من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
أبو نزار الحسن بن أبي الحسن ملك النحاة
النحوي. وشيخ الأوشاخ وصبيّ العقل وقد شاخ. طلع من القدر، وطبع من المقدر.
وأيّ منه نوع وحي حيوان. عجيب لا يدخل عقله في حدّ، ولا يحصى جهله بعد. لو عجب أحد عليه، ونادى هلمّوا إليه لأتي الناس إليه إتيان الحجيج، ولم يسمع ما حوله من الضجيج، ورأوا عجبا ما رأوا مثله، ولا جاء نظير مثله. وكان له قطّ، له معه أسمار، وأحاديث يتحاكاها السمّار. وسيأتي من خبره وخبر قطّه العجب العجاب ويعرف به غدر القطاط إذا هرّت على الكلاب، إلى غير هذا من قلّة عقله وكثرة جهله، وسوء حركاته وفعله. وما لا ينكر من حاله ولا يتعجب من محاله. فشكرا لقبر أزاح معاينه، وأراح معاتبه. فلقد جبر القبر ذلك القبر المنهاض، وغطّى التراب ذلك الذي ما رمي في المرحاض؛ لكن التراب لم يوار سوءته، ولا أذهب هفوته. فعجبا لدود أكله كيف ما قاه! ولقبر حلّ فيه كيف ما كره بقاه! فجوزيت تلك العظام النخرة، وتلك النفس المفارقة لتلك الجيفة القذرة.
وقال فيه العماد الكاتب: أحد الفضلاء المبرزين؛ بل واحدهم فضلا، وماجدهم نبلا،
وكبيرهم قدرا، ورحيبهم صدرا. قد غلبت عليه سمة ملك النحاة، وشهدت بفضله ألسن خلاّنه، والعداة. سمح البديهة في المقاصد النبيهة. كثير الأبيّة عن المطامع الدنيّة بالمطالب النزيهة، والمراتب الوجيهة. ولقد كانت تحاببه تحبيبة للنحاة بضاعة وافية، وبراعة براعته للكفاة كافية. يأخذ القلم فيمشق الطرس في عرضه نظما يعجز، ونثرا يعجب ونكتا ترقص ونتفا تطرب. طرق بلاد العجم، ولقي كرما [في] كرمان، ووصل إلى أصبهان. وكان مطبوعا مناسب الأحوال والأعمال. تحكم على أهل التمييز بحكم ملكه، فيقبل ولا يستثقل.
يقول: هل سيبويه إلا من رعيتي وحاشيتي، ولو عاش ابن جني لم يسعه إلا حمل غاشيتي، مرّ الشيمة، حلو الشتيمة. يضمّ يده من الذهب على المئة والمئتين، ويمشي منها وهو صفر اليدين. مولع باستعمال الحلاوات السكريه. وإهدائها لجيرانه وإخوانه، مغرى بإحسانه إلى خلصائه وخلاّنه. وقد ناهز الثمانين، ولقي العرانين. وجرّب الغثّ والسمين، وقد وصلت إليه خلعة مصرية وجائزة سنيّة، فأخرج القميص الدّبيقي إلى السوق فبلغ دون عشرة دنانير.
فقال: قولوا هذا قميص ملك كبير، أهداه لملك كبير؛ ليعلم الناس قدره فخلّوا عليه البدر على البدار، وليحلوا قدره في الأقدار، ثم قال: أنا أحقّ به إذا جهلوا حقّه، وتنكّبوا سبل الواجب وطرقه.
قال العماد الكاتب: كتب إلي لمّا أخذت المدرسة بدمشق: أنا أهنئ تلك المدرسة
بخصائص فلان، فإنها زالت عنها ظلمة الجهل إلى نور الفضل، وأنا بمشيئته وحسن توفيقه على عزم المسير إلى زيارته يوم الثلاثاء.
فارتقب أيّها العماد حضوريوانتظر أن أزور يوم الثّلاثا
وارض بالعالم الوليّ ودعحبل المعالي يا ذا العلا أنكاثا
والجانب الغربي، معتد لي بهذه، إلى أن أحضر؛ لأخدم فضله.
قال: وكتب إليّ أبياتا ومعها رقعة إلى نور الدين فيها:
قولوا لنور الدّين يا مالكاإنعامه قام إلى النّاس
لا تنسني يا ذا العلا والنّهىحاشاك أن توسم بالياس
أو حشني الدّهر وأنباؤهفاختر لك الخير بإيناسي
والرقعة أولها شكرت اهتمام فلان وسعيه، واعتذرت إليه من التصديع، ولكن نيّته وفضله يحثانه على احترام الفضل؛ فليس لغيره، وقد أثّرت فيّ الشيخوخة والكبر، ولولا ذلك لقصدت خدمته، وقد قال الأول: وما بقي في المستمتع إلا لساني وكفاني لسان.
والأبيات:
قل لعماد الدّين يا كاتبايفزع من أقلامه (الصابي
وشاعرا الفاظه عذبةإن كان لفظ الغير كالصّاب
ويا فقيها راميا خصمهفي الحفل إن جاثى بأوصاب
قد كنت قبل اليوم أشعرتنيبأن نور الدين أوصى بي
فأوصل المكتوب لي واستعضمن فرط إجداب وإخصاب
وكتب إليّ:
قل لعماد الدّين وهو الّذييمتّ بالفقه وبالشّعر
وإنّه يخجل إنشاؤهالصابئي ذا المجد والفخر
لا تنس حقّ العالم الأوجد الناجح بالنظم وبالنّثر
فإنني مثن على فضلك الباهر في سرّ وفي جهر
ألا فاسعد وابق ما رجّعتصادحة في وضح الفجر
وكتب إليّ وقد طلب منّي السكّر فأبطأ عليه:
قل لعماد الدين عنّي إذارأيته في بهرة الحفل
ضننت بالسكّر يا من لهسنّة فرض الفعل والنفل
فاستدرك الفارط واسلم إذاما صدحت ورقاء في أثل
قال: ومكتوباته إليّ كثيرة؛ وإنّما أوردت هذه اللّمعة ليستدلّ بها على مذاهبه، ومآربه ورغائبه وغرائبه. وقد ذكره ابن المستوفي، وفيما قال: إنه ولد ببغداد سنة تسع وثمانين وأربعمائة، وقرأ العلوم، وسمع من الشريف أبي طالب الزيتي، وقرأ علم المذهب على الشيخ أحمد الأسنهي، وقرأ علم أصول الدين على أبي عبد الله المغربي القيرواني، وقرأ أصول الفقه على ابن برهان، وقرأ علم الخلاف على أسعد المهيني. وقرأ النحو على الفصيح الاسترابادي وقرأ الفصحى على عبد القاهر الجرجاني وفتح له الجامع، ودرّس فيه، ثم سافر إلى بلاد خراسان وكرمان وغزنة، ثم دخل إلى الشام، ثم قدم دمشق وخرج منها ثم عاد إليها واستوطنها إلى أن مات بها. وذكر مصنفاته في النحو والعروض والفقه على مذهب الشافعي والأصول. وذكر أن له ديوان شعر، ومنه في المديح الشريف النبوي، زاده الله شرفا، قوله:
للّه أخلاق مطبوع على كرمومن به تشرف العلياء والكرم
أغرّ أملح يسمو عن مساجلةإذا تذوكرت الأخلاق والشّيم
سمت علاك رسول الله فارتفعتعن أن يشير إلى آياتها قلم
يامن رأى الملأ الأعلى فراعهمبالعزّ وهو على الكونين يحتكم
يا من له دانت الدّنيا وزخرفت (مالأخرى ومن بعلاه يفخر النّسم
يا من به عاد وجه الأرض متّضحامن بعد أن ظوهرت بالباطل الظلم
ومن تواضع جبريل الأمين لهودون حقّ نهاه هذه القسم
علوت عن كلّ مدح يستعاض فماالجلال الذي تنحوه والعظم
على علاك سلام اللّه متّصلاما شئت والصّلوات العزّ تبتسم
ومنه قوله:
أراجع لي عيشي الفارطأم هو عنّي نازح شاحط
ألا وهل يسعفني أو بهيسمو بها نجم المنى الهابط
أرفل في فرط ارتياح وهليطرق سمعي هذه واسط
يا زمني عدلي فقد رعتنيحتّى عراني شيبي الواخط
لم أقطع البيداء في ليلةيقنص ظلّي خوفها الباسط
أأرقب الراحة أم لا، وهليعدل يوما دهري القاسط
أيا ذوي ودّي أما اشتقتمإلى إمام حاله رابط
وهل عهودي عند كفم غضّةأم أنا في ظنّي إذن عابط
ليهنكم ما عشتم واسطإني لكم يا سادتي غابط
وحكى فتيان الشاغوري ما معناه: أن ملك النحاة كان له سنّور يألفه ويقوم به. فدأبه يطعمه ويعلفه، ويغلق عليه الأبواب خوف نفاره، ويمسح عليه بيده. لا يخاف حدّ نابه
وأظفاره. فبينما هو يوما يمر عليه بيده، ويريد أنسه وتودّده، وإذا به قد عضّه عضة زلزلت قوى الشيخ الفاضل وأنسته جميع الفضائل. فربطها بمنديل عظيم وتصدّى للعواد، وأضحك عليه حتى لم يبق مع أحد فؤاد. فقال فيه قيان:
عتبت على قطّ ملك النّحاةوقلت أتيت بغير الصّواب
عضضت يدا خلقت للنّدىوبثّ العلوم وضرب الرّقاب
فأعرض عني وقال اتّئدأليس القطاط أعادي الكلاب
فلما بلغته الأبيات غضب حتى دارت أمّ راسه، وسلّت من قحفه خيوط العلم بأمراسه؛ إلا أنه لم يدر من رماه بداهيتها الدهيا وتركه لا يبصر في ليلته العميا. فانقطعت عنه حياء أن يقع على ظنّه العروف ويعلم فيها ما بشم من نفسه المعروف. وكتبت إليه شعرا أعتذر فيه وتبيينه على أنه قد يقدر في قول سفيه فكتبت إليه:
يا خليليّ نلتما النّعماءوتنّسمتما العلا والعلاء
ألمما بالشّغور بالمسجد المعمورواستمطرا به الأنواء
وامنحا صاحبي الذي فيه منّيكلّ يوم تحية وثناء
ثمّ قولا له اعتبر بالذي فهت به مادحا فكان سماء
وقبلنا فيه اعتذارك عمّاقاله الجاهلون عنك افتراء
وكان هذا الفاضل بحمقه وخروجه عن طرقه مضغة لكل ماضغ، وشغلا لكل فارغ.
يجرّب فيه كلّ أحد سيفه الكهام، ويجر إليه جيش حربه اللهّام.
وفيه يقول ابن منير:
يا نحاة الزموا الشككثم حلّوا عن التكك
واكشفوا عن فقاحكمقد أتت لحية الملك
لحية سرم سيبويهعليها قد انتهك
وحكي أن ملك النحاة كان يكثر ذكر مصر، ويؤمل حلولها، ويودّ أن يطلّ دمه ويروي طلولها. وكان بها رجل اسمه زيد صديقا لعرقلة الدمشقي فولي بها الحسبة واستغرر في متاجرها كسبه، وأتت الأخبار بروايته وحصوله على أكثر من كفايته. فداخل ملك النحاة له الحسد. وقال: لو أتيت مصر لكسد.
فقال عرقلة:
قد جنّ شيخي أبو نزاريذكر مصر وأين مصر
والله لو حلّها لقالوافقاه يا زيد فهو عمرو
ووقف يوما عرقلة على حلقته وقد كبّر العمامة، وطوّل أكمامه ونفش سباله وفتل من شواربه الطوال حباله. وأخذ في ذكر علم النحو، وقد شمخ يماريه الاحتيال به والزهو.
فطلب عرقلة رجلا من الحلقة، فلما أتي جذبه على أنه يسرّ إليه في مقال، ثم رفع صوته وقال:
قل لابن صافي الحملسارق علم الجمل
صدعت بالنّحو الورىارحم عيال الدؤلي
توفي يوم الثلاثاء، تاسع شوّال سنة ثمان وستين وخمسمئة.
ومنهم:
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع