تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

أبو هريرة الدوسي اليماني

صاحب رسول الله ﷺ. هو وإن كان من في الرواية واحدا من ركب نهلوا من مكرع، وشربوا جميعهم من منبع، فإنه أمسّ هنا بالذكر من

بقية أصحابه لأنه هو الذي تروّى حتى روي، وروّى، وربما تدأدأ دون المطلع وتكأكأ عن بعض ما عليه اطلع، خوفا في تلك الأيام التي وقدت فتنتها، وقدّت الطلا والأبدان محنها، فكتم ولم يبح (ص) وكعم فمه ولم ينح، وقعد قائمه عن شعب تلك الأهواء ولم يرح، وخمد برقه في عوارض تلك الفتن ولم يلح، وروي أنه كان يقول: الصلاة خلف علي أفضل، وطعام معاوية أدسم، والقعود فوق التل أسلم، وقد كان أكثر القوم ملازمة للنبي ﷺ.

قال: كنت ألزمه لشبع بطني، وإخواننا يلهيهم البيع، والصفق بالأسواق.

واسمه - على الأشهر -: عبد الرحمن بن صخر في الإسلام، وفي الجاهلية " عبد شمس " وكني بأبي هريرة لأنه كان يرعى غنما، فوجد هرة وحشية، فلما أبصرههن، وسمع أصواتهن، أخبر أباه، فقال له: أبا هر.

قال أبو هريرة: نشأت يتيما، وهاجرت مسكينا، وكنت أجيرا لابنة غزوان بطعام بطني، وعقبة رحلي، أحدو بهم إذا ركبوا، وأحتطب إذا نزلوا، فالحمد لله الذي جعل الدين قواما، وأبا هريرة إماما.

وقدم مهاجرا ليالي فتح خيبر، وذلك في صفر سنة سبع، وحفظ عن النبي ﷺ الكثير،، وروي له نيفا وخمسة آلاف حديث.

قال الإمام أبو عبد الله البخاري: روى عنه ثمان مائة نفس أو أكثر.

وقال أبو هريرة: حفظت عن رسول الله ﷺ وعائين فأما أحدهما فبثثته للناس، وأما الآخر فلو بثثته لقطع مني هذا البلعوم".

وقال أبو صالح السمان: كان أبو هريرة من أحفظ أصحاب محمد ﷺ.

وقال أبو هريرة: لا أعرف أحدا من أصحاب محمد ﷺ أحفظ لحديثه مني.

وقال الشافعي: أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره.

وكان أبو هريرة من كبار أئمة العلم، والفتوى مع الجلالة، والعبادة، والتواضع، وكثرة التلاوة، والذكر.

قال أبو عثمان النهدي: تضيفت (ص) أبا هريرة سبعا، وكان هو وامرأته يعتقبون الليل أثلاثا، يصلي هذا، ثم يوقظ الآخر فيصلي، ثم يوقظ الثالث.

وكان أبو هريرة من أصحاب الصّفّة فقيرا، ذاق الجوع، ثم بعد النبي ﷺ

صلح حاله، وكثر ماله.

وقال أبو هريرة: لقد رأيتني أصرع من الجوع بين القبر والمنبر حتى يقولوا مجنون، فيجلس الرجل على صدري، فأرفع رأسي، فأقول: ليس الذي ترى، إنما هو الجوع.

ثم إن أبا هريرة ولي إمرة المدينة، وناب - أيضا - عن مروان في إمرتها، وكان يمر في السوق يحمل الحزمة، وهو يقول: أوسعوا الطريق للأمير.

وكان يقول لابنته: لا تلبسي الذهب، فإني أخشى عليك من اللهب.

وقال أبو هريرة: قال لي رسول الله ﷺ: ألا تسألني من هذه الغنائم؟ فقلت:

أسألك أن تعلمني ما علمك الله تعالى، فنزع نمرة على ظهري، فبسطها بيني وبينه حتى كأني أنظر إلى القمل يدب عليها، فحدثني حتى إذا استوعب حديثه، قال: اجمعها، فصرها إليك، قال: فأصبحت، وأنا لا أسقط حرفا.

وقال أبو هريرة: إني لأستغفر الله تعالى، وأتوب إليه كل يوم اثني عشر ألف مرة، وذلك على قدر ديتي. وكان له خيط فيه ألفا عقدة لا ينام حتى يسبح به، وكان آدم، بعيد ما بين المنكبين، أفرق الثنيتين، له ضفيرتان، يخضب بالحمرة، وكان من أصحاب الصفة، وله مسائل معروفة، أفتى بحضرة فقهاء الصحابة، وقال رسول الله ﷺ: "اللهم حبب عبيدك هذا - يعني أبا هريرة - وأمه إلى عبادك المؤمنين، وحببهم إليهما. "

توفي سنة ثمان وخمسين - في قول جماعة -، وقيل سنة سبع وخمسين، وقيل سنة تسع. (ص)

وأما ما نذكره من مشاهير الحفاظ، فمنهم:

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.