من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
الشريف الشجري
أبو السعادات هبة الله بن علي بن محمد بن حمزة الحسني. مطبل غرر وسمات، ومزيل حسنات من سيئات. كان يتيما يرتع في ميدانه، ويربع على أخدانه، إذا به قد قطب، وتنكر، ورأى منه ما ينكر؛ ولكل امرئ نفسان، والخير والشر في اللسان، إلاّ أنه كان علما، وكان وجود الناس سواه عدما؛ لفواضل كأنما جعلت رزقا للنسيم أو حقّا له منه أوفر القسيم.
قال ابن خلكان: كان إماما في النحو واللغة، وأشعار العرب وأيامها وأحوالها، كامل الفضائل، متضلعا من الآداب. صنّف فيها عدّة تصانيف أكثرها وأجلّها كتاب (الأمالي)، وهو من الكتب الممتعة.
ولمّا فرغ من إملائه، حضر إليه ابن الخشاب، والتمس منه عليه فلم يجبه إلى ذلك، فعاداه وردّ عليه في مواضع منه، ونسبه فيها إلى الخطأ. فوقف عليها الشريف، فردّ عليه ردة، بيّن وجوه غلطه في كتاب جمعه، وسمّاه (الانتصار). وهو على صغر حجمه مفيد جدا.
وكان حسن الكلام، حلو الألفاظ فصيحا، جيّد اللسان والتفهيم. وقرأ الحديث بنفسه على جماعة من المتأخرين، مثل أبي الحسن المبارك بن عبد الجبار الصرفي وابن شهاب الكاتب، وغيرهما.
وذكره السمعاني في الذيل، وكان الشريف أبو السعادات ينوب عن والده الظاهر في النقابة بالكرخ، وله شعر حسن، ومنه قوله:
هذي السّديرة والغدير الطافحفاحفظ فؤادك إنني لك ناصح
يا سدرة الوادي الذي إن ظلّه السّاري هداه نشره المتفاوح
هل عائد قبل الممات لمغرمعيش تقضّى في ظلالك صالح
ما أنصف الرّشأ الضّنين بنظرةلّماّ دعا مصغي الصّبابة طامح
شطّ المزاربه وبوّأ منزلابصميم قلبك فهو دان نازح
غصن يعطّفه النّسيم وفوقهقمر يحفّ به ظلام جانح
وإذا العيون تساهمته لحاظهالم يرو منه النّاظر المتراوح
ولقد مررنا بالعقيق فشاقنافيه مراتع للمها ومسارح
ظلنا به نبكي فكم من مضمروجدا أذاع هواه دمع سافح
مرت الشؤون رسومها فكأنماتلك العراص المفقدات نواضح
يا صاحبيّ تأمّلا حيّيتماوسقى دياركما الملثّ الرايح
أدمىّ بدت لعيوننا أم ربربأم خرّد أكفالهن رواجح
أم هذه مقل الصوار رنت لناخلل البراقع أم قنا وصفائح
لم تبق جارحة وقد واجهتناإلا وهنّ بصيدهنّ جوارح
كيف ارتجاع القلب من أسر الهوىومن الشّقاوة أن يراض القادح
لو بلّه من ماء ضارج شربةما أثّرت للوجد فيه لواقح
ولد في رمضان سنة خمس وأربعمائة، وتوفي يوم الخميس، السادس والعشرين من
رمضان، سنة اثنتين وأربعين وخمسمئة. وعندي ما ذكره ابن خلكان في مدة عمره نظر؛ فإنه قلّ أن يبلغ أحد هذا المدى من العمر في زماننا الأخير، الواقع في خطّه العمر القصير.
ومنهم:
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع