تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

أبو بكر بن مسعود بن أحمد الكاساني

(¬*)

علاء الدين، صاحب "البدائع"، وساحب جلباب الصنائع، وندرة أصحاب الإمام أبي حنيفة في الزمن الأخير، لم يكن فيهم من ملاصق سجاله، ولا من تضايق مجاله، وكان يسكتهم إذا هدر، ويسكتهم في حلبة السباق إذا بدر، هذا إلى سعة صدر، ورفعة قدر، وقرب من الملوك، وبعد لا تطأ قدم الثريا أثره المسلوك، وكثرة استحضار، وقدرة قوى لا تدرك بإحصار، إلا أنه ربما احتدّ وجدّل الخصماء وما اعتد، وكان يأخذ نفسه بلقاء الأقران إذا التقى الجمعان، واتقي الصّدغان، ويربط لهذا كرائم الخيل، وينعت من سبقه الباتك زائد السيل.

تفقّه على محمد بن أبي أحمد السمرقندي، وقرأ عليه معظم تصانيفه، وزوّجه شيخه بابنته فاطمة الفقيهة العالمة.

قال ابن العديم في "تاريخ حلب": كان الكاساني قد أقام ببلاد الروم، فتناظر هو وبعض الفقهاء في مسألة: المجتهد بين مصيب ومخطئ، والحق في

جهة واحدة، وهذا الذي يقوله مذهب المعتزلة، وجرى بينهما كلام في ذلك، فرفع الكاساني على ذلك الفقيه المقرعة، فتأذّى ملك الروم، وقال لوزيره: هذا قد افتأت على الرجل، فاصرفه عنه.

فقال الوزير: هذا الرجل شيخ العلم، وله حرمة وافرة، ولا ينبغي أن نصرفه، بل ننفذه رسولا إلى نور الدين محمود بن زنكي، ونتخلّص منه بهذه الطريق، فسيّر من الروم رسولا إلى حلب، وكان قدم الرضي السرخسي صاحب المحيط حلب، فولاه السلطان نور الدين المدرسة الحلاوية، وكان في لسانه لكنة، فتعصّب عليه جماعة من الفقهاء الحنفية، وصغّروا أمره عند نور الدين، فأوجب ذلك عزله عن التدريس، فاتفق وصول الكاساني في الرسالة إلى نور الدين، فاحترمه وأكرمه، فاجتمع فقهاء المدرسة، وطلبوا من السلطان أن يولّيه التدريس، فعرض عليه نور الدين ذلك، فأجاب إلى ذلك، وقال: هذه الرسالة أمانة معي، فإذا أعدت الجواب إليهم، عدت بعد ذلك.

فكتب نور الدين خطه للكاساني بالمدرسة، فرجع وأعاد الجواب، وبسطت له سجادة بالمدرسة، وكانت تبسط كل يوم، ويجتمع الفقهاء حولها، إلى أن عاد.

فخرج جماعة عظيمة من الفقهاء، وتلقّوه، وأكرمه السلطان، وفوّض إليه النظر في أمر المدرسة، وزاوية الحديث بالجامع، فحدّث، ودرّس أيضا بالمدرسة الجاولية.

قال ابن العديم: وكان حريصا على تعليم العلم، ونفع الطبة، مواظبا على ذكر الدرس، فقيها، عالما، صحيح الاعتقاد، كثير الذمّ للمعتزلة وأهل البدع، مصرّحا بشتمهم ولعنهم في دروسه، وصنّف في الفقه والأصول.

وكان له حصان يركبه ولا يركب غيره، ويقول: لا يركب الفحل إلا الفحل.

وكان له رمح يصحبه في الحضر والسفر، وكان عنده نخوة الإمارة، وعزة النفس، وكان شجاعا، وكان لا يأكل في عمره إلا اللحم المطبوخ بالماء والحمّص.

قال ابن العديم: "وحدّثني والدي، قال: كان الكاساني كثيرا ما يعرض [له] النقرس في رجليه، ووجع المفاصل، وكان يحمل في محفّة من منزله، ويخرج إلى الفقهاء. ويذكر الدرس ولا يمنعه ذلك الألم من الاشتغال، ولا يخلّ بذكر الدرس، وإن نور الدين ربما عاده في بعض الوقت.

قال: ولم تزل حرمة الكاساني تعظم وتزيد، ويرتفع أمره عند نور الدين ومن بعده من الملوك إلى أن تناقصت في أيام الملك الناصر صلاح الدين، فلزم مكانه بالمدرسة، ثم عظم بعد ذلك أمره عند الملك الظاهر غازي، وما زال يحترمه إلى أن مات، وكان يصعد إلى القلعة راكبا، وينزل حيث ينزل الملك الظاهر، فاتّفق أن صعد يوما والفقهاء بأجمعهم بين يديه، فلما وصل إلى باب القلعة، قام البوّاب، وقال: يدخل الشيخ ويرجع الفقهاء!. فلوى الشيخ عنان حصانه، وقال:

يرجع الشيخ أيضا، فبلغ الملك الظاهر ذلك، فأرسل في الحال من أدخل الشيخ والفقهاء إلى مجلس السلطان.

قال ابن العديم: وسمعت قاضي العسكر يقول: قدم الكاساني دمشق، فحضر إليه الفقهاء، وطلبوا منه الكلام معهم في مسألة، فقال: أنا لا أتكلم في مسألة فيها خلاف أصحابنا، فعينوا مسألة. فعيّنوا مسائل كثيرة، فجعل يقول:

ذهب إليها من أصحابنا فلان، فلم يزل كذلك حتى إنهم لم يجدوا مسألة إلا

وقد ذهب إليها واحد من أصحاب أبي حنيفة، فانفضّ المجلس، ولم يتكلّموا معه.

ومما وجد ونقل من شعر الكاساني على ظهر نسخة بكتاب البدائع:

سبقت العالمين إلى المعاليبصائب فكرة وعلوّ همّه
للشاعر عمر الخيام، من قصيدة «سبقت العالمين إلى المعالي»
ولاح بحكمتي نور الهدى فيليال بالضّلالة مدلهمّه
يريد الجاحدون ليطفئوهويأبى الله إلا أن يتمّه
للشاعر عمر الخيام، من قصيدة «سبقت العالمين إلى المعالي»

قال ابن العديم: سمعت ضياء الدين محمد بن خميس الحنفي يقول: حضرت الشيخ الكاساني عند موته، فشرع في قراءة سورة إبراهيم، حتى انتهى إلى قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اَللّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ اَلثّابِتِ فِي اَلْحَياةِ اَلدُّنْيا وَفِي اَلْآخِرَةِ﴾. فخرجت روحه عند فراغه من قوله: ﴿وَفِي اَلْآخِرَةِ﴾.

وكانت وفاته يوم الأحد بعد الظهر، عاشر رجب سنة سبع وثمانين وخمسمائة، ودفن داخل مقام إبراهيم الخليل، بظاهر حلب.

وخلّف ولدا ذكرا، فتولّى الملك الظاهر غازي تربيته، والقيام بأمره، وكان صبيا، واجتهد في اشتغاله بالفقه، فلم ينجب.

ومنهم:

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.