تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

أبو عبد الله محمد بن الصايغ القرشي

الأموي، أغزر من أغرف أدبا، وألّف في تحصيله دأبا، وأنقد من رأيت لمعنى، وأوقد من رضيت ذهنا. هو في اللغة إمام مبرّز بجميع كلام العرب، محرز مع نحو ما ترك منه شعبا، ولا خلّى من العربية ذلولا ولا صعبا. ملك نوافر الكلم حتى اقتاد جوامحها، وارتاد مسارحها، وسدّ في العروض خلل الخليل، وبرز على التبريزي في مصنّفه الخليل، وطرق قدامة بن الحاجب حاجبا، وانقطع ابن القطّاع وما أدّى واجبا، وركب بحوره ولم يخش الغرق، وأتى بقوافيه وما أزعجها في أماكنها القلق. وله في الصناعتين ما فاق الدرر، مفرطة وسلكا، ولم يخط خطوة منهما مخلوجة. وسلكيّ أدب ولذي وثب. فرائده لديّ طالما اجتنيت منه ثمرا واجتلبت منه بالمذاكرة سمرا. وهو ممن يأوي بالمرتبة إلى بيت عريق، وأصل مرواني أينع له غصن وريق، ذكر أنه من ولد هشام بن عبد الملك، وأنه من النسب الأموي في السنام لا في الورك، نسبة تداولتها ولاة بيته، ورواة بلده عن حيّه وميته. وها هو الآن بالقاهرة أحد أعلامها المطبب لسقام آلامها والمطنب في محاسن كلامها.

وما النيل من خلائقه الحسنى بأعذب، ولا المغناطيس من إبداعه بأجذب. ومن نثره قوله:

وقف الحجاح ووقفنا دون ما عهد إلينا

وسعوا وسعينا فما تعود لائمته علينا

قوله:

نفروا وانقلبنا بالوزر عن الارتكاض

وأفاضوا وأفضنا بقداح القدح في الأعراض

قوله:

ران الهوى على القلب ففسد

وسرى الحسد فينا سريا في الجسد

قوله:

وحضرت مجالس الذكر وكان ليس بالمحاضر

قست القلوب فما تتأثر لزجر زاجر

قوله:

حاضر استيقظوا فقد لاح نور الصباح

وأجيبوا فقد حيعل داعي الفلاح

وأصلحوا أحوالكم فقد فاز بالجنّة أهل الفلاح

قوله:

واضرعوا إلى الله فيما ينجّيكم

وتوسّلوا إليه يطعمكم فيما لديه ويرجّيكم

ومن شعره قوله:

برق الثنيّة أم ثناياك التيخطف الفؤاد ببرقها الخطّاف
مراك بستاني وذكرك مطربيوهواك سكري لا كؤوس سلاف
سلسال ورد لو يباح لظامئورياض ورد لو دنت لطّاف
غارت فغارت منه أقمار الدّجىلمّا انجلى في فرع ليل صافي
تقسو عليّ وما بها لو أنّهارقّت لرقّة قلبي التّرجاف
سائل رياض الحسن من وجناتهاما أنبت الأغصان في الأحقاف

وقوله:

بعد المزار ولوعة المشتاقحكما بفيض مدامع الآماق
أمعلّلي إنّ التواصل في غدمن ذا الذي لغد فديتك باق
للشاعر ابن الصائغ الأندلسي، اقرأ القصيدة
عج بالمطيّ على الحمى تسقي الحمىصوبا كصيّب دمعي الرّقراق
منه لدى القلب السليم ودادهقلب سليم ماله من راق
قلب عداه فراقكم فارقتهلا كان في الأيّام يوم فراق

وهذا آخر ما ذكرناه من أهل اللغة بالجانب الغربي.

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.