من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
عبد الله بن عطاء بن حسن بن عطاء بن جبير بن جابر الحنفي، الأذرعي
(¬*)
أبو محمد، قاضي القضاة، شمس الدين. عرف بالشمس عبد الله.
قاض لا يهاب ملكا، ولا يحابي مؤتفكا، ولا يحل عقدا، بذيل الشعر متمسكا، يقضي بالحق ولا يهاب، ويقول الصدق فما يعاب، ولقد شهد له يوم نكلت عنه القرناء، ونكصت الجبناء، أرغم فيه معطس السلطان، وصدع في دآدية دجا العدوان، لقوة وهبها، ونعمة لولاها وجدت كثيرا قد سلبها، وهو أول من ولي القضاء بدمشق على مذهب الإمام أبي حنيفة استقلالا.
مولده سنة خمس وتسعين وخمسمائة.
كان والده حنبلي المذهب، وكان يتغالى في الشيخ الفقيه محمد
اليونيني، ويحبه محبة مفرطة، وبسببه انتقل إلى بعلبك، وقرأ ولده هذا عبد الله على الشيخ الفقيه القرآن العزيز. واستأذنه والده فيما يشتغل به ولده المذكور، فأشار عليه الشيخ الفقيه أن يشتغل في الفقه على مذهب الإمام أبي حنيفة، فاشتغل، وحفظ مختصر القدوري، ورحل إلى دمشق، وتفقّه بحيث صار المشار إليه في المذهب، وكان أحد الأئمة المشكورين، رفيع القدر، كثير الفضل، حسن الهيئة، وافر الديانة، عالي الإسناد، قوّالا بالحق، كثير التواضع، عديم النظير، قليل الرغبة في الدنيا، يقنع منها باليسير، ولا يحابي أحدا في الحق.
ودرّس بالمدرسة المعظمية، بسفح قاسيون، وبالمدرسة المرشدية، وهو أول من درّس بها، واستنابه ابن سني الدولة ومن بعده في نيابة الحكم على مذهبه، ثم وليه مستقلا للحنفية في سادس جمادى الأولى سنة أربع وستين وستمائة، واستمر قاضي القضاة إلى أن توفي.
قال أبو شامة: "وفي سنة أربع وستين وستمائة، جاء من مصر من سلطانها الملك الظاهر بيبرس الصالحي ثلاثة عهود، لثلاثة من القضاة: شمس الدين عبد الله بن محمد بن عطاء، الحنفي المذكور. وشمس الدين عبد الرحمن بن الشيخ أبي عمر الحنبلي، وزين الدين عبد السّلام الزواوي المالكي، وجعل كلّ واحد منهم قاضي القضاة، كما هو المنصب لشمس الدين ابن خلّكان الشافعي، وكان
قد فعل بديار مصر في العام الأول كذلك، ولّوا أربعة، كل واحد منهم قاضي القضاة من المذاهب الأربعة، ولكل واحد منهم نائب، فلما وصلت العهود الثلاثة لم يقبل المالكي والحنبلي، واعتذرا بالعجز والتقصير، وقبل الحنفي لأنه كان نائبا للشافعية، واستمر على الحكم، ثم ورد الكتاب بإلزامهما، وأخذ ما بأيديهما من الأوقاف إن لم يفعلا. فأجابا، ثم أصبح المالكي وأشهد على نفسه بأنه عزل نفسه عن القضاء وعن الأوقاف، فترك، واستمر الحنبلي، ثم ورد الأمر بإلزامه فقبل، واستمر الجميع لكن امتنع المالكي والحنبلي من أخذ جامكية على القضاء، وقالا: نحن في كفاية، فأعفيا منه.
قال أبو شامة: " ومن العجب اجتماع ثلاثة على ولاية قضاء القضاة في زمن واحد، كل واحد منهم لقبه شمس الدين، واتفق أن الشافعي منهم استناب أيضا من لقبه شمس الدين!، فقال بعض الظرفاء:
أهل دمشق استرابوامن كثرة الحكام
إذ الجميع شموسوكلهم في ظلام
وقيل أيضا:
بدمشق آية قدظهرت للناس عاما
كلّما ولي شمسقاضيا زادت ظلاما
ولما وضعت الأيدي واحتيط على البساتين في الدولة الظاهرية، حضر السلطان بدار العدل، وجرى الكلام في ذلك، فتكلم القاضي شمس الدين عبد الله - المذكور - من بين الحاضرين. وقال: اليد لأرباب الأملاك، ولا يحل لأحد أن ينازعهم في أملاكهم، ومن استحلّ ما حرّم الله فقد كفر.
فغضب السلطان الملك الظاهر غضبا شديدا، وتغير لونه، وقال: أنا أكفر؟.
فجعل بعض أرباب الدولة يسكّن غضبه، ويقول: القاضي إنما اشار بالتكفير إلى من أفتى السلطان بذلك. وكان الذي حمل القاضي على ذلك مخافة الله ﷿، وخشيته. وألقى الله على خاطره في ذلك الوقت قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اَللّهُ مِيثاقَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ﴾.
وكانت العقبى إلى سلامة وخير. وصار للقاضي منزلة عند السلطان، وعلم دينه وصدقه في المقالة، وعظم في عينه، ثم كان يقول: لا تثبتوا كتبنا إلا عند القاضي الذي شتمنا!.
توفي - رحمه الله تعالى - يوم الجمعة، ثامن جمادى الأولى، سنة ثلاث وسبعين وستمائة، ودفن بقاسيون.
ومنهم:
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع