من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
أبو يوسف يعقوب بن السكيت
رجل قصده معروف، ورفده في سبيل الخير مصروف حاط العلم فلم يخرج عن دائرته، ولم يلج جحر غيره لمعايرته، علق بالخليفة، ووضحت إليه سبله، وسفحت سحابه ووبله، فاستوثق بسبب هاشمي لا ينقطع، وشدّ منه بوتد لا ينقلع فمدّ عليه الظل كهفه، وامتدّت إليه بالفضل كفّه، وكان ممن يسرف بالحضور لديه ويوالي السرور بالإقبال عليه، وكان خليقا يقرب إمامه وورث صنيعه واهتمامه، لم يوله الدهر إلا ما استحق، ولا قضى له إلاّ بحق.
ذكره الحافظ ابن عساكر فقال: حكى عن أبي عمرو وإسحاق بن مراد ومحمد بن مهنى وابن السماك الواعظ، وحكى عنه أحمد بن الفرج المقري، ومحمد بن عجلان، وأبو عكرمة الضبّي وأبو سعيد السكري، وميمون بن هارون الكاتب، وكان يؤدب أولاد المتوكل. وروي عن ابن السماك أنه قال: من عرف الناس داراهم، ومن جهلهم ماراهم ورأس المداراة ترك المماراة. وروى أيضا عن الأصمعي، وأبي عبيدة والفراء وغيرهم، وهو مؤلف كتاب إصلاح المنطق، وغيره، ولم يكن له نفاذ في علم النحو، وكان يميل إلى مذهب من
يرى تقديم علي بن أبي طالب ﵁.
قال أحمد بن عبيد: وشاورني ابن السكيت في منادمة المتوكل فنهيته فحمل قولي على الحسد. ونادمه، فبينا هو مع المتوكل إذ أقبل ابناه المعتز والمؤيد، فقال المتوكل: يا ابن السكيت، أيّما أحبّ إليك ابناي هذان أم الحسن والحسين؟ فغضب ابن السكيت من ابنيه، وذكر الحسن والحسين بما هما أهله، فأمر الأتراك فداسوا بطنه، فحمل إلى داره فمات. وقيل إنه قال: والله إنّ قنبر خادم عليّ ﵁ خير منك ومن ابنيك. فقال: سلّوا لسانه من قفاه، ففعلوا ذلك، فمات، وذلك لخمس خلون من شهر رجب سنة أربع وأربعين ومئتين، وقيل سنة ست وأربعين. وبلغ عمره اثنتين وخمسين سنة.
وقال المبرد: ما رأيت للبغداديين كتابا أحسن من كتاب ابن السكيت في المنطق.
وقال: أجمع أصحابنا أنه لم يكن بعد ابن الأعرابي أعلم باللغة من ابن السكيت. قال ابن أبي شدّاد: شكوت إلى ابن السكيت ضائقة، فقال: هل قلت شيئا؟ قلت: لا. قال: فأقول أنا، ثم أنشدني:
نفسي تروم أمورا لست مدركهاما دمت آخذ ما يأتي به القدر
ليس ارتحالك في كسب الغنى سفرالكن مقامك في ضرّ هو السفر
وقال: كتب رجل إلى صديق له قد عرضت لي قبلك حاجة، فإن نجحت فألفاني فيها حظي والباقي حظك. وإن تعذرت فالخير مظنون بك والعذر مقدم لك والسلام.
ولمّا جاءه المعتز ليؤدبه، فقال له: بأي شيء تبدأ؟ أتريد من العلم؟، فقال المعتز بالانصراف. قال له ابن السكّيت، فأقوم، فقال له المعتز: فأنا أخفّ نهوضا منك، فقام، فاستعجل، فعثر بسراويله فسقط، والتفت إلى ابن السكّيت خجلا، وقد احمرّ وجهه،
فأنشد ابن السكيت:
يصاب الفتى من عثرة بلسانهوليس يصاب المرء من عثرة الرّجل
فعثرته في القول تذهب رأسهوعثرته بالرّجل تبرى على مهل
فلما كان من الغد دخل ابن السكيت على المتوكل، فأخبره بما جرى، فأمر له بخمسين ألف درهم، وقال له، قد بلغني البيتان. وقال ابن خلكان: وكان لا بن السكّيت شعر، وهو ممّا تثق النفس به، فمن ذلك قوله:
إذا اشتملت على اليأس القلوبوضاق لما به الصّدر الرّحيب
وأوطنت المكاره واستقرّتوأرست في أماكنها الخطوب
ولم تر لا نكشاف الضرّ وجهاولا أغنى بحيلته الأريب
أتاك على قنوط منك غوثتمنّ به اللطيف المستجيب
وكلّ الحادثات إذا تناهتفموصول بها فرج قريب
ومنهم:
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع