تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

الخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم الفراهيدي

الأزدي، أبو عبد الرحمن، هو من أغصان الأدب ووريقها، ورشف ألسنة العرب وريقها. وهو إمام القوم ولسان القول. رأس أهل التعليم، والخليل وحاسده الكليم، ومؤسس القواعد، وإن لم يكن الخليل إبراهيم ومستنبط العلم الذي ما سبق إليه، ولا وقع خاطر امرئ قبله. افترع منه العذراء واخترع منه ما ضبط به الشعراء. أتى منه بعلم جليل وأحسن إحسانا، أصبح فيه الناس ضيوف الخليل. استخرجه من صوت جرّة تقرعها جارية تتغنى عليها، وصنّفه بمكة وشرع فيه وهو طائف بالكعبة. وقد حكى صاحب بغية الألبّاء في ذلك عن عبد اللّه ابن المعتز أن الخليل مرّ في سكة الصفارين بالبصرة، فسمع دقّ الكوادين بأصوات مختلفة فوقف يسمع اختلافه، قال: واللّه لأضعنّ على هذا المعنى علما غامضا، فوضع العروض. وحدّث النضر بن شميل، قال: كان أصحاب الشعر يمرّون بالخليل

فيتكلمون في النحو، فقال الخليل: لا بدّ لهم من أصل، فوضع العروض، وخلا في بيت ووضع بين يديه طستا، وما أشبهه، وجعل يقرعه بعود، يقول: مستفعلن فاعلن فعولن، فسمعه أخوه، فخرج إلى المسجد، فقال إن أخي قد أصابه جنون، وأدخلهم وهو يضرب الطست، فقالوا: يا أبا عبد الرحمن مالك، أصابك شيء، أتحب أن نعالجك؟ فقال: وما ذاك؟ قالوا: أخوك يزعم أنك قد خولطت، فأنشأ يقول:

لو كنت تعلم ما أقول عذرتنيأو كنت تعلم ما تقول عذلتكا
للشاعر الخليل بن أحمد الفراهيدي، اقرأ القصيدة
لكن جهلت مقالتي فعذلتنيوعلمت أنّك جاهل فعذرتكا
للشاعر الخليل بن أحمد الفراهيدي، اقرأ القصيدة

ويروى أن ابنه فعل ذلك.

قال ابن خلكان: كان إماما في علم النحو، وهو الذي استنبط علم العروض، وحصر أقسامه في خمس دوائر، يستخرج منها خمسة عشر بحرا، وزاد فيه سعيد بن مسعدة الأخفش الأوسط بحرا سمّاه الخبب، وهو المتدارك. وقيل إن الخليل دعا بمكة أن يرزق علما لم يسبقه إليه أحد ولا يؤخذ إلا عنه. فلما رجع من حجّه فتح عليه بعلم العروض وكانت له معرفة بالإيقاع والنغم.

وقال حمزة بن الحسين الأصفهاني في حقه: وبعد فإن دولة الإسلام لم تخرج أبدع للعلوم الذي لم يكن لها عند علماء العرب أصول من الخليل، وليس على ذلك برهان أوضح من علم العروض، الذي لا عن حكيم أخذه، ولا عن مثال تقدمه احتذاه إنما اخترعه من ممرّ له بالصفارين من وقع مطرقة على طست، ثم قال: فلو كانت أيامه قديمة ورسومه بعيدة لنسك فيه بعض الأمم لتصنيفه مالم يصنفه أحد منذ خلق الله الدنيا. قال ابن خلكان:

وكان الخليل رجلا صالحا عاقلا حليما وقورا ومن كلامه: لا يعلم الإنسان خطأ معلّمه حتى يجالس غيره.

وقال تلميذه النضر بن شميل: أقام الخليل في خصّ من أخصاص البصرة، لا يقدر على فلسين وأصحابه يكسبون بعلمه الأموال. ولقد سمعته يوما يقول: إني لأغلق بابي فما يجاوزه همي. وكان له راتب على سليمان بن حبيب بن المهلب بن أبي صفرة، وكان والي فارس والأهواز، فكتب إليه يستدعيه، فكتب الخليل إليه:

أبلغ سليمان أنّي عنه في سعةوفي غنى غير أني لست ذامال
للشاعر الخليل بن أحمد الفراهيدي، اقرأ القصيدة
سخّى بنفسي أنّي لا أرى أحدايموت هزلا ولا يبقى على حال
للشاعر الخليل بن أحمد الفراهيدي، اقرأ القصيدة
والرّزق في قدر لا الضّعف ينقصهولا يزيدك فيه حول محتال
والفقر في النّفس لا في المال نعرفهومثل ذاك الغنى في النّفس والمال
للشاعر الخليل بن أحمد الفراهيدي، اقرأ القصيدة

فقطع سليمان عنه الراتب فقال الخليل:

إن الذي شقّ فمي ضامنللرزق حتّى يتوفّاني
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «إن الذي شق فمي ضامن»
حرمتني مالا قليلا فمازادك في مالك حرماني

فبلغت سليمان فأقامته وأقعدته، وكتب إلى الخليل معتذرا إليه، فقال:

وزلّة يكثر الشّيطان إن ذكرتمنها التعجّب جاءت من سليمانا
لا تعجبنّ لخير زلّ عن يدهفالكوكب النّحس يسقي الأرض أحيانا
للشاعر الخليل بن أحمد الفراهيدي، اقرأ القصيدة

وأنشد ولم يذكر لنفسه أو لغيره:

يقولون لي: دار الأحبّة قد دنتوأنت كئيب إنّ ذا لعجيب
للشاعر الخليل بن أحمد الفراهيدي، اقرأ القصيدة
فقلت: وما تغني الديار وقربهاإذا لم يكن بين القلوب قريب
للشاعر الخليل بن أحمد الفراهيدي، اقرأ القصيدة

وتوفي بالبصرة سنة ستين ومئة، وقال ابن الجوزي سنة ثلاثين ومئة، وهو غلط ولكن نقله الواقدي. وكان سبب موته أنه قال: أريد أن أقرّب نوعا من الحساب تمضي به الجارية إلى

إلى البياع ولا يمكنه ظلمها. ودخل المسجد وهو يعمل فكره في ذلك فصدمته سارية وهو غافل عنها بفكره فانقلب على ظهره فكانت سبب موته. والفراهيد بطن من الأزد كذلك يحمد.

ومنهم:

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.