تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

سفيان بن سعيد بن مسروق بن حبيب بن رافع بن عبد الله بن موهبة أبو عبد الله الثوري الكوفي الفقيه الإمام

سيد الحفاظ، ومرتمى الألفاظ، ومرتمق الألحاظ، ذو المذهب الواضح، الذي لا يضل سالكه، ولا يظلم به إن دجى الليل حالكه، تمذهب به جماعة، وكاد الزمان يعقد عليه إجماعه، والآن هو إنما محي رسمه، وبقي حكمه، هذا وقد فرّقت أوصاله الدود، ومزقت أعضاءه اللحود، وأبلى جدته التراب، وأطال مدّته

الذهاب، لكن هو العلم/ (ص) الذي يورث صاحبه الخلود، ويحييه وقد بليت محاسن أوجه وخدود، قال سفيان بن عيينة: ما رأيت رجلا أعلم بالحلال والحرام من سفيان الثوري، وقال عبد الله بن المبارك: كتبت عن ألف ومائة شيخ ما فيهم أفضل من سفيان الثوري، ولا أعلم على وجه الأرض أفضل من سفيان. وقال الأوزاعي: لم يبق من تجمع عليه الأمة بالرضا والصحة إلا سفيان، وقال يحيى القطان: سفيان فوق مالك في كل شئ، وقال أبو أسامة: من أخبرك أنه رأى مثل سفيان فلا تصدقه، وقال ابن أبي ذئب: ما رأيت بالعراق أحدا يشبه ثوريّكم، وقال سفيان: العالم طبيب الدّين، والدرهم داء الدّين، فإذا اجترّ الطبيب الداء إليه متى يداوي غيره، وقال القعقاع بن حكم:

كنت عند المهدي وأتى سفيان الثوري، فلما دخل سلّم عليه تسليم العامّة، ولم يسلّم بالخلافة، والربيع قائم على رأسه متكئا على سيفه، يرقب أمره، فأقبل المهدي عليه بوجه طلق، وقال له: يا سفيان تفرّ مناههنا وههنا، وتظن أنا لو أردناك بسوء لم نقدر عليك؟ فقد قدرنا عليك الآن، أفما تخشى أن نحكم فيك بهوانا؟ قال سفيان: إن تحكم فيّ يحكم فيك ملك قادر يفرق بين الحق والباطل. فقال له الربيع: يا أمير المؤمنين ألهذا الجاهل أن يستقبلك بمثل هذا؟ ائذن لي أن أضرب عنقه، فقال له المهدي: اسكت ويلك، وهل يريد هذا وأمثاله إلا أن نقتلهم فنشقى بسعادتهم؟ اكتبوا عهده على قضاء الكوفة، على أن لا يعترض عليه، فكتب عهده ودفع إليه، فأخذه وخرج فرمى به في دجلة وهرب، فطلب في كل بلد فلم يوجد، ولما امتنع من قضاء الكوفة وتولاّه شريك بن عبد الله النخعي، قال الشاعر/ (ص):

تحرر سفيان وفرّ بدينهوأمسى شريك مرصدا للدراهم

وحكي عن أبي صالح المدائني أنه قال: إني لأحسب سفيان الثوري يوم

القيامة حجة من الله على الخلق، يقال لهم: لم تدركوا نبيكم ﷺ فقد رأيتم سفيان الثوري، هلا اقتديتم به؟ مولده سنة بضع وتسعين للهجرة، وتوفي بالبصرة سنة إحدى وستين ومائة متواريا من السلطان ودفن عشاء ولم يعقب.

ومنهم

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.