تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب القرشي الزهري المدني الإمام

والمدني ما نأى على الأفهام، المتوقد لأنه ابن شهاب، المتوقل لأنه على ذيل الأصحاب، المتوفي الزلل فما حفظ شيئا ثم نسيه، ولا استحضره ثم غاب، الناهض به شرف الأسرة في زهرة بن كلاب، والنابض عرقه في أعراق

السراب، والنافض صبغ دجى الليل بضوء صبحه المجاب، والناقض حبال الآراء إنكاثا برأيه الصواب، الطالع في أقمار زهرة حيث تشرق خؤولة النبوة، ويشرب في قلوب الآباء حب البنوة، وتلوي ذوائب لؤي بن غالب على ما تجل مفارقه أن تمس بالطيب، أو تدخن باللألؤة.

ولد سنة خمسين، ورأى جماعة من الصحابة، وحدث عنهم، وعن كبار التابعين، وروى عنه جماعة من الأئمة منهم: مالك بن أنس، والسفيانان.

وقال أبو داود: حديثه ألفان ومائتان، النصف منها مسند.

وقال أبو الزناد: كنا نطوف مع الزهري على العلماء، ومعه الألواح والصحف يكتب كل ما سمع.

وقال الليث: ما رأيت عالما قط أجمع من الزهري يحدث في الترغيب، فنقول: لا يحسن إلا هذا وإن حدث عن العرب، والأنساب، قلت: لا يحسن إلا هذا، وإن حدث عن القرآن والسنة، فكذلك.

قال الزهري: ما صبر أحد على العلم صبري، ولا نشره أحد نشري.

وقال عمر بن عبد العزيز: لم يبق أحد أعلم بسنة ماضية من

الزهري.

وقال مالك: بقي ابن شهاب، وماله في الدنيا نظير.

وقال عمرو بن دينار: ما رأيت الدينار عند أحد أهون منه عند الزهري كان بمنزلة البعر. (ص) وروي عن عمرو بن دينار أنه قال: أي شيء عند الزهري؟! أنا لقيت ابن عمر، وابن عباس ﵃ ولم يلقهما، فقدم الزهري مكة، فقال عمرو: احملوني إليه. - وكان قد أقعد - فحمل إليه، فلم يأت إلى أصحابه إلا بعد ليل، فقالوا له: كيف رأيته؟ فقال: والله، ما رأيت مثل هذا الفتى القرشي.

وقيل لمكحول: من أعلم من رأيت؟ فقال: ابن شهاب.

وكتب عمر بن عبد العزيز إلى الآفاق: عليكم بابن شهاب، فإنكم لا تجدون أحدا أعلم بالسنة الماضية منه.

وقال سعيد بن عبد العزيز: أدى هشام عن الزهري سبعة آلاف دينار، وكان يأدب ولده، ويجالسه.

وقال سعيد - أيضا -: سأل هشام بن عبد الملك الزهري أن يملي على بعض ولده شيئا، فأملى عليه أربعمائة حديث، وخرج الزهري، فقال: أين أنتم، يا أصحاب الحديث، فحدثهم بتلك الأربع مائة، ثم لقي هشاما بعد شهر، أو نحوه فقال للزهري: إن ذلك الكتاب ضاع، فدعا بكاتب، فأملاها عليه، ثم قابل الكتاب الأول فما غادر حرفا واحدا.

ومن حفظ الزهري: أنه حفظ القرآن في ثمانين ليلة، وقال: ما استعدت عالما قط.

وقال مالك: قدم الزهري المدينة، فأخذ بيد ربيعة، ودخلا بيت الديوان، فلما خرجا وقت العصر، خرج ابن شهاب وهو يقول: ما ظننت أن بالمدينة مثل ربيعة، وخرج ربيعة وهو يقول: ما ظننت أن أحدا بلغ من العلم ما بلغ ابن شهاب.

وقال معمر: كنا نظن أنا قد أكثرنا عن الزهري، حتى قتل الوليد بن

يزيد، فإذا الدفاتر قد حملت على الدواب من خزائنه، نقول: من علم الزهري.

وكان الزهري إذا جلس في بيته وضع الكتب حوله يشتغل بها عن كل شيء من أمور الدنيا، فقالت له امرأته - يوما -: والله، لهذه الكتب أشد علي من ثلاث ضرائر.

ولم يزل الزهري مع (ص) عبد الملك، ثم مع هشام بن عبد الملك، وكان يزيد بن عبد الملك قد استقضاه.

وتوفي ليلة الثلاثاء لسبع عشرة خلت من شهر رمضان سنة أربع وعشرين ومائة، وقيل: بعد ذلك، ودفن في ضيعته "أدامى" بين الحجاز والشام.

ومنهم:

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.