تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

أبو يوسف، يعقوب بن إبراهيم بن حبيب بن خنيس بن سعد بن حبتة الأنصاري

(¬*)

صاحب أبي حنيفة، [وساحب ذيله على كل منيفة]، ذو مذهب لو أفرد لاستقلّ، ولكثر بنفسه وما قل، بعلم لو تدفّق لزخر، ولو تجسّد لفخر، ولو عرض لاحتقر كل عالم ما أفتى وما ذخر.

بحر موجه مكفوف، وبدر بالنجوم محفوف، وفجر متألّق يزيد جوهره في الشفوف، وإمام تقدّم والعلماء خلفه صفوف.

استقضاه الرشيد وارتضاه لحلول بنائه المشيد، فانتقاه لتسليم المقاليد،

وانتضاه سيفا للتقليد، وكان موضع أمانته، ومرجع أمور ديانته، حتى كان يدخله إلى ما وراء حجابه، ويستدعيه بغير محضر من حجّابه، ويعارضه أحيانا في حرمه، ويفاوضه فيما يكون بينه وبين حرمه، ويسارّه حيث لا يكون نجيّ، ويشاوره فيما أمره به الله والنبي ﷺ، فعظمت لهذا لديه مكانته، وعرفت بالتسديد في دين الله متانته، واتسع له ذيل مال من الحلال مكسبه، ومن تحف الرشيد وأهل بيته سببه، وما زال على هذا حتى خبت ريحه، وأواه في مستقر الترب ضريحه.

ذكر الخطيب عن أبي يوسف قال: توفي أبي وخلّفني صغيرا في حجر أمي، فأسلمتني إلى قصّار أخدمه، فكنت أدع القصار وأمرّ إلى حلقة أبي حنيفة، فأجلس أسمع، فكانت أمي تجئ خلفي إلى الحلقة تأخذ بيدي وتذهب بي إلى القصار، وكان أبو حنيفة يعتني بي لما يرى من حضوري وحرصي على التعلم، فلما كثر ذلك على أمي وطال عليها هربي، قالت لأبي حنيفة: ما أرى لهذا الصبي فسادا غيرك. هذا صبي يتيم لا شيء له، وإنما أطعمه من مغزلي، وأؤمل أن يكسب دانقا يعود به على نفسه.

فقال لها أبو حنيفة: مرّي يا رعناء! هو ذا والله يتعلم أكل الفالوذج بدهن الفستق!. فانصرفت عنه، وقالت: أنت شيخ قد خرفت، وذهب عقلك.

قال أبو يوسف: ثم لزمته، فنفعني الله بالعلم، ورفعني حتى تقلّدت القضاء، وكنت أجالس الرشيد وآكل معه على مائدته، فلما كان في بعض الأيام قدّم إليّ الرشيد فالوذجة، فقال لي: يا يعقوب، كلّ منه، فليس في كل يوم يعمل لنا

مثلها!.

فقلت: وما هذه يا أمير المؤمنين؟.

فقال: هذه فالوذجة بدهن الفستق. فضحكت، فقال لي: ممّ ضحكك؟.

فقلت: خيرا أبقى الله أمير المؤمنين. فقال: لتخبرنّي. فأخبرته بالقصة من أولها حتى آخرها، فعجب من ذلك، وقال: لعمري إنّ العلم ليرفع وينفع دينا ودنيا.

وترحّم على أبي حنيفة، وقال: كان ينظر بعيني عقله ما لا يراه بعيني رأسه.

وزاد السمناني في تاريخه: أن الرشيد سأل أبا يوسف عن أمه، فقال له: هي حية باقية، فقال: يحمل ذلك إليها، ويذكر لها ذلك. وتبر قسم أبي حنيفة.

وقال بشر بن الوليد: سمعت أبا يوسف يقول: صحبت أبا حنيفة سبع عشرة سنة، لا أفارقه في فطر ولا أضحى إلا من مرض.

وولي أبو يوسف القضاء لثلاثة من الخلفاء: للمهدي، والهادي، والرشيد.

وكان الرشيد يكرمه ويبجّله، وحجّ معه. واجتمع بمالك وناظره في مقدار الصاع، وهو أول من خوطب بقاضي القضاة في خلافة الرشيد، ولم يخاطب بها أحد قبله، وهو أول من غير لباس العلماء إلى هذه الهيئة.

وقال محمد بن جرير الطبري: كان أبو يوسف فقيها، عالما، حافظا، وكان يعرف بحفظ الحديث، وكان يحضر المحدّث فيحفظ خمسين حديثا وستين، ثم يقوم فيمليها على الناس، وكان كثير الحديث.

وقال طلحة بن محمد الحافظ: كان أبو يوسف مشهور الأمر، ظاهر الفضل، وهو صاحب أبي حنيفة، وأفقه أهل عصره، ولم يتقدّمه أحد في زمانه، وكان

نهاية في العلم، والحكم، والرياسة، والقدر، وهو أول من وضع الكتب في أصول الفقه على مذهب أبي حنيفة، وأملى المسائل، ونشرها، وبثّ علم أبي حنيفة في أقطار الأرض. وقد قيل: لولا أبو يوسف ما ذكر أبو حنيفة، ولكنّه هو نشر قوله، وبثّ علمه.

وقال هلال الرأي: لم يكن في أصحاب أبي حنيفة مثل أبي يوسف، كان يحفظ التفسير والمغازي، وكان أقل علومه الفقه.

وقال ابن كرامة: كنت عند وكيع بن الجراح يوما، فقال رجل: أخطأ أبو حنيفة. فقال وكيع: كيف يقدر أبو حنيفة يخطئ ومعه مثل أبي يوسف، وزفر في قياسهما؟. ومثل يحيى بن أبي زائدة، وحفص بن غياث، وحبان، ومندل وحفظهم للحديث؟. والقاسم بن معن في معرفته باللغة العربية؟. وداود الطائي والفضيل بن عياض في زهدهما وورعهما؟. من كان هؤلاء جلساءه لم يكن يخطئ لأنه إن أخطأ ردّوه.

وقال أبو حنيفة: أصحابنا هؤلاء ستة وثلاثون رجلا: منهم ثمانية وعشرون يصلحون للقضاء، ومنهم ستة يصلحون للفتوى، ومنهم اثنان يصلحان يؤدبان القضاة وأصحاب الفتوى، وأشار إلى أبي يوسف وزفر.

توفي في خلافة الرشيد، سنة اثنتين وثمانين ومائة، عن تسع وثمانين سنة، ودفن في مقابر قريش.

ومنهم:

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.