من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
ابن الفارض: أبو القاسم عمر بن أبي الحسن علي بن المرشد بن علي
الحموي المولد والدار والوفاة، المعروف بابن الفارض، شرف الدين.
مظهر جمال، ومظهر تمام وكمال، إلى علو مقام، وعلو شريعة تقام، وكلام في حقيقة، وكمام في حديقة، من بدائع تغازل بألحاظ المها، وتسمع من ألفاظ الغيد ألذ ما يشتهى. إلى قوة تركيب، ومناسبة ترتيب، ودقة معاني، وتوثقة مباني، وتوشيع أردية، وتوسيع أفنية، يجبر بيوت وأندية إلى دقائق عرفان، وحقائق لا يشتمل عليها من السحر أجفان، ومحاسن الخلائق فيه صفان، والناس فيها صنفان، هذا إلى زهد وقناعة، وجهد أسبل عليه لباسه وقناعه، وفرط إيثار وبرّ من إقلال، لا من إكثار، وشرف نفس أغناه عن تحمّل منّه، وتحمل ذي ضعف ومنه، يتزيا من غرور يزدهي، بثيابه المعاره ويلتهي، بباطله ويحمل عاره، فمات ولو زخر لديه البحر لما شرب منه خوفا من وباله، أو زخ عليه القطر لما علق بحباله.
وكان رجلا صالحا، كثير الخير، على قدم التجريد، جاور بمكة - شرّفها الله تعالى - زمانا، وكان حسن الصحبة، محمود العشرة.
قال ابن خلّكان: أخبرني بعض أصحابه: أنه ترنم يوما وهو في خلوة ببيت الحريري - صاحب "المقامات" - وهو:
من ذا الذي ما ساء قطومن له الحسنى فقط
قال: فسمع قائلا، ولم ير شخصه، وقد أنشد:
محمد الهادي الذيعليه جبريل هبط
وله ديوان شعر لطيف، وأسلوبه فيه رائق، ينحو منحا طريقة الفقراء، وله قصيدة مقدار ستمائة بيت على اصطلاحهم، وكان يقول: عملت في النوم بيتين، وهما:
وحياة أشواقي إليك وحرمة الصبر الجميل
لا أبصرت عيني سواك ولا صبوت إلى خليل
وحكي أنه لما رأى السهروردي بمكة أنشده بديها:
في حالة البعد روحي كنت أرسلهاتقبّل الأرض عني فهي نائبتي
وهذه نوبة الأشباح قد حضرتفامدد يمينك كي تحظى بها شفتي
ويحكى أنه رأى جملا هام به وكلف، وكان الجمل لرجل سقّاء يسقي عليه، وكان الشيخ يأتي لمورده كل يوم ليراه.
قلت: وحكى لي شيخنا شهاب الدين أبو الثناء محمود، قال: قدم ابن الفارض فنزل بمسجد مهجور في آخر باب القرافة، ومعه خادم له، فبقيا ثلاثة أيام لم يطعما طعاما، فعظم بالخادم الجهد، والسغب، فأتى رجل من الأمراء المسجد، فصلى فيه، ثم رمى إلى الشيخ بخرقة فيها عشرة دنانير، ففرح الخادم وهمّ بأخذها، فمرّ سائل، فقال له الشيخ: أعطه الذهب، فقال: لو خلّينا منه ما نأكل به؟!. فقال: أعطه الذهب، فأعطاه. فلم يمض السائل حتى أتى آخر يسأل عن الشيخ، فلمّا رآه سلّم وقال: أريت البارحة في النوم من دلني على
مكانك، وأمرني بالمسير إليك، ودفع إليه خرقة مثل تلك الخرقة فيها مائة دينار، فقال الشيخ لخادمه: إن شئت فخذ هذا الذهب وانصرف عني، فقال: لا والله لأتبعك بهذا، فقال:
بارك الله فيك، قم فاشتر بدينار حصرا لهذا المسجد، وبدينار ما أحببت من الأكل، وتصدّق بالبقية، ففعل، وأتى بأنواع من الشواء والحلواء، وغير ذلك، فأكل، واقتصر الشيخ على أكل كسرة، وبقل، وقال: لو لم تحل لي الميتة لم آكل!. ثم أقام ثلاث سنين لا يأكل إلا بعد كل ثلاثة أيام أكلة واحدة، غير باغ ولا عاد.
وحكي أن ابن الفارض كان قاضيا؛ فأتى يوما المسجد الجامع، والخطيب يخطب يوم الجمعة، وشخص يغني، فنوى إقامته وتأديبه، فلما انقضت الصلاة، وانتشر الناس وأراد ابن الفارض الخروج، ناداه ذلك الرجل: أن أقبل!، فلما وقف عليه أنشده:
قسم الإله الأمر بين عبادهفالصّبّ ينشد والخلي يسبّح
ولعمري التسبيح خير عبادةللناسكين وذا لقوم يصلح
وكان هذا سبب زهده.
مولده: في الرابع من ذي القعدة، سنة ست وسبعين وخمسمائة، بالقاهرة، وتوفي بها يوم الثلاثاء ثاني جمادى الأولى سنة اثنتين وثلاثين وستمائة، ودفن من الغد بسفح المقطم.
وأبوه يعرف بالفارض أنه كان يكتب الفروض للنساء على الرجال. ومن مختار شعره: -
أرج النسيم سرى من الزوراءسحرا فأحيا ميت الأحياء
أهدى لنا أرواح نجد عرفهفالجو منه معنبر الأرجاء
وروى أحاديث الأحبة، مسنداعن إذخر بأذاخر وسحاء
فسكرت من ريا حواشي بردهوسرت حميّا البرء في أدوائي
يا ساكني البطحاء هل من عودةأحيا بها، يا ساكني البطحاء؟
إن ينقضي صبري فليس بمنقضوجدي القديم بكم ولا برحائي
ولئن جفا الوسمي ما حل تربكمفمدامعي تربي على الأنواء
يا لائمي في حب من من أجلهقد جدّ بي وجدي وعزّ عزائي
هلاّ نهاك نهاك عن لوم امرئلم يلف غير منعّم بشقاء
لو تدر فيم عذلتني لعذرتنيخفّض عليك وخلّني وبلائي
أسعد أخيّ وغنّ لي بحديث منحلّ الأباطح إن رعيت إخائي
وكفى غراما أن أبيت متيّماشوقي أمامي والقضاء ورائي
وقوله
أو ميض برق بالأبيرق لاحاأم في ربى نجد أرى مصباحا
أم تلك ليلى العامرية أسفرتليلا فصيّرت المساء صباحا
يا ساكني نجد أما من رحمةلأسير إلف، لا يريد سراحا
هلاّ بعثتم للمشوق تحيةفي طيّ صافية الرياح رواحا
يحيا بها من كان يحسب هجركممزحا ويعتقد المزاح مزاحا
يا عاذل المشتاق جهلا بالذييلقى مليا لا بلغت نجاحا
أقصر عدمتك واطرح من أثخنتأحشاءه النجل العيون جراحا
ما ذا يريد العاذلون بعذل منلبس الخلاعة واستراح وراحا
سقيا لأيام مضت مع جيرةكانت ليالينا بهم أفراحا
واها على ذاك الزمان وطيبهأيام كنت من اللغوب مراحا
وقوله
هل نار ليلى بدت ليلا بذي سلمأم بارق لاح بالزوراء فالعلم
أرواح نعمان هلاّ نسمة سحراوماء وجرة هلاّ نهلة بفمي
يا سائق الظعن يطوي البيد معتسفاطيّ السجلّ بذات الشيخ من إضم
عج بالحمى يا رعاك الله معتمداخميلة الضال ذات الرند والخزم
وقف بسلع وسل بالجزع هل مطرت بالرّقمتين أثيلات بمنسجم
نشدتك الله إن جزت العقيق ضحىفاقر السلام عليهم غير محتشم
وقل تركت صريعا في دياركمحيّا كميت يعير السقم للسقم
فمن فؤادي لهيب ناب عن قبسومن جفوني دمع فاض كالديم
وهذه سنّة العشّاق ما علقوابشادن فخلا عضو من الألم
يا لائما لا مني في حبهم سفهاكفّ الملام فلو أحببت لم تلم
وحرمة الوصل والود العتيق وبالعهد الوثيق وما قد كان في القدم
ما حلت عنهم بسلوان ولا بدلليس التبدّل والسلوان من شيمي
ردّوا الرّقاد لجفني علّ طيفكمبمضجعي زائر في غفلة الحلم
آها لأيامنا بالخيف لو بقيتعشرا وواها عليها كيف لم تدم
هيهات وا أسفي لو كان ينفعنيأو كان يجدي على ما فات وا ندمي
عني إليكم ظباء المنحنى كرماعهدت طرفي لم ينظر لغيرهم
طوعا لقاض أتى في حكمه عجباأفتى بسفك دمي في الحل والحرم
أصمّ لم يسمع الشكوى وأبكم لميحر جوابا وعن المشوق عمي
وقوله
شربنا على ذكر الحبيب مدامةسكرنا بها من قبل أن يخلق الكرم
لها البدر كأس وهي شمس يديرهاهلال وكم يبدو إذا مزجت نجم
ولم يبق منها الدهر غير حشاشةكأن خفاها في صدور النهى كتم
فإن ذكرت في الحي أصبح أهلهنشاوى ولا عار عليهم ولا إثم
ومن بين أحشاء الدنان تصاعدتولم يبق منها في الحقيقة إلا اسم
وإن خطرت يوما على خاطر امرئأقامت به الأفراح وارتحل الهمّ
ولو نظر الندمان ختم إنائهالأسكرهم من دونها ذلك الختم
ولو طرحوا في فيء حائط كرمهاعليلا وقد أشفى، لفارقه السقم
ولو قرّبوا من حانها مقعدا مشىوينطق من ذكرى مذاقتها البكم
ولو عبقت في الشرق أنفاس طيبهاوفي الغرب مزكوم لعاد له الشمّ
ولو خضبت من كأسها كف لامسلما ضلّ في ليل وفي يده النجم
ولو جليت سرا على أكمه غدابصيرا ومن راووقها تسمع الصّمّ
ولو أن ركبا يمموا ترب أرضهاوفي الركب ملسوع لما ضرّه السمّ
ولو رسم الراقي حروف اسمها علىجبين مصاب جنّ، أبرأه الرسم
تهذب أخلاق الندامى فيهتديبها لطريق العزم من لا له عزم
ويكرم من لم يعرف الجود كفهويحلم عند الغيظ من لا له حلم
ولو نال فدم القوم لثم مدامهالأكسبه معنى شمائلها اللثم
يقولون لي صفها فأنت بوصفهاخبير، أجل، عندي بأوصافها علم
صفاء ولا ماء، ولطف ولا هواونور ولا نار، وروح ولا جسم
تقدّم كل الكائنات وجودهاقديما ولا شكل هناك ولا رسم
وقامت بها الأشياء ثمّ لحكمةبها احتجبت عن كل من لا له فهم
وهامت بها روحي بحيث تمازجا اتّحادا ولا جرم تخلله جرم
فخمر ولا كرم وآدم لي أبوكرم ولا خمر ولي أمها أمّ
وقد وقع التفريق والكلّ واحدفأرواحنا خمر وأشباحنا كرم
محاسن تهدي الواصفين لوصفهافيحسن فيها منهم النثر والنظم
ويطرب من لم يدرها عند ذكرهاكمشتاق نعم كلما ذكرت نعم
وقالوا: شربت الإثم! كلاّ وإنماشربت التي في تركها عندي الإثم
هنيئا لأهل الدير كم سكنوا بهاوما شربوا منها ولكنهم همّوا
فعندي منها نشوة قبل نشأتيمعي أبدا تبقى وإن بلي العظم
عليك بها صرفا وإن شئت مزجهافعدلك عن ظلم الحبيب هو الظلم
ودونكها في الحان واستجلها بهعلى نغم الألحان فهي بها غنم
فما سكنت والهمّ يوما بموضعكذلك لم يسكن مع النغم الغمّ
وفي سكرة منها ولو عمر ساعةترى الدهر عبدا طائعا ولك الحكم
فلا عيش في الدنيا لمن عاش صاحياومن لم يمت سكرا فاته الحزم
على نفسه فليبك من ضاع عمرهوليس له منها نصيب ولا سهم
وقوله [﵁ من البحر البسيط]
ما بين معترك الأحداق والمهجأنا القتيل بلا إثم ولا حرج
ودّعت قبل الهوى روحي لما نظرتعيناي من حسن ذاك المنظر البهج
لله أجفان عين فيك ساهرةشوقا إليك وقلب بالغرام شج
وأدمع هملت لولا التنفس مننار الهوى لم أكد أنجو من اللجج
وحبذا فيك أسقام خفيت بهاعني تقوم به عند الهوى حججي
أصبحت فيك كما أمسيت مكتئباولم أقل جزعا: يا أزمة انفرجي
أهفو إلى كل قلب بالغرام لهشغل وكل لسان بالهوى لهج
وكل سمع عن اللاحى به صمموكل جفن إلى الإغفاء لم يعج
لا كان وجد به الآماق جامدةولا غرام به الأشواق لم تهج
عذّب بما شئت غير البعد عنك تجدأوفى محبّ بما يرضيك مبتهج
وخذ بقية ما أبقيت من رمقلا خير في الحب إن أبقى على المهج
من لي بإتلاف روحي في هوى رشاحلو الشمائل بالأرواح ممتزج
من مات فيه غراما عاش مرتقياما بين أهل الهوى في أرفع الدرج
محجّب لو سرى في مثل طرتهأغنته غرته الغرّا عن السرج
وإن ظللت بليل من ذوائبهأهدى لعيني الهدى صبح من البلج
وإن تنفس قال المسك معترفالعارفي طيبه: من نشره أرجي
أعوام إقباله كاليوم في قصرويوم إعراضه في الطول كالحجج
فإن نأى سائرا يا مهجتي ارتحليوإن دنا زائرا يا مقلتي ابتهجي
قل للذي لا مني فيه وعنّفنيدعني وشأني عن نصحك السمج
فاللوم لؤم ولم يمدح به أحدوهل رأيت محبا بالغرام هجي؟
يا ساكن القلب لا تنظر إلى سكنيواربح فؤادك واحذر فتنة الدعج
يا صاحبي وأنا البر الرؤوف وقدبذلت نصحي بذاك الحي لا تعجي
فيه خلعت عذاري واطّرحت بهقبول نسكي والمقبول من حججي
فابيضّ وجه غرامي في محبّتهواسودّ وجه ملامي فيه بالحجج
تبارك الله ما أحلى شمائلهفكم أماتت وأحيت فيه من مهج
يهوى لذكر اسمه من لجّ في عذليسمعي وإن كان عذلي فيه لم يلج
وأرحم البرق في مسراه منتسبالثغره وهو مستحي من الفلج
تراه إن غاب عني كل جارحةفي كل معنى لطيف رائق بهج
في نغمة العود والناي الرخيم إذاتألفا بين ألحان من الهزج
وفي مسارح غزلان الخمائل فيبرد الأصائل والإصباح في البلج
وفي مساقط أنداء الغمام علىبساط نور من الأزهار منتسج
وفي مساحب أذيال النسيم إذاأهدى إليّ سحيرا أطيب الأرج
وفي التثامي ثغر الكأس مرتشفاريق المدامة في مستنزه فرج
لم أدر ما غربة الأوطان وهو معيوخاطري أين كنا غير منزعج
فالدار داري، وحبّي حاضر ومتىبدا فمنعرج الجرعاء منعرجي
ليهن ركب سروا ليلا وأنت بهمبسيرهم في صباح منك منبلج
فليصنع الركب ما شاؤوا بأنفسهمهم أهل بدر فلا يخشون من حرج
بحق عصياني اللاّحي عليك ومابأضلعي طاعة للوجد من وهج
انظر إلى كبد ذابت عليك جوىومقلة من نجيع الدمع في لجج
وارحم تعثّر آمالي ومرتجعيإلى خداع تمني القلب بالفرج
واعطف على ذلّ أطماعي بهل وعسىوامنن عليّ بشرح الصدر من حرج
أهلا بما لم أكن أهلا لموقعهقول المبشر بعد اليأس بالفرج
لك البشارة فاخلع ما عليك فقدذكرت ثمّ على ما فيك من عوج
وقوله [﵁ من البحر الكامل]
قلبي يحدّثني بأنك متلفيروحي فداك عرفت أم لم تعرف
لم أقض حق هواك إن كنت الذيلم أقض فيه أسى ومثلي من يفي
مالي سوى روحي وباذل نفسهفي حب من يهواه ليس بمسرف
فلئن رضيت بها فقد أسعفتنييا خيبة المسعى إذا لم تسعف
يا مانعي طيب المنام ومانحيثوب السقام به ووجدي المتلف
عطفا على رمقي وما أبقيت ليمن جسمي المضنى وقلبي المدنف
فالوجد باق والوصال مماطليوالصبر فان واللقاء مسوّفي
لم أخل من حسد عليك فلا تضعسهري بتشنيع الخيال المرجف
واسأل نجوم الليل هل زار الكرىجفني وكيف يزور من لم يعرف
لا غرو إن شحّت بغمض جفونهاعيني وسحّت بالدموع الذّرف
وبما جرى في موقف التوديع منألم النوى شاهدت هول الموقف
إن لم يكن وصل لديك فعد بهأملي وماطل إن وعدت ولا تف
فالمطل منك لديّ إن عزّ الوفايحلو كوصل من حبيب مسعف
أهفو لأنفاس النسيم تعلةولوجه من نقلت شذاه تشوفي
فلعلّ نار جوانحي بهبوبهاأن تنطفي وأود أن لا تنطفي
يا أهل ودي أنتم أملي ومنناداكم يا أهل ودي قد كفي
عودوا لما كنتم عليه من الوفاكرما فإني ذلك الخل الوفي
وحياتكم، وحياتكم قسما وفيعمري بغير حياتكم لم أحلف
لو أن روحي في يدي ووهبتهالمبشري بوصالكم لم أنصف
لا تحسبوني في الهوى متصنّعاكلفي بكم خلق بغير تكلف
أخفيت حبكم فأخفاني أسىحتى لعمري كدت عني أختفي
وكتمته عني فلو أبديتهلوجدته أخفى من اللطف الخفي
ولقد أقول لمن تحرّش بالهوىعرّضت نفسك للبلا فاستهدف
أنت القتيل بأي من أحببتهفاختر لنفسك في الهوى من تصطفي
قل للعذول أطلت لومي طامعاأن الملام عن الهوى مستوقفي
دع عنك تعنيفي وذق طعم الهوىفإذا عشقت فبعد ذلك عنّف
برح الخفاء بحب من لو في الدجىسفر اللثام لقلت يا بدر اختف
وإن اكتفى غيري بطيف خيالهفأنا الذي بوصاله لا أكتفي
وقفا عليه محبتي ولمحنتيبأقل من تلفى به لا أشتفي
وهواه وهو اليتي وكفى بهقسما أكاد أجله كالمصحف
لو قال تيها قف على جمر الغضالوقفت ممتثلا ولم أتوقّف
أو كان من يرضى بخدي موطئالوضعته أرضا ولم أستنكف
لا تنكروا شغفي بما يرضى وإنهو بالوصال عليّ لم يتعطّف
غلب الهوى فأطعت أمر صبابتيمن حيث فيه عصيت نهي معنفي
مني له ذل الخضوع ومنه ليعز المنوع وقوة المستضعف
ألف الصدود ولي فؤاد لم يزلمذ كنت غير وداده لم يألف
يا ما أميلح كل ما يرضى بهورضا به يا ما أحيلاه بفي
لو أسمعوا يعقوب ذكر ملاحةفي وجهه نسي الجمال اليوسفي
أو لو رآه عائدا أيوب فيسنة الكرى قدما من البلوى شفي
كل البدور إذا تجلّى مقبلاتصبو إليه وكلّ قدّ أهيف
إن قلت عندي فيك كل صبابةقال: الملاحة لي، وكل الحسن في
كملت محاسنه فلو أهدى السناللبدر عند تمامه لم يخسف
وعلى تفنن واصفيه بحسنهيفنى الزمان وفيه ما لم يوصف
ولقد صرفت لحبه كلي علىيد حسنه فحمدت حسن تصرفي
فالعين تهوى صورة الحسن التيروحي بها تصبو إلى معنى خفي
أسعد أخيّ وغنني بحديثهوانثر على سمعي حلاه وشنّف
لأرى بعين السمع شاهد حسنهمعنى فأتحفني بذاك وشرّف
يا أخت سعد من حبيبي جئتنيبرسالة أديتها بتلطّف
فسمعت ما تسمعي ونظرت مالم تنظري وعرفت ما لم تعرفي
إن زار يوما يا حشاي تقطّعيكلفا به أو سار يا عين اذرفي
ما للنوى ذنب ومن أهوى معيإن غاب عن إنسان عيني فهو في
وقوله ﵁
هو الحب فاسلم بالحشا ما الهوى سهلفما اختاره مضنى به، وله عقل
وعش خاليا فالحب راحته عنىوأوله سقم وآخره قتل
ولكن لدي الموت فيه صبابةحياة لمن أهوى عليّ بها الفضل
نصحتك علما بالهوى والذي أرىمخالفتي فاختر لنفسك ما يحلو
فإن شئت أن تحيا سعيدا فمت بهشهيدا وإلا فالغرام له أهل
فمن لم يمت في حبه لم يعش بهودون اجتناء النحل ما جنت النحل
تمسّك بأذيال الهوى واخلع الحياوخلّ سبيل الناسكين وإن جلّوا
وقل لقتيل الحب وفيت حقهوللمدعي هيهات ما لكحل الكحل
تعرّض قوم للغرام وأعرضوابجانبهم عن صحتي فيه واعتلوا
رضوا بالأماني وابتلوا بحظوظهموخاضوا بحار الحب دعوى فما ابتلوا
فهم في السرى لم يبرحوا من مكانهموما ظعنوا في السير عنه وقد كلوا
وعن مذهبي لما استحبوا العمى على الهدى حسدا من عند أنفسهم ضلّوا
أحبّة قلبي والمحبّة شافعلديكم إذا شئتم بها اتصل الحبل
عسى عطفة منكم عليّ بنظرةفقد تعبت بيني وبينكم الرسل
أحبّائي أنتم أحسن الدهر أم أسافكونوا كما شئتم، أنا ذلك الخلّ
إذا كان حظي الهجر منكم ولم يكنبعاد فذاك الهجر عندي هو الوصل
وما الصدّ إلا الود ما لم يكن قليوأصعب شيء غير إعراضكم سهل
وتعذيبكم عذب لديّ وجوركمعليّ بما يقضي الهوى لكم عدل
وصبري صبر عنكم وعليكمأرى أبدا عندي مرارته تحلو
أخذتم فؤادي وهو بعضي فما الذييضرّكم لو كان عندكم الكلّ
نأيتم فغير الدمع لم أر وافياسوى زفرة من حر نار الجوى تغلو
فسهدي حيّ في جفوني مخلّدونومي بها ميت ودمعي له غسل
هوى طلّ ما بين الطلول دمي، فمنجفوني جرى بالسفح من سفحه، وبل
تباله قومي إذ رأوني متيماوقالوا: بمن هذا الفتى مسّه الخبل
وما ذا عسى عني يقال سوى غدابنعم، له شغل، نعم لي بها شغل
وقال نساء الحي: عنا بذكر منجفانا وبعد العز لذله الذلّ
إذا أنعمت نعم عليّ بنظرةفلا أسعدت سعدى ولا أجملت جمل
وقد صدئت عيني برؤية غيرهاولثم جفوني تربها للصدا يجلو
حديثي قديم في هواها ومالهكما علمت بعد وليس له قبل
وما لي مثل في غرامي بها كماغدت فتنة في حسنها ما لها مثل
حرام شفا سقمي لديها رضيت مابه قسمت لي في الهوى ودمي حلّ
فحالي وإن ساءت فقد حسنت بهاوما حطّ قدري في هواها به أعلو
وعنوان ما فيها لقيت وما بهشقيت وفي قولي اختصرت ولم أغل
خفيت ضنى، حتى لقد ضلّ عائديوكيف ترى العوّاد من لا له ظلّ
وما عثرت عين على أثري ولمتدع لي رسما في الهوى الأعين النجل
ولي همة تعلو إذا ما ذكرتهاوروح بذكراها إذا رخصت تغلو
فنافس ببذل النفس فيها أخا الهوىفإن قبلتها منك، يا حبّذا البذل
فمن لم يجد في حبّ نعم بنفسهولو جاد بالدنيا إليه انتهى البخل
ولولا مراعاة الصيانة غيرةوإن كثروا أهل الصبابة أو قلّوا
لقلت لعشّاق الملاحة أقبلواإليها، على رأبي، وعن غيها ولّوا
وإن ذكرت يوما، فخرّوا لذكرهاسجودا وإن لاحت إلى وجهها، صلّوا
وفي حبها بعت السعادة بالشقاضلالا وعقلي عن هداي به عقل
وقلت لرشدي والتنسك والتقىتخلوا وما بيني وبين الهوى خلّوا
وفرّغت قلبي من وجودي مخلصالعلّي في شغلي بها معها أخلو
ومن أجلها أسعى لمن بيننا سعىوأعدو ولا أغدو لمن دأبه العذل
فأرتاح للواشين بيني وبينهالتعلم ما ألقى وما عندها جهل
وأصبو إلى العذّال حبا لذكرهاكأنهم ما بيننا في الهوى رسل
فإن حدّثوا عنها فكلي مسامعوكلّي إن حدّثتهم ألسن تتلو
تخالفت الأقوال فينا تباينابرجم ظنون بيننا ما لها أصل
فشنّع قوم بالوصال ولم تصلوأرجف بالسلوان قوم ولم أسل
وما صدق التشنيع عنها لشقوتيوقد كذبت عني الأراجيف والنقل
وكيف أرجّي وصل من لو تصورتحماها المنى وهما، لضاقت بها السبل
وإن وعدت لم يلحق الفعل قولهاوإن أوعدت فالقول يسبقه الفعل
عديني بوصل وامطلي بنجازهفعندي إذا صحّ الهوى حسن المطل
وحرمة عهد بيننا عنه لم أحلوعقد بأيد بيننا ما له حلّ
لأنت على غيظ النوى ورضى الهوىلديّ وقلبي ساعة منك ما يخلو
ترى مقلتي يوما ترى من أحبهمويعتبني دهري ويجتمع الشمل
وما برحوا معنى أراهم معي، فإننأوا صورة، في الذهن قام لهم شكل
فهم نصب عيني ظاهرا حيثما سرواوهم في فؤادي باطنا أينما حلّوا
لهم أبدا مني حنوّ وإن جفواولي أبدا ميل إليهم وإن ملّوا
وقوله ﵁
ته دلالا فأنت أهل لذاكاوتحكّم فالحسن قد أعطاكا
ولك الأمر فاقض ما أنت قاضفعليّ الجمال قد ولاّكا
وتلافي إن كان فيه ائتلافيبك، عجّل به، جعلت فداكا
وبما شئت في هواك اختبرنيفاختباري ما كان فيه رضاكا
فعلى كل حالة أنت منيبي أولى إذ لم أكن لو لاكا
أبق لي مقلة لعلي يوماقبل موتي أرى بها من رآكا
أين مني ما رمت، هيهات بل أين لعيني بالجفن لثم ثراكا
فبشيري لو جاء منك بعطفووجودي في قبضتي قلت: هاكا
هبك أن اللاحي نهاه بجهلعنك قل لي: عن وصله ما نهاكا؟
أترى من أفتاك بالصدّ عنيولغيري بالودّ من أفتاكا
كنت تجفوا وكان لي بعض صبرأحسن الله في اصطباري عزاكا
كل من في حماك يهواك، لكنأنا وحدي بكل من في حماكا
وقوله ﵁
قف بالديار وحيّ الأربع الدّرساونادها فعساها أن تجيب عسى
فإن أجنّك ليل من توحّشهافاشعل من الشوق في ظلمائها قبسا
ومنها:
فإن بكى في قفار خلتها لججاوإن تنفّس عادت كلها يبسا
كم زارني والدجى يربد من حنقوالزهر تبسم عن وجه الذي عبسا
وابتزّ قلبي قسرا قلت مظلميا حاكم الحب هذا القلب لم حبسا
زرعت باللحظ وردا فوق وجنتهحقا لطرفي أن يجنى الذي غرسا
فإن أبى فالأقاحي منه لي عوضمن عوّض الدّرهم زهر فما بخسا
تلك الليالي التي أعددت من عمريمع الأحبة كانت كلها عرسا
لم يحل للعين شيء بعد بعدهموالقلب مذ آنس التذكار ما أنسا
وألزم الصبر مني النفس مكرهةلولا التأسي بدار الخلد متّ أسى
وقوله:
يمينا بما في الثغر من رائق اللمالقد ذبت من شوقي إلى وجهه ظما
ولولا النسيم الحاجري يمر بييبشرني بالقرب من ساكني الحمى
لهدمت أركان الصبابة والتقىولكنني عللت نفسا بربما
ومحتجب من خلف سمر ذوابلوكم مات فيه من محب متيّما
إذا جاز في ترب له بعد هجعةيريك الضحى في غيهب قد تبسما
سل الغصن من أعطاه لين قوامهومن قد أعار الجيد واللحظ للدما
شكوت إلى عينيه وجدي ولوعتيفقال لك البشرى إذا مت مغرما
يرى أن قتلي في هواه محللاوأن وصالي والسلام محرّما
يرق لما ألقاه في الليل طيفهفما ضره من طيفه لو تعلما
تلطّف بي حتى تملّك مهجتيوعذبني بالتيه والصدّ عند ما
بنى في فؤادي مسكنا غير أنهلركن اصطباري بالقطيعة هدّما
بوجه تعالى الله أتقن خلقهفكم نسخت آياته آية السما
وقوله:
أعلنت ما تسره الآماقحين أضمت مقاتلي الأحداق
وكتمت الغرام شحا وصونافأقرت بنشوتي العشّاق
يا أهيل الحمى شكاية صبّفتكت في فؤاده الأحداق
وده قد علمتموه سليماما اعتراه بعد البعاد محاق
وهو مذ بايع الغرام قديمامؤمن العشاق لم يشبه نفاق
لا وعصر الصبا وحرمة ليلضمنا حين نامت الطرّاق
ما أفاد الملام فيكم ولا ملّغرامي ولا وهى الميثاق
وقوله:
حسب المحب من الصبابة ما لقيلما تخلف بعده في الأبرق
ساروا فما والله ما كتم الدجىنور أضاء من الجبين المشرق
ولقد رجوت الصبر يبقى بعد مابانوا فلجّ بي الغرام وما بقي
أمروا بإطلاق الدموع لبينهموأسير سحر عيونهم لم يطلق
سعدت حداتهم بكل ممتعفي ركبهم والربع بعدهم شقي
حاشا فؤاد خلّصوه لودّهمواستوطنوه لذكرهم لم يخفق
يا قلب صبرا تحت أعباء الهوىقبل الممات لعلّنا لا نلتقي
ولربّما نهدي الصبا في طيّهامن نشرها روحا لقلب شيّق
خلق التصبر عنهم وهواهمبين الضلوع جديده لم يخلق
وقوله ﵁
أشاهد معنى حسنكم فيلذّ ليخضوعي لديكم في الهوى وتذللي
وأشتاق للمعنى الذي أنتم بهولو لاكم ما شاقني ذكر منزل
فلله كم من ليلة قد قطّعتهابلذة عيش والرقيب بمعزل
ونلت مرادي فوق ما كنت راجيافوا حسرتا لو تم هذا ودام لي
وقد ذكره أبو الصفاء الصفدي وقال: قال الشيخ شمس الدين يعني الحافظ الذهبي:
أنشدنا غير واحد أنه قال عند موته لما انكشف له الغطاء:
إن كان منزلتي في الحب عندكمما قد لقيت فقد ضيّعت أيامي
أمنية ظفرت روحي بها زمناواليوم أحسبها أضغاث أحلام
قال: ومن شعره مما ليس في ديوانه:
وإذا قيل من تحب؟ تخطاك لسانيوأنت في القلب ذاكا
عميت عين من رأى مثل عينيك وطوبى لعين من قد رآكا
ولد ﵁ بالقاهرة سنة ست وسبعين وخمسمائة، وتوفي بها سنة اثنتين وثلاثين وستمائة.
ودفن تحت العارض - مكان بالقرافة - ورثاه الجزار، فقال: -
لم يبق صيب مزنه إلا وقدوجبت عليه زيارة ابن الفارض
لا غرو أن يسقى ثراه وقبرهباق ليوم العرض تحت العارض
ومنهم:
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع