجدن الغناء وضرب العود، ويلعبن [¬] الشطرنج والنرد، وصل هذه الجواري يتفاخرن [¬] في مثل هذا، فتقول الواحدة: أنا آخذ قلب سيدي في ثلاثة أيام، فتقول الأخرى: أنا آخذ قلبه في يوم، فتقول الأخرى: أنا آخذ قلبه في ساعة، فتقول الأخرى: أنا آخذ قلبه في طرفة عين.

قالوا: إن ملاح الهنديات أكثر حسنا من الترك والقفجاق مع ما يتميزن به من التخريج العظيم والتفنن الفاتن، وغالبهن ذهبيات الألوان، وفيهن بيض ذوات بياض ساطع مختلطا بالحمرة، وعلى كثرة وجود الترك والقبجاق والروم وسائر الأجناس عندهم، لا يفضل أحد على ملاح الهنديات سواهن لكمال الحسن والحلاوة وأمور أخرى تدق عنها العبارة.

حدثني سراج الدين عمر الشبلي أنه لا يلبس ثياب الكتان المجلوبة إلى هذه

المملكة من الروس [¬]، والإسكندرية إلا من لبسه السلطان منهم وإلا قميصهم وثيابهم من القطن الرفيع، قال: تعمل منه ثياب شبيهات بالمقاطع البغدادية، ولكن أين المقاطع البغدادية والنصافي [¬] منها، لرفعتها ولطافة بشرتها، فإن بعضها يوازي اللوانس [¬] في رفعتها مع الصنق والمآبية.

وحدثني الشيخ مبارك أنه لا يلبس ولا يركب بالسروج الملبسة أو المحلاة بالذهب إلا من أنعم السلطان عليه بشيء منها، فإذا أنعم عليه بشيء من المحلى بالذهب [¬]، كان إذنا له في اتخاذ ما شاء منه، أمّا عامة ركوبهم ففي الملبس أو المحلى بالفضة.

قال: والسلطان ينعم على من في خدمته على اختلاف أنواعهم من أرباب السيف والقلم والعلم، بكل شيء جليل ونوع نفيس من البلاد [¬] والأموال، والجواهر والخيول والسروج المحلاة بالذهب والمناطق الذهبية [¬] والأقمشة المختلفة الأنواع والأجناس إلا الفيلة فإنها لا تكون إلا له، لا يشاركه فيها مشارك من جميع الناس، قال: والفيلة لها رواتب كثيرة لعلوفاتها، فإنها لعل هذه الثلاثة آلاف فيل (المخطوط ص) لا يكفيها إلا دخل مملكة كبيرة، فسألته: كم لها؟ قال:

تختلف أجناسها وأشكالها، وعلى قدر اختلافها، علوفاتها، وأنا أقول لك أكثر ما يريد كل فيل في كل يوم، وأقل ما يريد، أما أكثر ما يريد [¬] في كل يوم أربعون رطلا من أرز، وستون رطلا من شعير، وعشرون رطلا من سمن، ونصف حمل حشيش، وأما ما تريده سوّاسها [¬]، والقومة عليها فجملة كثيرة وأمور كثيرة، قال: وشحنه [¬] الفيل رطل كبير من أكابر الدولة.

قال الشبلي: يكون أقطاعه قدر إقليم كبير مثل العراق وهيئته، وفوق ملوك هذه المملكة في مواقف الحرب .. أن يقف السلطان في القلب وحوله الأئمة والعلماء والرماة قدامه وخلفه، وتمتد الميمنة والميسرة موصولة بالجناحين، وأمامه الفيول الملبسة بالأركصطوانات الحديد، وعليها الأبراج المسمرة فيها المقاتلة على ما قدمنا القول فيه، وفي الأبراج منافذ لرمي النشاب ومرمى قوارير النفط، وقدام الفيول العبيد المشاة في خفّ من اللباس، بالسيوف والسلاح يفسحون لمجال الفيول، ويعرفون الخيل بالسيوف، الرماة في الأبراج تكشف عليهم من خلفهم من فوق، والخيل في الميمنة والميسرة، تضم أطراف الأرض على الأعداء، وتقاتل من حول الفيول وورائها، فلا يجد الهارب مفرا ولا مدخلا، فلا يكاد ينجو قدامهم، لاحتياط العساكر المحدقة بهم، ومواقع النشاب والنفط من فوقهم، ومخالسة الرجالة لهم من تحتهم، فيأتيهم الموت من كل مكان، ويحيط بهم البلاء من كل جهة.

ولقد تهيأ لهذا السلطان القائم بها الآن ما لا تهيأ لأحد قبله من ملوك هذه المملكة من النصر والاستظهار وفتوح الممالك، وهدم قواعد الكفار، وحل عقد السحرة، وإبطال ما كانت تتعلل به الهنود من الصور والتماثيل، ولم يبق إلا ما هو داخل البحار من القليل الشاذر والناذر [¬] الذي لا حكم له، (ولا معلم لهم عهد هذا السلطات حتى يستكمله، ويغسل بالسيف ما بقي (المخطوط ص) منه)، فتضوعت أندية الهند من ذكره بأطيب من طيبها، وتحلى زمانه بها بأعلى قيمة من جواهرها، وهو اليوم جامع ذويل تلك الأقطار، وماسك نطاق البراري والبحار، وإذا قيل اليوم سلطان الهند لا يطلق على سواه، ولا يصح هذا الاسم الكريم إلا على مسماه.

قال الشبلي: وحقيق على مسلم أن يدعو للسلطان هذا في الله جهاده، وذلك معروفه، وتلك سجاياه.

وحكى لي محمد الخجندي: إن لهذا السلطان في كل أسبوع يوما عاما يجلس فيه للناس جلوسا عاما، وهو يوم الثلاثاء، يجلس في ساحة عظيمة متسعة إلى غاية يضرب له فيها جتر [¬] كبير سلطاني، يجلس في صدره على تخت [¬] عال مصفح بالذهب مرصع بالجواهر، ويقف أرباب الدولة حوله يمينا ويسارا وخلفه

السلاح داريه [¬] والجمداريه [¬]، ومن حكمه بين أرباب الأشغال الخاصة حكمهم، وأرباب الوظائف على منازلهم ولا يجلس إلا على الخانات وصدر جهان والدبيران [¬] يعني كتاب السر، بين يديه، والحجاب وقوف، وينادى مناداة عامة أنه من كان له شكوى يحضر، فيحضر كل من له شكوى أو حاجة يسأل السلطان فيها، فإذا حضر أو وقف بين يديه، لا يضرب، ولا يمنع حتى ينهى إليه شكواه، ويأمر السلطان فيه بأمره.

وأما بقية الأيام فإنه يجلس في طرقى كل نهار ويركب في الخانات والملوك والأمراء جميعهم إلى بابه ومن رسمه أن أحدا لا يدخل عليه بسلاح كبيرا ولا سكين صغيرة ومن جاء اعتبر قبل دخوله ودون المكان الذي يجلس فيه سبعة أبواب بعضها داخل بعض وعلى الباب الأول البراتي [¬] منها رجل منها معه بوق فإذا جاء أحد من الخانات أو الملوك أو اكابر الأمراء نفخ في البوق اعلاما للسطان بأنه قد جاء كبير ليكون دائما على تيقظ واستعداد من أمره ومن جاء بابه كائنا من كان يترجل من الباب الأول البراني ويمشي إلى أن يدخل السبعة الأبواب إلى حضرة السلطان وثم من شرف بالإذن له بأن يعبر راكبا إلى الباب السادس ولا يزال البوق عمالا إلى أن يقارب الداخل الباب السابع ويجلس على ذلك الباب كل من دخل إلى أن يجتمعوا فإذا تكامل المجئ أذن لهم في الدخول إذا دخلوا جلس حوله من له أهلية الجلوس ووقف سائرهم وقعد القضاة والوزراء والدبيران وكتاب السر.

وهم الموقعون إلى جانب المكان، لا يقع فيه نظر السلطان عليهم، ومدت الأسمطة، وقدمت الحجاب القصص [¬] إلي حاجبي صاحبه، وهو الحاجب الخاص المقدم على الكل، فيعرضها على السلطان، ثم إذا قام السلطان، جلس إلى كاتب السر فأدى إليه الرسائل بما رسمه السلطان في ذلك، فينفذها، ثم إذا قام السلطان من المجلس، جلس في مجلس خاص واستدعى العلماء، فيحضر من له عادة فيجالسهم، ويؤانسهم، ويأكل معهم، ويتحدث هو وإياهم وهم بطانته الخاصة، ثم يأمرهم بالإنصراف، ويخلو بالندماء والمغاني، تارة ينادم بالحديث، وتارة يغنى له، وهو على كل حال في المحافل والخلوات، عفيف الخلوة، طاهر الذيل، يحاسب نفسه على الحركات والسكوت، ويراقب الله في السر والعلن، لا يرتكب محرما، ولا يفسح فيه.

قال لي الشبلي: حتى أنه لا يوجد بدهلى خمرا بالجملة الكافية، لا ظاهرا ولا مضمرا، لتشديد هذا الرجل فيه، وإنكاره على من يعانيه، قال: مع أن أهل الهند لا رغبة لهم في الخمر ولا في المسكرات استغناء بالتنبول [¬]، وهو حلال طيب لاشية فيه مع ما فيه من أشياء لا يوجد في الخمر بعضها، وهو أنه يطيب النكهة، ويصرف الأطعمة، ويبسط الأنفس بسطا عظيما، ويورثها سرورا زائدا، مع ثبوت العقل، وتصفية الذهن، ولذاذة الطعم، فأمّا أجزاؤه فهو ورق التنبول والقوقل ونون [¬] يعمل خاصة.

قال: ولا يعد أهل تلك البلاد كرامة أبلغ منه، فإنه إذا ضيف الرجل لآخر وأكرمه (المخطوط ص) بما عسى أن يكون من أنواع الأطعمة والأشربة والرياحين والطيب، ولا يحضر معها التنبول لا يعتد له بكرامة، ولا يعد أنه أكرمه، وكذلك إذا أراد الرئيس إكرام أحد ممن يحضره، يناوله التنبول.

قلت: وهذا نظير مسلك الأياق [¬] في ممالك أولاد جنكيز خان، والأياق هو قدح خمر أو تمر يمسكه الكبير لمن أراد إكرامه أو الرجل لمن أراد خدمته، وهو أبلغ خدمة عندهم، وسيأتي بمشيئة الله تعالى ذكر هذا في موضعه.

وحدثني العلامة سراج الدين أبو الصفاء عمر الشبلي أن هذا السلطان متطلعا إلى معرفة أخبار ممالكه وبلاده، وأحوال من حوله من جنوده ورعاياه، وأن له ناسا يسمون المنهيين [¬]، وطبقاتهم مختلفة، فمنهم من يخالط الجند والعامة، فإذا علم ما يجب إنهاؤه إلى السلطان أنهاه إلى أعلى طبقة منه، ثم ينهيها ذلك المنتهى، إلى آخر الأعلى فالأعلى إلى السلطان.

فأمّا أخبار البلاد النائية فإن بين حضرة السلطان وبين أمهات الأقاليم أماكن متقاربة، بعضها من بعض شبيهة بمراكز البريد في مصر والشام، ولكن هذه قريبة المدى بين المكا [¬] والمكان بقدر أربع علوات نشاب أو دونها، وفي كل مكان عشر سعاة ممن له خفة في الجري، يحمل الكتب بينه وبين تاليه [¬]، إذا أخذ أحدهم

الكتاب جرى به جريا قويا بأشد ما يمكنه أن يشتد، وأقوى ما يمكنه أن يجرى إلى أن يوصله إلي الآخر، فيجرى به كالأول إلى المكان الذي يليه، ويرجع حامله إلى مكانه على مهله، فيصل الكتاب من المكان البعيد إلى المكان البعيد في أقرب الأوقات أسرع من البريد والنجابة.

قال: وفي كل مكان من هذه الأماكن المركزة مساجد تقام بها الصلوات، ويأوى إليها السفّار، وبرك ماء للشرب، وأسواق للبيع للمكاكل [¬] وعلوفة الدواب، ولا يكاد يحتاج إلى حمل ماء ولا زاد ولا خيمة.

قال: ومن جملة عناية هذا السلطان جعل بين قاعدتي ملكه وهما: دهلى وقبة الإسلام في هذه الأماكن (المخطوط ص) المعدة لإبلاغ الأخبار طبول، فحيثما كان في مدينة وفتح باب الأخرى أو غلق يدق الطبل، فإذا سمعه مجاوره دق، فيعلم خبر فتح المدينة التي هو غاب عنها، وغلقه في وقت الحاضر كل يوم بنوبة.

ولهذا السلطان مهابة يسقط لها القلوب مع قربه من الناس، ولينه في كلامه وحديثه، وكل من أراد الوصول إليه وصل إليه، لا يبعده عظم حجاب، ولا عموم حجاب، وقد أدر الله في أيامه الأرزاق، وكثّر المواد، وضاعف النعم، على أن الهند ما زال موصوفا بالرخاء، معروفا بالسخاء.

حدثني الخجندي قال: أكلت أنا وثلاثة نفر رفاقا لي في بعض بلاد دهلى لحما بقريا وخبزا وسمنا حتى شبعنا بكتيل [¬] وهو أربع فلوس، وسأذكر معاملاتهم،

ثم ذكر الأسعار عندهم لأنها مرتبة على المعاملة وبها تعرف.

ولقد حدثني الشيخ مبارك قال: اللك الأحمر [¬] مائة ألف تنكة، واللك الأبيض مائة ألف تنكة الذهب، وهي المسمى عندهم التنكة الحمراء، ثلاثة مثاقيل، والتنكة النقرة [¬] وهي تنكة الفضة، ثمانية دراهم هشتكانه [¬]، وهذا الدرهم الهشتكاني [¬] هو وزن الدرهم النقرة معاملة مصر والشام، وجوازه لا يكاد يتفاوت ما بينهما، وهذا الدرهم الهشتكاني هو أربعة دراهم سلطانية، وهي المسماة الدكانية، وهذا الدرهم السلطاني يجيء ثلث درهم ششتكاني، وهو درهم ثالث يتعامل به في الهند، وجوازه بنصف وربع درهم ششتكاني [¬] (ولهذا الدرهم السلطاني نصف يسمى يكاني [¬] وهو بكتيل واحد، وكلهم درهم آخر اسمه شاتربكاني [¬] جوازه بدرهمين، فحينئذ دراهم الهند ستة شاذودكاني ودوازديدكاني [¬] هشتكاني [¬] ششكاني [¬] وسلطاني ويكاني [¬] أصغرها

السلطاني، وهذه الدراهم الثلاثة الأخيرة كلها مما يتعامل بها.

والمعاملات بينهم بها دائرة والأكثر بالدرهم السلطاني، وهو الذي تقديره ربع درهم من نقد مصر والشام، وهذا الدرهم السلطاني هو بثمانية فلوس، والثمانية فلوس هي جيتلان كل جيتل أربعة فلوس، فيكون الدراهم الهشتكاني، الذي هو مثل درهم النقرة، معاملة مصر والشام (المخطوط ص) اثنتين وثلاثين فلسا.

ورطلهم يسمى سير [¬] وهو وزن سبعين مثقالا عنها بصنجة [¬] الدراهم بمصر وفاته فإنه مائة ودرهمان وثلثان، وكل أربعين سيرا منّ [¬] واحد، ولا يعرف عندهم الكيل.

وأما الأسعار فإن أوسطها القمح، كل منّ بدرهم ونصف هشتكاني، والشعير كل منّ بدرهم واحد منه، والأرز كل منّ بدرهم ونصف وربع منه إلا أنواعا معروفة من الأرز فإنها أغلى من ذلك، والحمص كل منّين [¬] بدرهم واحد هشتكاني، ولحم البقر والمعز سعر واحد، ويباع كل ستة أسيار [¬] بدرهم سلطاني، وهو ربع درهم هشتكاني، والغنم كل أربعة أسيار بدرهم سلطاني، والأوز كل طائر بدرهمين هشتكانيه، والدجاج كل أربعة طيور بدرهم هشتكاني، والسكر كل

خمسة أسيار بدرهم هشتكاني، والنبات كل أربعة أسيار بدرهم منه، ورأس من الغنم الجيدة السمينة الفائقة بتنكة واحدة عنها ثمانية دراهم هشتكانية، والرأس البقر الجيد بتنكتين، وربما كان بأقل، والجاموس كذلك، وأكثر مأكلهم لحوم البقر والمعز.

قلت للشيخ مبارك: أهذا لقلة الغنم؟ قال: لا؛ ولكن عادة؛ وإلا فالأغنام لا تعد في كل قرية في الهند بالآلاف المؤلفة، والدجاج كل أربعة طيور فائقة بدرهم واحد بالمصري، وأما الحمام والعصافير وأنواع الطير فبأقل الأشياء ثمنا.

وأما أنواع الصيد من الوحش والطير بها فكثير، وبها الفنك [¬] والكركند [¬]، وإنما فيلة الزنج أجل، وأمارتهم في الملبوس، لبسهم البياض وثياب الجوخ وثياب الصوف، إذا جلب إليهم، يباع بأربع الأثمان، ولا يلبس الصوف إلا أهل العلم والفقر [¬].

ويلبس السلطان والخانات والملوك وسائر أرباب السيوف تتريات [¬] وتكلاوات [¬] وأقبية إسلامية مخصرة الأوساط خوارزمية [¬] وعمائم صغار لا

تعدى العمامة خمسة ستة أذرع من اللانس الرفيع.

وحدثني الشريف ناصر الدين محمد الحسيني الكارمي المعروف بالزمردى، وهو ممن دخل إلى الهند مرتين، وأقام عند السلطان قطب الدين [¬] بدهلى، أن غالب (المخطوط ص) لباسهم البياض، وغالب جمعاتهم أكسباتهم النتترية مزركشة بالذهب، ومنهم من يلبس مطرز الكمين بزركش [¬]، ومنهم من يعمل الطراز بين كتفيه مثل المغل [¬] وأتباعهم، مربعة الانبساط مرصعة بالجواهر، وغالب ترصيعهم بالياقوت والماس، وتضفير [¬] شعورهم ذوءابات مرخية، كما كان يفعل عسكر مصر والشام، ويعمل في الذؤابات شراريب حرير، وتشد في أوساطهم المناطق [¬] من الذهب والفضة وأخفاف ومهاميز [¬]، وأما السيوف فلا تشد إلا في الأسفار، وأما في الحضر فلا تشد، وأما الوزراء

والكتاب فمثل زي الجند، ولكن لا يشدون المناطق، وبعضهم يرخى له عذبات [¬] أمامهم، مثل عذبات الصوفية، وأما القضاة والعلماء فلبسهم فرجيات (شبيهات بالجندات ودرايع [¬]، وأما عامة الناس فقمص، وفرجيات مقتدرة ودرايع).

وحدثني الشبلي: أن أهل دهلى أهل ذكاء وفطنة فصحاء في اللسان الفارسي، والهندي، ومنهم من ينظم الشعر بالعربي ويجيد فيه النظم، وكثير ممن يمدح السلطان منهم ممن ليس لهم اسم في ديوانه، فيقبل عليهم ويجيزهم.

قال الشبلي: وأخذ دبيران السلطان له عادة أن يمدحه إذا تجدد له فتح أو أمر كبير ورسمه عليه أن يأمر بأن تعد أبيات قصيدته، ويعطى لكل بيت عشرة آلاف تنكة، وكثيرا ممن يستحسن السلطان منه شيئا، (أو يعلم له دررا،) [¬] فما يأمر له بشيء مخصوص على التعيين وإنما يأمره بأن يدخل إلى الخزانة ليحمل ما أطاق.

فلما رأني عجبت مما يحكيه من كثرة هذا الإنفاق والبسطة من المواهب والأطلاق، قال: وهو مع هذه السعة المفرطة في بذل الإعطاء، لا ينفق نصف دخل بلاده.

وحدثني شيخنا فريد الدهر شمس الدين الأصفهاني، قال: كان قطب الدين الشيرازي ﵀ [¬] يثبت صحة الكيمياء، قال: فبحثت معه في بطلان الكيمياء، فقال لي: أنت تعلم ما يتلف (من الذهب) في الأبنية والمستعملات، ومعادن الذهب لا يتحصل منها (المخطوط ص) نظير (ما يتلف) وينفذ، وأما الهند فإني حررت [¬] أن له ثلاثة آلاف سنة، لم يخرج منه ذهب إلى البلاد، ولا دخل إليه ذهب، فخرج منه، والتجار من الآفاق تقصد الهند بالذهب العين، تتعوض عنه بأعراد، وحشائش وصموغ لا غير، فلولا أن الذهب يعمل لعدم بالجملة الكافية.

قال شيخنا شهاب الدين: أما قوله عما يدخل إلى الهند من الذهب ثم لا يخرج منه فصحيح، وأما إثباته لصحة الكيمياء فباطل لا صحة له.

قال [¬]: بلغني أن ممن تقدم لهذا السلطان فتح فتوحا، فأخذ منه من الذهب وسق ثلاثة عشر ألف بقرة، قلت: والمشهور عن أهل هذه البلاد جمع الأموال وتحصيلها حتى أن بعضهم إذا سئل كم معك؟ فيقول: ما أعرف إلا أن ثاني ولد

يجمع على مال جده أو ثالث ولد في هذا النقب أو في هذا الجب، وما نعلم كم هو، وهم يتخذون أجبابا لجمع الأموال، ومنهم حق ينقب في بيته، ويتخذ به بركة ويسدها، ولا يدع إلا مقدار ما يسقط منه الدنانير ليجمع فيها الذهب، وهم لا يأخذون الذهب المصوغ ولا المكسور ولا السبائك خوفا من الغبن، ولا يأخذون إلا الدنانير المسكوكة.

وفي بعض جزائرهم من ينصب على سطح داره علما، كلما تكامل لأحدهم جرة ذهب، حتى يكون لبعضهم عشرة أعلام وأكثر.

وحدثني الشيخ برهان الدين أبو بكر بن الخلال محمد البزي الصوفي قال:

بعث هذا السلطان عسكر إلى بلاد مجاورة للدواكير في نهاية حدودها، وأهلها كفار، يدعى كل ملك منهم الرا [¬]، فلما نازله جيوش السلطان بعث يقول لهم، قولوا للسلطان أن يكف عنا، ومهما أراد من الملك يبعث له ما أراد من الدواب لأحمله له، فبعث أمير الجيش يعرفه بما قال، فأعاد جوابه بأنه يكف عنهم القتال، ويؤمنه للحضرة معه، فلما حضر إلى السلطان أكرمه إكراما كثيرا، وقال له: ما سمعت مثل ما قلت، فكم عندك من المال حتى قلت إنا نبعث لك مهما أردنا من الدواب لتحملها؟ فقال: تقدمني سبع رآات [¬] في هذه المملكة،

جمع كل واحد منهم سبعين ألف بايين [¬]، (المخطوط ص) أموالا، وكلها عندي حاصلة، فقال: والباءين هو صهريج متسع جدا ينزل إليه بسلالم من أربع جهات، فأعجب السلطان مقاله، وأمر بأن يختم على الأموال باسمه، فختمت باسم السلطان، ثم أمر الرا بأن يجعل له نوابا من مملكته، ويقيم هو بنفسه في حضرته بدهلى، وعرض عليه الإسلام فإني أقره على دينه وأقام في حضرته وجعل له نوابا في مملكته وأجرى السلطان عليه ما يليق بمثله وبعث إلى ملك المملكة أموالا جمة فرقت على أهله صدقة عليهم لكونهم انتظموا في عديد رعاياه ولم يتعرض إلى البائينات [¬] وإنما ختم عليها وأبقاها على حالها تحت ختمه وقد ذكرت هذا على ما ذكره البزي وهو معروف بالصدق والعهدة عليه والعائد فيها أن كان يعود فإليه.

حدثني علي بن منصور العقيلي من أمراء عرب البحرين قال إن اسفارنا ما تنقطع عن الهند وعندنا كثير من أخباره وتواترت الأخبار عندنا أن هذا السلطان محمد بن طغلقشاه فتح فتوحات جليلة وأنه مما فتح مدينة لها بحيرة ماء في وسطها بيت بد [¬] معظم عندهم يقصد بالنذور وكان كل نذر يجيء إليه يرمي في تلك البحيرة وصرف الماء منها للى أن تصرف ثم أخذ ما كان هناك من الذهب وحمل منه وسعه مائتي قيل وآلاف من البقر قال وهو رجل جواد كريم

يحسن إلى الغرباء سافر منا رجلان إليه وشملتهما السعادة بالحضور عنده فأنعم عليهما وشرفهما بالخلع وأجرى عليهما الأموال الجمة وكانا ممن لا يؤبه إليه من عربنا ثم خيرهما في المقام أو العودة فأختار الواحد منهما المقام فأعطاه بلدا جليلا ومالا جزيلا وأشياء كثيرا من مواشي الغنم والبقر وهو الآن هناك مملوءا فحولا [¬] وأما الآخر سأل العود فأنعم عليه بثلاثة آلاف تنكة ذهبا وعاد محبوا محبورا [¬].

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.