من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
عبد الغفور بن لقمان بن محمد الكردري
(¬*)
أبو المفاخر، القاضي، الحنفي، الدانقيني، قاضي حلب.
رجل عنده الناس أسوياء، لا يشينه اللين والرياء، ولديه السلطان كآحاد الناس في اطّراد القياس. لا يبالي إذا رضي الله بمن غضب، ولا إذا وصل سبب الحق بما اقتضب، ولا إذا أطلّ دم الباطل بأي كفّ خضب، وقوفا مع الشريعة المطهرة، ونزعا لجلابيب الأباطيل المشهرة.
تفقّه على الإمام أبي الفضل عبد الرحمن الكرماني، وبرع في الفقه، وحدّث بحلب، وكان يحفظ المبسوط لمحمد بن الحسن، وصنّف التصانيف الحسنة.
قال أبو القاسم عمر بن العديم في "تاريخ حلب": قدم الكردري حلب، فولّاه
الملك العادل نور الدين محمود القضاء، وولي التدريس بالمدرسة التي وقفها حسام الدين لاجين، بحلب، وسمعت شيخنا أبا هاشم عبد المطلب يصفه بالدين، ويثني عليه بالعلم والفقه، ويفضّله على العلاء بن الغزنوي، وعلى الكاساني، وكان يتورع أن يجلس للحكم على حصر المدرسة، ويأمر برفعها إذا جلس للقضاء، ويقول: هذه الحصر للدرس، فلا يجوز استعمالها لغيره.
وكان له برسم القضاء حصير صغير يجلس عليها للحكم.
قال أبو هاشم: لما ولّى الملك العادل نور الدين أبا الفضل الشهرزوري قضاء القضاة بالبلاد الشامية، واستناب ابنه أبا حامد، قال السلطان نور الدين: نريد حاكما يحكم على مذهب أبي حنيفة بحلب. فذكر له الكردري، فسيّر إليه وعرض عليه القضاء فامتنع!. وقال: بنو الشهرزوري لا أقدر على النيابة عنهم.
فسير إليه نور الدين، وقال له: أنت نائب نور الدين لا غير. وليس للقاضي عليك أمر ولا ولاية، فأجاب وتولّى القضاء. فجعل أبو حامد ابن القاضي يقول:
امضوا إلى النائب، و: قولوا للنائب.
فغضب القاضي الكردري من ذلك، وتبين الغيظ في وجهه.
فقيل له: لست إلا نائب نور الدين!!.
فجعل بعد ذلك يمضي القضايا على ما يختار استقلالا. فكان عنده غلام جعله لمجلس الحكم يدعى سويدا، يحضر الخصوم إلى مجلس الحكم، فحضر بعض التجار وادّعى أن له على نور الدين دعوى.
فقال الكردري لسويد: امض في طلب نور الدين، فقيل لنور الدين: إن تاج الدين الكردري قد أرسل سويدا يطلب المولى إلى مجلس الحكم!. وذكر أنه حضر تاجر، وذكر أنه له دعوى شرعية على المولى، فقال نور الدين: يحضر الفرس حتى نركب إليه. السمع والطاعة. قال الله تعالى: ﴿إِذا دُعُوا إِلَى اَللّهِ﴾
﴿وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا﴾.
ثم نهض وركب حتى دخل باب المدينة، فاستدعى سويدا، وقال له: امض إلى القاضي تاج الدين، وسلّم عليه، وقل له: إنني جئت إلى هنا امتثالا لأمر الشرع، وهذا وكيلي يسمع الدعوى. وإن توجّهت عليّ يمين، أحضر إن شاء الله تعالى.
قال: فحضر الوكيل الدعوى، وسمع الدعوى. وتوجّهت اليمين، فقال الكردري: توجّهت اليمين، فليحضر. فلما بلغ نور الدين ذلك استدعى التاجر وأصلح الأمر فيما بينه وبينه وأرضاه ". توفي بحلب في رجب سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة.
ومنهم:
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع