تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

القاضي أبو الفتح محمد بن علي بن وهب بن مطيع بن أبي الطاعة القشيري

المنفلوطي الصعيدي المالكي، والشافعي تقي الدين، عرف بابن

دقيق العيد. صاحب التصانيف، آخر المجتهدين، وفاخر درر المقلدين، حجة العلماء، والأعلام، ومحجة القصد والسلام، رافع منار الشرع المطهر، ومعلي قدر فرقده، ومعلن اسم سؤدده، ومعلم البروق اللامعة بأنها لا طاقة لها بتوقده، ومعلق طيبه بمفرق الدهر مسك ليلته، وكافور غده، قام بالحق والكل قاعد، وهب، وكل على جفنه النوم عاقد، وتخلق بخلائق السلف الذي عليه مضوا، وبه جاءوا، وعليه قضوا، من علم تلافى الفساد، وأوفى بقدر السلف وزاد، وورعا ما دنّس ثوبه، ولا كدر صوبه، إلا أنه كان مغرى بالنكاح، مغرما منه بالمباح، يغالي في شراء الجواري، واستسراء قيم السواري، ولم تكن له جدة للإنفاق، فكان يشتريهن بالثمن الربيح إلى أجل يستدينه، فإذا حل يغدو وهو رهينه، فيتسامع به أهل اليسار ممن ربطه عليه حب علمه، وحسن ظنه في دينه، لا خاب في زعمه، فيتكفل بوفاء ذلك الدين (ص) وغسل ذمته، وتنقيته من ذلك الشين، حتى إذا صار بريئا من الطلبات، خالصا من المطالبات، عنّ له أن يشتري جارية، أو يزيد نفقة جارية، فلا يلبث شهرا، حتى يعود أثقل ما كان ظهرا، ويدوم على هذا في الزمان دهرا، فيقدر له آخر فيوفي عنه ما اشتغلت به

ذمته، واشتعلت بسبب همه لمته، واستجيزت بسببه عند أهل الورع مذمته، هكذا كان دأبه، ودأب ما يحمل نفسه، من أثقال التكاليف وإنفاق جمل المصاريف، كأنه يحتقر الذهب، أو أن وفاء دينه على أهل الدنى وجب، وكان على فور علمه ودينه، وشواغله بالتصنيف في كل حينه، يكمن تارة في زناده، ويحبس أواره في فؤاده، ويلبس الرجال على بغضها، ويسلب كل الأعمال لبعضها، وربما قدر فعفر، وواخذ فما غفر، إلا أن التقوى كانت تمنعه من أليم المجازاة، وترده عن بلوغ الغاية من التشفي، وفي النفس

حزازات.

ولد في شعبان سنة خمس وعشرين وستمائة بقرب ينبع من أرض الحجاز، وسمع الحديث، وخرّج لنفسه أربعين تساعية، وكان من أذكياء زمانه، واسع العلم كثير الكتب مديما للسهر، مكبا على الاشتغال، ساكنا وقورا، ورعا، قل أن ترى العيون مثله، وله اليد الطولى في الأصول والمعقول، وخبرة بعلل المنقول، ولي قضاء الديار المصرية سنوات إلى أن مات، وكان في أمر الطهارة والمياه في نهاية الوسوسة.

قال الحافظ قطب الدين الحلبي: كان إمام أهل زمانه، وممن فاق بالعلم

والزهد على أقرانه، عارفا بالمذهبين، إماما في الأصلين، حافظا متقنا في الحديث وعلومه، يضرب به المثل في ذلك، وكان آية في الحفظ، والإتقان والتحري، شديد الخوف، دائم الذكر، لا ينام الليل (ص) إلا قليلا، ويقطعه فيما بين مطالعة، وتلاوة، وذكر، وتهجد حتى صار السهر له عادة، وأوقاته كلها معمورة، ولم ير في عصره مثله - وعدّ مصنفاته - ثم قال: عزل نفسه من القضاء غير مرة، ثم يسأل، ويعاد وقال: وبلغني أن السلطان حسام الدين لما طلع الشيخ إليه، قام للقيه، وخرج عن مرتبته، وكان كثير الشفقة على المشتغلين، كثير البر لهم.

توفي في صفر سنة اثنتين وسبعمائة.

ومن نظمه:

الحمد لله كم أسعى بعزمي فينيل العلى، وقضاء الله ينكسه
كأنني النجم يبغي الشرق، والفلك الأعلى يعارض مسراه فيعكسه

ومنه قوله:

لعمري لقد قاسيت بالفقر شدةوقعت بها في حيرة وشتات
للشاعر ابن دقيق العيد، اقرأ القصيدة
فإن بحت بالشكوى هتكت مروءتيوإن لن أبح بالصبر خفت مماتي
للشاعر ابن دقيق العيد، اقرأ القصيدة
فأعظم به من نازل بملمةيزيل حيائي، أو يزيل حياتي
للشاعر ابن دقيق العيد، اقرأ القصيدة

ومنه قوله:

تهيم نفسي طربا عندمااستلمع البرق الحجازيا
للشاعر ابن دقيق العيد، اقرأ القصيدة
ويستخف الوجد عقلي وقدأصبح لي حسن الحجى زيّا
للشاعر ابن دقيق العيد، اقرأ القصيدة
يا هل أقضّي حاجتي من منىوأنحر البزل المهاريا
وأرتوي من زمزم فهي ليألذ من ريق المها ريّا (ص

ومنه قوله:

أهل المراتب في الدنيا، ورفعتهاأهل الفضائل مرذولون بينهم
فما لهم في توقي ضرنا نظرولا لهم في ترقي قدرنا همم
قد أنزلونا لأنا غير جنسهممنازل الوحش في الإهمال عندهم
للشاعر ابن دقيق العيد، اقرأ القصيدة
فليتنا لو قدرنا أن نعرّفهممقدارهم عندنا أو لو دروه هم
للشاعر ابن دقيق العيد، اقرأ القصيدة
لهم مريحان من جهل وفضل غنىوعندنا المتعبان العلم والعدم

فناقضه في ذلك الفتح البققي - المقتول على الزندقة -، فقال:

أين المراتب، والدنيا ورفعتهاعند الذي حاز علما ليس عندهم
لا شك أن لنا قدرا رأوه، ومالقدرهم عندنا قدر ولا لهم
هم الوحوش ونحن الأنس حكمتنانقودهم حيثما شئنا، وهم نعم
وليس شيء سوى الإهمال يقطعناعنهم لأنهم وجدانهم عدم
لنا المريحان من علم ومن عدموفيهم المتعبان الجهل والحشم

عدنا إلى ذكر قاضي القضاة أبي الفتح ﵀ ومن شعره قوله:

نفرت سليمى نضرة لما رأتوضح المشيب بعارضيّ ومفرقي
قد أبصرت منه عدوا أبيضاأربى أذاه على العدو الأزرق

وقوله:

كم ليلة فيك وصلنا السرىلا نعرف النوم ولا نستريح
للشاعر ابن دقيق العيد، اقرأ القصيدة
وكادت الأنفس مما بهاتزهق والأبدان منها تطيح
واختلف الأصحاب ما ذا الذييرد من شكواهم أو يريح
فقيل تعريسهم ساعةوقلت: بل ذكراك، وهو الصحيح
للشاعر ابن دقيق العيد، اقرأ القصيدة

قلت هكذا فليكن - وإلا فلا - أدب الفقهاء، وفي مثل هذا يذهب أهل الحزم أضعاف ذهب السفهاء، هذا الذي لا يقدر عليه من قدّر عليه رزقه، واتسم بسمة أهل الفضل وهو لا يستحقه.

ومنه قوله:

أتيتك والآمال تسري إلى مدىبعيد أراه باصطناعك يقرب
للشاعر ابن دقيق العيد، اقرأ القصيدة
وقد شنع الأعداء أن مطالبيترد على أعقابها وهي خيّب
للشاعر ابن دقيق العيد، اقرأ القصيدة
وما تركوا من حجة أو أتوا بهاعلى أنني مالي ببحرك مشرب
للشاعر ابن دقيق العيد، اقرأ القصيدة
ووالله لا صدّقت أنك مربحي؟لدفع ملمّ حادث فتخيب

وقوله:

أنكرتني لما ادعيت هواهاوأصرت على العناد جحودا
للشاعر ابن دقيق العيد، اقرأ القصيدة
قلت إن الدموع تشهد لي قالت صحيح، لكن قذفت الشهودا
للشاعر ابن دقيق العيد، اقرأ القصيدة

ومنه قوله:

أودّعكم وأودعكم حياتيوأنثر دمعتي نثر الجمان
للشاعر ابن دقيق العيد، اقرأ القصيدة
وقلبي لا يريد لكم فراقاولكن هكذا حكم الزمان
للشاعر ابن دقيق العيد، اقرأ القصيدة

ومن نثر القاضي أبي الفتح ما كتبه إلى نوابه بالحكم في الوجه القبلي البحري عند ما فوّض إليه قضاء القضاة بالديار المصرية، بعد البسملة:

﴿يا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً وَقُودُهَا اَلنّاسُ وَاَلْحِجارَةُ عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعْصُونَ اَللّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾

صدرت هذه المكاتبة إلى المجلس السامي وفقه الله لقبول النصيحة، وآتاه لما يقربه قصدا صالحا ونية صحيحة، أصدرناها إليه بعد حمد الله الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، ويمهل حتى يلتمس الإمهال على المغرور، تذكرة بأيام الله ﴿وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾، ويحذره صفقة من باع آخرته بدنياه فما أحد سواه مغبون، عسى الله أن يرشده بهذا التذكار وينفعه، وتأخذ هذه النصائح بمحجزته عن النار فإني أخاف أن يتردى فيخرّ من ولاّه والعياذ بالله معه، والموجب لإصدارها ما تلمحناه من الغفلة المستحكمة على القلوب، ومن تقاعد الهمم عن القيام بما يجب للرب على المربوب، ومن أنسهم بهذا الدار وهم يزعجون عنها، وعلمهم بما بين أيديهم من عقبة كؤود، وهم لا يتخففون منها، ولا سيما القضاة الذي تحملوا أعباء الأمانة

على كواهل ضعيفة، وظهروا بصور كبار، وهمم نحيفة، ووالله إن الأمر لعظيم، وإن الخطب لجسيم، ولا أرى أن مع ذلك أمنا ولا قرارا ولا راحة، اللهم إلا رجلا نبذ الآخرة وراه و ﴿اِتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ﴾، وقصر همه وهمته على حظ نفسه ودنياه فغاية مطلبه/ (ص) حب الجاه، والرغبة في قلوب الناس، وتحسين الزي والملبس والمركب والمجلس، غير مستشعر خسة حاله، ولا ركاكة مقصده، وهذا لا كلام معه، ﴿فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ اَلْمَوْتى﴾ ﴿وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي اَلْقُبُورِ﴾ فاتق الله الذي يراك حين تقوم، واقصر أملك عليه، فالمحروم من فضله غير مرحوم، وما أنا وأنتم أيها النفر إلا كما قال الحبيب العجمي ﵁ وقد قال له قائل: ليتنا لم نخلق - فقال: قد وقعتم فاحتالوا. وإن خفي عليك بعض هذا الخطر، وشغلتك الدنيا أن تقضي من معرفته الوطر، فتأمل قوله: "

القضاة ثلاثة"، وقوله مشفقا: "لا تأمرن على اثنين ولا تلينّ مال يتيم"، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

وما أنا والسير في متلفنبرّح بالذكر الظابط
للشاعر محمد جواد عواد البغدادي، اقرأ القصيدة

هيهات، جف القلم، ونفذ أمر الله فلا راد لما حكم، إيه، ومن هنالك شم الناس من فم الصديق رائحة الكبد المشوي، وقال الفاروق: ليت أم عمر لم تلده، واستسلم عثمان وقال: من أغمد سيفه فهو حر. وقال علي والخزائن بين يديه مملوّة: من يشتري مني سيفي هذا، ولو وجدت ما اشتري به ما بعته. وقطع الخوف نياط قلب عمر بن عبد العزيز فمات من خشية العرض. وعلق بعض السلف في بيته سوطا يؤدب به نفسه إذا فتر. أفترى ذلك سدا؟ أم وضح أنا نحن المقربون، وهم البعدا، وهذه أحوال لا تؤخذ من كتاب السلم والإجارة والجنايات، نعم إنما تنال بالخضوع والخشوع، وبأن تظمأ وتجوع، وتحمي عينيك الهجوع، ومما يعينك على الأمر الذي/ (ص) دعوت إليه، ويزودك في مسيرك إلى العرض عليه، أن تجعل لك وقتا تعمره بالتفكر والتدبر، فإنها تجعلها معدة لجلاء قلبك، فإنه إن استحكم صداه صعب

تلافيه، وأعرض عنه من هو أعلم بما فيه، واجعل أكثر همومك الاستعداد للمعاد، والتأهب لجواب الملك الجواد، فإنه يقول ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ومهما وجدت من همتك قصورا، أو استشعرت من نفسك عما يذللها نفورا، فاجأر إليه، وقف ببابه واطلب منه، فإنه لا يعرض عمن صدق، ولا يعزب عن علمه خفايا الضمائر ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ هذه نصيحيتي إليك، وحجتي بين يدي الله إن فرطت عليك، أسال الله لي ولك قلبا شاكرا، ولسانا ذاكرا، ونفسا مطمئنة بمنه وكرمه.

ومنهم:

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.