تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

عمرو بن عثمان بن قنبر أبو بشر سيبويه

أبو الحسين. جمع الأزمّة، وشرع في الأمور المهمة. عرف العلم بتفصيله، وأجمع عليه المنجد والمتهم والمعرق والمشئم، وتساوى في وصفه العجمي والعربي والمشرقي والمغربي.

تكلّم بألسنة كل القبائل وحوى حسنه كل قائل، وتدفقت شعوبه بالمسائل، وذهبت أيامه كلّها مذهب الأصائل. فمذهبه هو اليوم الجاد، والمهيع والطريق المتبع، وعليه المنهج المسلوك، ولديه ما يؤخذ وما سواه متروك. وكان شيخنا أبو حيان يقول: لا يقاس في هذا العلم رجل بسيبويه. ولمّا قدم شيخ الإسلام من مصر في بعض قدماته لازمه أبو حيان ومدحه وأطنب في شكره، وذكر فضله ولم يزل على هذا حتى ذكر يوما سيبويه بنقص، فهجر ابن تيميه وقاطعه وأخذ في ذكر عيوبه وتعديدها وكان يقول: لو كان ابن تيمية عاقلا لما ذمّ سيبويه. وما برح هذا قوله فيه إلى آخر ما فارقه في شوال، سنة ثلاث وأربعين وسبعمئة.

قال ابن خلكان: كان أعلم المتقدمين والمتأخرين بالنحو، ولم يوضع فيه مثل كتابه.

وذكره الجاحظ يوما فقال: لم يكتب الناس في النحو كتابا مثله، وجميع كتب الناس عليه عيال.

وقال الجاحظ: أردت الخروج إلى محمد بن عبد الملك الزيات وزير المعتصم، ففكرت في شيء أهديه له، فلم أجد شيئا أشرف من كتاب سيبويه، فلما وصلت إليه قلت، لم أجد شيئا أهديه لك مثل هذا الكتاب، وقد اشتريته من ميراث الفرّاء، فقال: والله ما أهديت لي شيئا أحبّ إليّ منه. ورأيت في بعض التواريخ أن الجاحظ لما وصل إلى ابن الزيات بكتاب سيبويه أعلمه به قبل إحضاره، فقال له ابن الزيات: أو ظننت أن خزانتنا خالية من هذا الكتاب، فقال الجاحظ: ما ظننت ذلك ولكنها بخط الفرّاء وقائله الكسائي وتهذيب عمرو ابن بحر الجاحظ

فقال ابن الزيات: هذه أجلّ نسخة توجد، وأعزّها فأحضرها إليه، ووقعت منه أجلّ موقع.

وأخذ سيبويه النحو عن الخليل بن أحمد وعيسى بن عمر ويونس بن حبيب وغيرهم، وأخذ اللغة عن أبي الخطاب المعروف بالأخفش الأكبر وغيره وقال ابن النطاح: كنت عند الخليل بن أحمد، فأقبل سيبويه، فقال الخليل: مرحبا بزائر لا يملّ.

وجرى للكسائي مع سيبويه البحث المشهور في قولك، كنت أظنّ لسعة العقرب أشدّ من لسعة الزنبور فإذا هو هي، فقال الكساني، فإذا هو إيّاها، وانتصر الخليفة للكسائي فحمل سيبويه من ذلك هّما فترك العراق ودخل إلى شيراز، وتوفي بقرية من قرى شيراز يقال لها البيضاء في سنة ثمانين ومئة.

وقال ابن قانع: توفي بالبصرة في سنة إحدى وستين ومئة، وقيل سنة ثمان وثمانين. وقال الحافظ أبو الفرج ابن الجوزي توفي سنة أربع وتسعين ومئة، وعمره اثنان وثلاثون، وإنه توفي بمدينة ساوة.

وذكر الخطيب في تاريخ بغداد عن ابن دريد أنه قال، مات سيبويه بشيراز وقبره بها، وقيل إن ولادته كانت بالبيضاء المذكورة، لا وفاته.

قال أبو سعيد الطّوال: رأيت على قبر سيبويه هذه الأبيات وهي لسليمان بن يزيد العدوي.

ذهب الأحبّة بعد طول تزاورونأى المزار فأسلموك وأقشعوا
تركوك أوحش ما تكون بقفرةلم يؤنسوك وكربة لم يدفعوا
قضي القضاء وصرت صاحب حضرةعنك الأحبّة أعرضوا وتصدّعوا

وقال معاوية بن بكر العليمي، وقد ذكر عنده سيبويه، رأيته وكان حدث السنّ وكنت أسمع في ذلك العصر أنه أثبت من حمل عن الخليل بن أحمد، وقد سمعته يتكلم وكنت أسمع في ذلك العصر. وقال أبو زيد الأنصاري، وكان سيبويه غلاما يأتي مجلسي وله ذؤابتان، فإذا سمعته يقول، حدثني من أثق بعربيته فإنما يعنيني. وكان سيبويه كثيرا ما ينشد هذا البيت:

إذا بلّ من داء به ظنّ أنهنجاوبه الداء الّذي هو قاتله

وسيبويه لقبه وهو لفظ فارسي، معناه بالعربية رائحة التفاح. وقيل إنما لقّب به لأنه كان جميل الصورة، وجنتاه كأنهما تفاحتان.

ومنهم:

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.